كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمانة طه: قارئة الفنجان.. (من رواية في طور الانتهاء)

ذات مرة قمت بزيارة لامرأة تنظر في الكف وتتوقع المستقبل، بناء على نصيحة من سيدة أميركية زوجة طبيب صديق. وقتها ضحكت من غرابة النصيحة، وقلت لها ليس لدي ما أشكو منه. فقالت آيرين: جربيها ولو من قبيل الفضول، فما رأيته منها، ينمّ عن قدرة عالية على التبصر. كلام آيرين أربى فضولي، فذهبت. كان البيت أشبه بعيادة طبية، زوار وانتظار والأجرة ثلاث ليرات سورية لا غير. سيدة شابة شعرها مصبوغ باللون الأشقر، تضع على كتفيها عباءة صيفية زرقاء مطرزة بخيوط مقصبة وتجلس خلف طاولة صغيرة عليها ورق أبيض وقلم، وأمامها كرسي آخر يجلس عليه طالب الاستشارة. نظرت في كفي وإلى وجهي، ثم اندفعت تقول: حياتك مستقرة وهادئة فليس لديك أي مشكلة تحتاج مني إلى رقية أو حجاب، لكني أرى عندك انقطاعًا في قابل الأيام لا أعرف سببه. وصفتْ لي البناء الذي أسكن فيه، ولون سواتر الشبابيك الخشبية. وحددت عمل زوجي واستشرفت ذهابه في بعثة تخصصية إلى بريطانيا، وذكرت لي اسم ابني البكر. خرجت من عندها مذهولة، وفي يدي الورقة التي كتبت عليها توقعاتها. اتصلتْ بهشام في المشفى، وقرأت له ما جاء في الورقة، فسخر من قلقي بشأن الانقطاع وقال كذب المنجمون ولو صدقوا! وعندما عاد إلى البيت كان يحمل معه أغنية وباقة من البنفسج، جمعها من مسكبة صغيرة في المشفى. اطمئني .. إن عيني اللتين اعتادتا على التحديق إلى صفحة وجهك إن قلبي الذي، ما خفق يومًا إلا لحضورك، إن نفسي التي ما اضطرمت بالحب.. وماجت به إلا عند لقياك.. كل هذا، ضمانة لديك ووسيلتي إلى الحياة.. فالحياة من غيرك صحراء وسراب.
ما حصل معنا يثير الدهشة، فالبعثة تحققت والانقطاع تم!
***
لا أنسى ما قاله والدي لهشام ولي عند موافقته على خطوبتنا: "حاولا أن تفهما الحياة، لتحسنا التعامل وتبتعدا عن الخصومة والأحزان. فالحياة كائن متغير، وغدًا لن تكونا كما أنتما اليوم". ولا ما قاله لي بعد عودته من المقبرة بعد تشييع هشام: "منذ هذه اللحظة، ستكونين وحيدة في مواجهة الحياة. فأنت اليوم لست كما كنت بالأمس، شكلك سيتغير، وأفكارك ستتغير، وأسلوب تعاطيك مع من حولك سيتغير. أتمنى عليك ألّا تحسني الظن بالناس، كثيرًا. حاولي أن تتركي مسافة بينك وبين مشكلاتك، لكي تستطيعي حلها بموضوعية بعيدًا عن التسرع والمزاجية. كوني ذاتك يا ابنتي، ولا تعوِّلي على أحد في تسيير حياتك. حَصِّني نفسك ضد الحاجة المادية إلى الآخر أي آخر، فهذا النوع من التبعية ألم يمضُّ الروح ويجرح كبرياءها". ومثلما اتخذنا هشام وأنا نصيحته منهجًا عشنا به ومعه، اتخذت من كلماته هذه تميمة ونهجًا في مواجهة مستقبلي الجديد والمختلف. تجاهلت ما ينسج حولي من قصص، وما يشاع عني من أقاويل. واجتهدت قدر استطاعتي على تحرير روحي من القيود الاجتماعية والرقابية، التي وضعتني في مجتمع يسعد بتلفيق التهم للمرأة الأرملة، أقلها الطعن بشرفها وبسلوكها. بدلّا من أن يتفهم تجربتها المريرة، ويقدم لها الحماية الاجتماعية والضمان المادي في حال عوزها. فكل كلمة تصدر عنها تؤول خطأ، وكل حركة أو ابتسامة تفسر على أنها استجرار للرجال وإغوائهم. ففي كل يوم تُزوج من زميل في العمل، أو من صديق للأسرة. مما يدفع ببعض معارفها إلى الابتعاد عنها خوفًا على أزواجهن، ويغري بعض الرجال بالدوران حولها لعلهم يحظون منها بلقاء. لم أترك فرصة لمثل هذه التفاهات أن تحاصر وقتي وقناعاتي، وأبقيت على روحي حية وحرة. مستذكرة ما قالته لي أمي ذات يوم بعيد: "ابتعادك عن الناس لن ينجيك من فبركة الإشاعات ومن لسعات الألسن النمامة والمفترية، كوني ذاتك وتصرفي بحسب قناعاتك".
 
جمانة طه
من رواية في طور الانتهاء
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية