تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 74
2020.10.06
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
منذ عودتي للقسم الثقافي عملت تدريجيا على تحقيق رؤيتي الهادفة الى الاهتمام بالفعاليات والنشاطات الثقافية التي تقام في المحافظات. والى الانفتاح على الكتاب الشباب الذين لا يحصلون على فرص حقيقية لاظهار مواهبهم بسبب بعدهم عن دمشق.. أي عن المطابخ الثقافية والإعلامية المتحكمة بتوزيع حصص الشهرة والقبول على خلق الله، الموهوبين منهم وغير الموهوبين..!؟
لم يكن الأمر صعبا. فما أن بدأت بنشر المقالات والمساهمات الجيدة الواردة عبر البريد. حتى انهالت على القسم عشرات الرسائل التي تحمل مقالات وتغطيات ونصوصا لكتاب شباب من مختلف المحافظات، ومن الكتاب الشباب المقيمين في دمشق..
لكن هذا الانفتاح على الشباب لا يعني اني كنت بصدد تحويل الصفحات إلى مشاع لكل عابر سبيل. بل كنت أطبق معايير صارمة على الموضوعات حتى تجد طريقها سالكة إلى صفحاتنا الثقافية.
كانت حصيلة التجربة وفيرة. فقد ساهمنا بفعالية في فتح الطرق أمام كتاب كثر سيصبح لهم شأن في مستقبل الحياة الثقافية والأدبية السورية.
من منا لم يسمع أو يقرأ للكاتب الساخر خطيب بدلة ولجميل حتمل ونجم الدين السمان وإبراهيم يوسف ولقمان ديركي وخليل صويلح الذي سيصبح فيما بعد رئيسا للقسم الثقافي في الجريدة.
كل هؤلاء وغيرهم بالإضافة الى الكتاب الاختصاصيين المتعاونين مع الجريدة. انضموا للزملاء المحررين العاملين في القسم ليشكلوا فريق عمل ساعدني في المحافظة على قيم النشر المتبعة في الجريدة منذ تأسيسها، وعلى تقاليد العمل الصحفي وسويته.
كان من بين هؤلاء الكتاب الشباب جميل حتمل ووفاء الخشن اللذين كان لكل منهما قصة مع القسم الثقافي أعتقد أنها جديرة بالنشر.
في ظهيرة أحد الأيام جاء إلى الجريدة دون موعد. وقف بباب مكتبي وطرقه بهدوء. نظرت باتجاه الباب. كان شابا في منتصف العشرينيات من عمره. ألقى التحية وعرفني بنفسه:
- اسمي جميل حتمل أحضرت لك نصا لترى أن كان صالحا للنشر.
بقي جميل مسمرا عند الباب، تركت طاولتي واتجهت إليه صافحته وطلبت منه الجلوس.
طلبت فنجانين من القهوة. اعترض خجلا. لم أهتم. وجهت له عدة أسئلة عن دراسته واهتماماته. ليس فقط لاحصل على معلومات تخصه، بل لأنتشله من حالة الخجل والارتباك التي سيطرت عليه. كانت بشرته شديدة الحمرة، وأعتقد أن شعره الأجعد احمر ايضا بفعل الخجل. كان يحدثني وعيناه تجولان في المكان.
جاءت القهوة. تركته يرتشفها بينما انهمكت في قراءة نصه..
كان نصا مدهشا ورغم ذلك اقترحت عليه أن يعيد صياغة إحدى فقراته. فقد رايت ان صياغتها بطريقة مختلفة ستجعلها أكثر انسجاما مع روح النص.
وافق جميل دون تردد وطلب مني أن يأخذ النص إلى البيت لإجراء تعديلاته على الفقرة ومن ثم إعادته.
كان أكثر الزملاء قد غادروا القسم. فطلبت منه أن يجلس الى إحدى الطاولات ويعدل النص فورا، فلا ضرورة لارجاعه الى البيت... كنت أخشى أن لا يعود!؟
وافق جميل على الفكرة وبعد ساعة أحضر لي النص معدلا بالكامل.
كانت الفقرة التي عدلها جميل أجمل الفقرات. لقد وضع فيها كل خجله وشجنه. كل طيبته وسماحة وجهه. كل يتمه ويتمي ويتم البلد. كل النبل المترقق في عينيه.. لقد وضع فيها ذاته.. وضع فيها جميل حتمل..!؟
لم أستطع أن أبدي له رأيا. فقط دفعت بالنص إلى المطبعة، وقلت له:
- غدا ستجده منشورا في الجريدة.
ظهرت على وجهه علامات الدهشة والفرح. صافحني وهم بالخروج
شددت على يده وقلت له: اعتبر نفسك من الآن أحد كتاب الجريدة. أنا بانتظار كتاباتك.. شكرني وانصرف.
تابع جميل الكتابة للقسم دون أن اضطر بعدها للتدخل. لا لإبداء ملاحظات ولا لطلب اعادة. كان جاهزا لأعلنه كاتبا محترفا.
بعد مدة انقطع جميل عن الكتابة لفترة ليست طويلة. وعندما عاد علمت أنه كان مسافرا إلى باريس لإجراء عملية في القلب.. لم أكن أعلم أنه ولد وهو يحمل قلبا متعبا!
بعد سنوات قليلة اختفى جميل مرة أخرى. اعتقدت انه مسافر للعلاج. غير ان غيابه طال بعض الشيئ.
بعد عدة أشهر على غيابه. كنت أسير قرب فندق دمشق الدولي عندما التقيت به وجها لوجه. ألقى التحية بصوت خافت وتابع مسيره. بعد أن تجاوزني ناديته باسمه. لم يلتفت ولم يتوقف. جريت وراءه و أمسكته من يده واوقفته عنوة.
- جميل.. ماذا تفعل. هل جننت.. لماذا تهرب مني على هذا النحو؟!
قال:
- أستاذ تميم أرجوك اتركني وامش في طريقك. انت عاملتني بمنتهى الإنسانية ولن أرضى ان أكون السبب في ايذائك!؟
قلت له:
- إذا كنت تريدني ان أتركك فيجب أن تخبرني بسرعة لماذا تتصرف هكذا.. ماذا جرى. وعن أي إيذاء تتحدث!؟
سحبني باتجاه الحائط. والتفت إلى كافة الاتجاهات وقال:
- لقد سألوني عنك!؟
- من هم!؟
قال:
- جماعة السياسية!؟
- وأين اجتمعت بهم؟
قال:
- لقد استضافوني عندهم!؟
سالته:
- بأي تهمة؟
- قال:
- عندما يريدونك سيجدون لك اية تهمة. ـنا متهم بأني يساري، ولكني لم أمارس أي نشاط سياسي ولم أنضم الى أي تنظيم سري ورغم ذلك استضافوني.
سألته:
- ولماذا لا تريد التحدث الي؟
- قال: سألوني عنك ولا أريد أن يعرفوا انك صديقي. حتى لا أتسبب لك بأية مشكلة. لقد أصبحت "صوفتي حمراء"
سألته:
-وما الذي يريدون معرفته؟
أجاب:
- سألني الضابط المحقق كيف تمكنت من الوصول للنشر في جريدة تشرين. فحكيت له قصتي معك. فسألني إن كنت أعرفك من قبل فنفيت وقلت له. لقد تعرفت على تميم في اليوم الذي نشر لي فيه أول مقالة. فسألني عن اتجاهاتك السياسية فقلت له لا أعلم. وأردفت: أعتقد أنه بعثي. فسألني ولماذا تعتقد أنه بعثي. أجبته: لأنه يستلم أهم قسم في جريدة تشرين. وعادة لا يستلم أحد مثل هذا الموقع إذا لم يكن بعثيا. فاجابني: اطمئنك هو ليس بعثيا.. فأجبته: انتم أعلم. فقال لي: على كل الأحوال ستكشف طبيعة العلاقة التي تربطك به..؟!
أضاف جميل: هم بكل تأكيد يبحثون عن مبرر للإمساك بك. ولا أريد أن أكون السبب. ولذلك لم أتكلم معك!؟
عندما انهى جميل كلامه قلت له:
- اسمع يا جميل.. انس ما حدث فهو أمر غير مهم بالنسبة لي. اذا أرادوا اعتقالي لن ينتظروا تفسيرا لعلاقتك بي، ولما كانوا تركوك أصلا. تابع كتاباتك للجريدة وكأن شيئا لم يكن. و أنا سأتابع نشرها. لا تتوقف عن زيارتي.. هل تعدني بذلك..
قال:
- لست متأكدا!؟
الحيت عليه بالطلب. ورغم ذلك لم يعدني واكتفى بشكري على ثقتي به. ووعدني بدراسة العرض وانصرف.
لم يزرني جميل بعدها ولم يرسل لي أي مقال واختفى مرة أخرى وعلمت بعد مدة انه هاجر إلى فرنسا. وبقي فيها حتى توفي عام 1994.
كنت خارج سورية عندما توفي. لم أكن قد شاهدته او اجتمعت به منذ عشر سنوات. ورغم ذلك شعرت بمرارة أن أفقد صديقا وكاتبا وانسانا مثله..!؟
أما قصة الشاعرة والناقدة وفاء الخشن مع النشر في تشرين، فلا تختلف كثيرا عن قصة جميل حتمل.
هي أيضا حملت بواكير قصائدها وجاءت الينا بحثا عن فرصة لنشرها في الجريدة.
كانت وفاء في ذلك الوقت طالبة في كلية الصيدلة بجامعة دمشق. وكانت قصائدها تنبئ عن موهبة شعرية ناضجة. كنا وكما ذكرت سابقا لا ننشر الأعمال الإبداعية. ولذلك اعتذرت عن نشر القصائد على الرغم من جودتها. ولكني اقترحت عليها أن تكتب عن دواوين الشعر والأعمال الإبداعية الأخرى التي تصدر حديثا بغرض التعريف بها وتقديمها لقراء الجريدة.
وافقت وفاء على العرض وسألتني عن الطريقة التي يمكن أن تحصل بواسطتها على الكتب الحديثة الصدور.
وعدتها بأن أزودها بما يردنا من دور النشر فقد كنت أدرك أنها ما زالت طالبة وان الحصول على جديد الكتب يتطلب موازنة تعجز عن تأمينها..
زودتها بما كان متوفرا لدي من اصدارات جديدة. وبعد أيام أحضرت مقالا اكتشفت من خلاله أني كنت محقا في الرهان عليها ليس شاعرة فقط. بل وكاتبة ومشروع ناقدة على الرغم من صغر سنها.
بقيت أزودها بالكتب وبقيت تزود القسم بكتاباتها حتى مغادرتي الجريدة. والان و أنا أكتب هذه السلسلة، وبعد ثلاثين عاما من مغادرتي عرفت بأنها غادرت إلى العراق وانها أصدرت اكثر من ستة دواوين شعر وكتابا من جزأين يحمل عنوان "المفرزة التي لاحقت المشاهير"
لم أتمكن من الحصول عل نسخة من هذا الكتاب.. ولكني قرأت أنه يتضمن مقابلات صحفية كثيرة أجرتها مع مشاهير من الوسطين الأدبي والفني العربي، وأنها لم تنجح فقط كاديبة وشاعرة. بل إنها حققت نجاحا ملحوظا في عالم الصحافة الثقافية.
كان الزملاء محررو القسم الثقافي وجميع من ذكرت أسماءهم في هذه الحلقة من الكتاب الشباب إضافة الى النقاد والكتاب المحترفين. كانوا جميعا يشكلون الكوكبة الجميلة التي سأواصل بها ومن خلالها العمل على الاستمرار في إصدار صفحات ثقافية مميزة.. جادة وجذابة. وديموقراطية إلى الحدود القصوى الممكنة..!؟
"يتبع"