نصر شمالي: خواطر في المسألة اليهودية
2020.10.15
في كتابه "الخروج من العراق" يقول، اليهودي الإسرائيلي من أصل عراقي، اسحق بارموشيه، ما يلي:
- "كنا نتذكر بحزن شديد أن حكام العراق، الرجعيون وخدام الاستعمار البريطاني، كانوا يصفوننا بأننا يهود، وقد تركنا العراق بصفتنا يهوداً، ووصلنا إسرائيل لنستقبل بصفتنا عراقيين!.. كان المشهد مأساوياً ومضحكاً في الوقت نفسه! فقد ساعدنا حكام العراق على تأكيد وتثبيت يهوديتنا، وهاهم أبناء ديانتنا يساعدوننا من جهتهم على تأكيد وتثبيت عراقيتنا!.. كان الشعور العام مؤلماً ومثيراً للحزن في آن واحد!.. إن الأنبياء اليهود، المعروفة قبورهم، يثوون في أرض العراق، وقد حافظنا عليهم نحن والعرب كما يحافظ الإنسان على بؤبؤ عينه، والعرب في الديار المقدسة (يقصد في فلسطين) كانوا أحسن الحراس وأكثرهم أمانة لقبور أجدادنا وأجدادهم معاً، في الخليل وغير الخليل، وإن تاريخنا وتاريخهم في هذه الديار يرتبط ارتباطاً عضوياً، ولذلك، اكتشفنا أن المستقبل هو للارتباط وليس للانفصال، وأن عوامل القرب، هنا وهناك، كانت وظلت وسوف تبقى أقوى من عوامل البعد".
- عن كتابي "مصيرنا هو مصير فلسطين..." الصادر عام
********
هناك سوء فهم واسع النطاق للمسألة اليهودية عموماً، ولمأساة يهود البلاد العربية خصوصاً، ونحن بالطبع ضد الصهيونية ولسنا ضد اليهود، الذين عندهم ما عند غيرهم (دينياً) مما يصح وما لا يصح..
ففي العراق، على سبيل المثال، كان اليهود يعيشون في رخاء، ولم يوافقوا على الهجرة إلى فلسطين المحتلة، فكان رفضهم ورطة للقيادات الصهيونية، فلو نزلت عند إرادتهم لظهرت "دولتهم الإسرائيلية" دون أي مبرر لإقامتها، ولذلك بدأ التآمر مع الحكومات العربية ضد يهود بلادها، وبدأت أعمال الإرهاب ضد المواطنين اليهود العرب، لإرغامهم على الهجرة، برعاية واشنطن ولندن.. وهكذا، في آذار/مارس ١٩٥٠، رأينا وزير داخلية العراق (صالح جبر) في عهد حكومة توفيق السويدي، يقدم إلى البرلمان العراقي مشروع قانون يسمح لكل يهودي بالهجرة والتخلي عن جنسيته العراقية، وذلك، بالطبع، بناء على ذلك الاتفاق مع الصهاينة، الذي يقول: "خذوا أملاك اليهود واعطونا أجسادهم"!..
وفتحت في العراق مكاتب لتسجيل أسماء الراغبين في الهجرة، ولكن طيلة شهر، لم يتقدم لطلب الهجرة سوى ١٢٠ يهودياً فقط .. وفي مساء ٨-٤-١٩٥٠، بدأ الإرهاب الغامض، وألقيت أول قنبلة على مقهى البيضاء في شارع أبي نواس، في بغداد، ورواده جميعهم من اليهود، ووزعت منشورات تدعو اليهود إلى الهرب والهجرة، وبدأت مكاتب الهجرة تغص بعشرات الآلاف، بينما إلقاء القنابل مستمر، حتى على الكنس اليهودية.. وقد تولت شركة الطيران الأميركية مهمة الشحن إلى فلسطين بإدارة ممثلها المدعو مستر أرمسترونغ، الذي كان في حقيقته شلومو هيلل وزير الداخلية الإسرائيلي لاحقاً! .. أكثر من مائة ألف يهودي عراقي شحنوا إلى فلسطين المحتلة خلال أشهر قليلة، وبقي فقط ستة آلاف صمدوا وأصروا على البقاء..
وفي فلسطين، أثار اليهود العراقيون، وما زالوا يثيرون، قصة القنابل الصهيونية التي ألقيت عليهم في العراق، وهي القصة التي تكررت في مصر وفي غيرها لاحقاً.