العوامل المؤثرة في تكوّن الأفكار وقيام الأحزاب في المشرق العربي
2020.11.19
د. عبد الله حنا:
حتى منتصف القرن التاسع عشر كانت الإيديولوجية الدينية الصوفية (أهل الطُرُقْ) هي السائدة في المشرق العربي. ومع بداية تكوّن البرجوازية كطبقة، وبفضل الاتصال بأوروبا الرأسمالية، أخذت الأفكار البرجوازية بالانتشار المحدود بين النُخَبْ المتنورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين .
وهكذا قامت النهضة العربية متأثرة بالدرجة الأولى بالعامل الخارجي الأوروبي البرجوازي، ومتزامنة مع ظهور الدولة الحديثة.
ومن ثمَّ متأثرة بالتغيرات الاقتصادية -الاجتماعية الجارية في قلب المجتمعات العربية، وبخاصة عملية الانتقال من أحد أشكال الإقطاعية (الأرض رقبتها للدولة) إلى شكل آخر كرّس الملكية الخاصة الإقطاعية المتلائمة مع بداية انتشار الرأسمالية ومفهومها في التملك والاستثمار.
هذا الانتقال عبّر عنه قانون الأراضي العثماني الصادر عام 1858 , الذي جعل تطور العلاقات الإقطاعية الجديدة في حضن نمو الرأسمالية الهامشية والتابعة للغرب الرأسمالي ممكنا بصياغة قواعد الملكية الجديدة وفق مصطلحات إسلامية . وبفضل هذا القانون تشكلت طبقة إقطاعية جديدة كان لها دور أساسي في عرقلة التطور النهضوي.
هذه الطبقة الإقطاعية الجديدة تألفت من:
- كبار موظفي الدولة العثمانية الذين سجوا الأرض حارمين الفلاحين منها.
- ضباط الجيش العثماني واغواته، الذين ساروا على خطى الموظفين في تملك الأرض.
- رجال الدين، الذين استولوا على أملاك الأوقاف وحوّلوها إلى ملكية خاصة بهم.
- التجار الذين اشتروا الأرض باسعار رخيصة وجمعوا بين التجارة وملكية الأرض الإقطاعية.
هذه الفئات أو الشرائح الاجتماعية الأربع هي التي اشتغلت في السياسة متعاونة مع ممثللي الرأسمال الأجنبي (الامبريالية) إلى أن شملتهم قوانين الآصلاحات الزراعية في كل من مصر وسورية والعراق في خمسينيات وستنيات القرن العشرين.
والاصلاحات الزراعية تركت للاقطاعيين نسبة معينة من الملكية سُمّيت بأرض الاحتفاظ ووزعت بقية الأرض المشمولة بالاصلاحات الزراعية على الفلاحين، المسماة أرض التوزيع .
ولا يمكن فهم التطورات الجارية في الثلث الأخير من القرن العشرين دون استيعاب هذه العملية الاقتصادية الاجتماعية، وبقيت تأثيرات جذورها حتى العقد الأول من القرن الحالي. وكان لشظايا الاصلاحات الزراعية دور في الأحداث الجارية فيما سُمّيَ بالربيع العربي وما خلّفه من أحداث لا نزال نعيش اصوات انفجاراتها إلى يومنا هذا.