كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمانة طه: في الذكرى الخامسة لغياب عبد الرزاق عبد الواحد "1930-2015

في الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر العراقي الكبير الصديق عبد الرزاق عبد الواحد "1930-2015
أستعيد كلماتي التي قلتها في حفل تكريمه من قبل وزارة الثقافة السورية
سمعت عنه كثيرًا وقرأت له قليلًا، ولقائي الأول به كان على غداء في مطعم بدعوة من اتحاد الكتاب العرب. بهرني فيه عنفوان يغلفه تهذيب وتوشيه ابتسامة تلمع في العينين حزنًا وفي الشفتين شجنًا. عندما غنّى للعراق، ضوّى في قلبي شعاع زهو بالعروبة كاد أن ينطفىء.
وحين صرت على مسافة قريبة منه، ارتسم في حياتي صديقًا أباهي به الأصدقاء.
إنه عبد الرزاق عبد الواحد الذي ردّ بصموده وكبريائه كيد أعدائه إلى صدورهم ولم يدع لهم فرصة ليفوا بنذورهم الشامتة، فأضحوا كالنار تأكل بعضها.
أيها الشاعر النبيل.عندما تفتح سفر الرؤيا سيجد أولاء أنفسهم " لا أحياء في الناس ولا موتى". يهيمون على الأرض بلا أسماء".
"ويدقون الأبواب فلا تُفتح". أولاء يظلون نداء مرفوضًا، ليس له اسم يدعى في الحشر به يسعد أو يشقى. فالشاعر الذي هو أنت يصعب النيل منه، لأنك لست طيفًا في هذه الحياة بل قامة مرفوعة ولغة مسموعة وشجرة عزّ لا تذبل أوراقها ولا تشيخ. فأنت حقيقي، لأن لك ذاتًا باشقة راكضة دومًا نحو الحرية والكرامة. وأنت حقيقي لأنك مبدع تملك الحدس والبصيرة. وأنت حقيقي، لأنك تجسد الضمير الجماعي ولم تنفصل عن الواقع، بل كنت حتى في حلمك الخاص جزءًا منه ومتفاعلًا معه. وأنت حقيقي لأنك عاشق تجاهر بعشقك ولا تتخفى وراء ضمائر المخاطب والغائب. فلا توارب في وقوعك تحت سيطرة الأنثى ولا تخفي رغبة الجسد:
علمتني أنت الصغيرة
كيف النفوس إذا أحبت
تغتدي مننًا كبيرة
علمتني أنت الصبية
كيف الحبيبة حين تُسرج قلبها
تغدو نبيًّه!
وأنت حقيقي في إنسانية، ترى المأساة في أن الضمير يحدو بالمرء إلى ذرى من البطولة، تلهب فينا جذوة الأمل في أن العدالة مهما تُنتهك سيكون لها من هو مستعد للتضحية بحياته من أجلها.
وحقيقي في رؤيتك إلى هذا الأفق المتراحب الذي ينهض فيه الإنسان أي إنسان بوصفه جسد القصيدة وروحها. وحقيقي في شعرك المقاوم، لإيمانك بأن الكلمة الصادقة تسافر ولا ترحل. تحفر في المكان، ولا تنطمر فيه. تنزوي في النفس، ولا تذوي. تسكن في وجدان الناس، ولا تهرم. وأنت حقيقي في انتمائك لوطن لم يكن لك مجرد اسم وأرض، وإنما هوية أمة وكرامة يقين. وطن ينام في الأحداق، كما تنام النقطة في حضن الحرف. وطن هو لك عقل وروح وإلف وقلب، ونغمة حياة:
لك وحدك أملك أن أُرخص نفسي
لك وحدك أحني رأسي
لجلالك وحدك
أرفع مخمورًا كأسي
مترعة بدمي.
هذا قلمي
ممتلئ بك حدّ الإرهاق
مختوم باسمك حتى تُرفع هذي الأوراق
يا هذا الساكن في أحداقي
يا ذا الملكوت
أنت الحي الباقي
باسمك نبدأ
واسمك آخر ما ننطق حين نموت.
طبع شعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي هو ثمرة ثقافة عربية وديانة مندائية، المشهد الشعري العراقي في النصف الثاني القرن الفائت مثلما طبعه الجواهري والحيدري والبياتي وسواهم من الكبار. وقد نجح في نسج عباءة شعرية خاصة به، فجاءت قصائده شعرًا أسمى في شكل أسمى.
يُعدّ عبد الرزاق آخر الشعراء الكبار في تلك المرحلة من تاريخ العراق، بل هو، أي عبد الرزاق، تاريخ في حد ذاته. فحياته تتضمن تاريخ العراق، حتى وفاته. صحيح أنه ارتحل عن وطنه أو رُحِّل، إلى سورية وبلدان أخرى، لكن عجلات خياله كانت دائمًا تقوده إلى وجهة بعينها.. إلى مسقط الرأس وعبقر الشعر. أما تاريخه الشخصي فيختزل في مرحلتين، الأولى: حياته في العراق وتوحده به شعرًا وصوتًا، وطنًا ورئيسًا. والثانية: بعد خروجه من العراق واستقراره في دمشق وتنقله بين البلدان.
"أيها الحاملون غبار حقائبكم
هل حملتم بها وطنًا؟
إنّ كل المحطات حزنٌ تلوح فيه المناديل
والقاطرات تصفر راحلة.."
وكأن عبد الرزاق أصبح في هذه المرحلة:
"بين بحرين مستغلقين نذرنا
بدايتنا موجة لا نعيها
ونهايتنا موجة لا نعيها
وكأن الفجيعة في برزخ العمر بينهما
أفكان لزامًا على الماء أن يلتقي عبر مأساتنا؟
يا ظلال الأسى الوارفة
أيُّ معجزة تمنح القلب أن يتفصد نبعًا
ليوصل مجرى ولادته
لمصبّ منيته
وهو ينبض حبًا
وكل شرايينه راعفة!
لغتي خائفة
كتبت وثيقة خوف عسير حسابي عليها
كيف لي أن أبرئها؟
إنه زمنٌ كلّ ثانية فيه تكشف عن صدرها
لتمرَّ به طلقة.
مَن لنفس تدافع عن حزنها؟!
في شعر عبد الرزاق ثمة إنجذاب وحنين إلى البدايات، إلى منطقة العمارة وذكريات الطفولة. حين كان طفلًا ينام على السطح في الصيف، ويحلم. يسبح بين رحاب الفضاء، ويرحل بين الغيوم والنجوم ويتمنى لو يرى الله.
"ربما كان لي قمر
ربما أورقت سدرة ذات يوم
بزاوية في العمارة أعرفها
ولجأت إليها صغيرًا
يعذبني الشك في حية قيل تسكنها
ولجأت إليها كبيرًا
فلم نتعرف على بعضنا
آه... مَن لي بخوف الطفولة"؟!
في قصائده العراقية، تهمس لغة القداسة وترعد لغة الانتماء. قصائد معبأة بشحنة تمرد مستمدة من الواقع المعيش، وموصولة بالواقع المعيش. يعبر فيها بلغة شفيفة عن مشاعر العراقيين تجاه العراق الوطن القبلة الأمل. مثلما يعبر بأسلوب واضح ومباشر عن مشاعر العراق حيال صمت أشقائه وقت حصاره، وتنكرهم له:
"وسأفهم أن يظلمنا الأغراب
وسأفهم أن توصد في أوجهنا الأبواب
أن نُؤكل
ما دامت للعالم أنياب
وشريعة غاب
حتى هذا سأحاول أن أفهمه
لكن لن أفهم أن يصبح أول من يأكلنا
إخوتنا الأعراب"!
وبحس شاعر وذكاء عاشق، استطاع عبد الرزاق أن يواكب حبه لوطنه مع حبه للمرأة، فالمرأة كانت أحد أهدافه الشعرية. فهي له ليست فقط مصدر الجمال في هذا الكون وجالبة نسغ الحياة، وإنما هي أيضًا شهوة ورغبة بامتداده الجسدي والروحي.
عند قراءة أشعاره، لفتني حضور الماء فيها وتشكيله مادة مهمة. فإذا كان الماء مصدر الحياة في جميع أشكالها ورمز التدفق والاستمرار، فهو عنده يتناوب بين الشهادة والخير والعطش والذكريات المروية والجفاف. ففي رحاب الشهادة، يتحول الدم مياهًا تغمر التراب وتروي الأرض:
"سلام يا مياه الأرض، يا أعلى رواسيها
ويا سفنًا مراسيها
شواطىء جنة الرحمن
يا من تزدهي الأوطان
أنّ نجومكم فيها.
وأنّ غيومكم فيها
وأنّ جراحكم ستظل مثل شقائق النعمان
تُزهر في فيافيها".
فكما هو النور المتوهج عند منفرج المجرة، هو أيضًا عمق العاطفة ونداوة الوصال:
"ها هي تمنحك الآن أصفى ينابيعها..
أيّ عين لها مثل هذا المدى
للتزلج؟
أيّ دم يملك الآن هذا الندى
للتوهج؟
فهي تمنحك الآن فرصة أن تنتقيها
وأن تتألق فيها
وكل المياه التي في ينابيعها
أنت أول من يتقيها
وآخر من يتقيها"!
ومن حرصه على اتقاء طرطشة الماء كتب على صفحاته بهدوء وحذر كل ما يريد أن يقوله لحبيبته، على أمل أن تعبر به كلماته إلى الضفة الأخرى:
"سوف أخرج من عالم الماء للأرض سيدتي
سأجفف قلبي
وأجفف أوردتي
جاهدًا، سأحاول ألّا أطرطش في الماء
ثانية
نحن جزنا زمان الطفولة
أنت أصبحت سيدة
وأنا موغل في الكهولة
ولهذا
سأسمع ما تنصحين به
سوف أخرج من عالم الماء للأرض
حتى يدي
سأجفف منها الندى
وسأمنع عينيّ أن تلمعا في الليالي سدى
وسأوصي غيومي
أن لا تعذب صحراءها بالمطر".
والماء هو النهر في محلة العمارة، وهو المطر في شهر تموز، وهو الجذور في ميسان، وهو مطر الروح والعطش، وهو إغفاءة المطر في صوت الحبيبة، وهو البحر يضيء لأشرعته لتصبح فيه أو تمسي، وهو قذى في العينين زمن الجفاف.
وهو لحظات الإخصاب عندما يدخل الغيم في الغيم، ويجري جدوله في مياهها:
"عندما يدخل الغيم في الغيم
يشتعل البرق ملء الأجنّة
كل الجذور تقلص أرحامها
في انتظار المطر
ثم يعلن عن خِصبه الترب
حيث انفطر.!
إنها سُنّة الخصب، فانتبهي
هل رأيت على الأرض من سُنةٍ للتجلي سواها"؟!
يا أبا خالد
سأرفع الآن أوراقي وأنزل عن هذا المنبر، إنما ستعلم كل الدنيا،" أن النخل لا تنحني إلا ذوائبه".
وأنك كنت وما زلت الصوت..
والوحي عراق...!
رحمك الله يا أبا خالد وأكرم مثواك.

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية