كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أسباب الحدث الروائي بين الضعف و الإقناع

مفيد عيسى أحمد- فينكس:

عندما أنهى غابرييل غارسيا ماركيز السطر الأول من رواية (المسخ) لفرانز كافكا و التي يتحول فيها غريغوري سامسا إلى حشرة كبير، وضع الرواية جانباً و قال: يا إلهي.. إذا هذا ممكن.

و الممكن هنا هو حدث التحول لغريغوري سامسا، و الذي يبدو غريباً غير واقعي في الحياة العادية، لكنه بدا غير ذلك في الرواية.

تلك الرواية كانت مصدر الهام لماركيز حيث شكلت منطلقاً و أساساً، لأعماله التي تدفقت كلها في تيار ما سمي بالواقعية السحرية، و لأعمال أخرى كان لها سمات التيار نفسه.

ماركيز نفسه في مقابلته مع ايلينو ميندوزا، قال أنه بعد أن نشر روايته مئة عام من العزلة، فوجئ باتصالات عديدة لأشخاص قالوا له أنهم قد نبت لهم ذيول، استغرب ماركيز ذلك، فهو أورد في الرواية أن ذلك يحدث لمن يرتكب سفاح المحارم، تساوقاً مع المقولات الشعبية ذات الأساس الديني، لكن هذه الحالة غير ممكنة واقعياً و فيزيولوجياً.

إن ما يجعل ذلك ممكناً و مستساغاً روائياً هو سببية الحدث، أي الأسباب المؤدية لحدوثه.

هذه الأحداث.

و سببية الحدث في رواية المسخ لكافكا، بعيدة و متراكمة تتمثل في نمط الحياة التي كان يحياها الموظف البسيط و المسحوق غريغوري سامسا، بحيث تبدو عملية التحول خاتمة طبيعة و نتيجة حتمية لظروف و معطيات حياته البائسة، أي أنه كان قد تحوّل في حيثياتها إلى حشرة كبيرة قبل أن يتحوّل فيزيولوجيا.

و رغم أن حدث التحول يبدأ من السطر الأول للرواية و يترك في نفس المتلقي انطباعات مختلفة، تتمثّل بالدهشة أو الاستغراب، و قد يكون الرفض الذي يصل إلى حد التقزز، كل ذلك لا يلغي التساؤل الذي يفرضه على المتلقي و هو: لماذا تحوّل غريغوري سامسا إلى حشرة كبيرة؟

جواب هذا السؤال هو ما يمكن أن ندعوه سببية الحدث الروائي، و هي تتضمن الظروف و العوامل التي نتج عنها الحدث.

في مائة عام من العزلة، كانت سببية الحدث المتمثل بأن ينبت للبعض ذيول، هي ارتكابهم سفاح المحارم، و هي سببية واضحة و موجزة، أما في المسخ فسببية الحدث غير مصرح بها بشكل مباشرة، لكنها تتضح شيئاً فشيئاً على مدى الرواية، بحيث يستنتجها القارئ استنتاجاً.

إن قوة سببية الحدث و قدرتها على الإقناع لا تعتمد على طبيعة الحدث، حتى في الأحداث التي تبدو غير معقولة، كتلك التي يمكن أن نصنفها في سياق الواقعية السحرية أو السريالية ، و هي أحداث لا يمكن أن نتحقق من حدوثها، لكننا لا يمكن أن نجزم أنها لم و لن تحدث.

فمصداقية سببية الحدث بالنسبة للقارئ، تتأتى بشكل أساسي من انسجامها مع الاتساق الثقافية بأطيافها من الغيبي إلى الموروث الشعبي، و العلمي الأكاديمي و غيره، إضافةً إلى قدرته على التخيّل و التذوق الأدبي.

و هناك عوامل عديدة تتداخل في جعل سببية الحدث منطقية مقبولة أو غير مقبولة، منها ماهية الشخصية الروائية، فكل شخصية تتطلب و تفرض درجة من الوعي و المهارة، الخبرة و السمات النفسية التي تحددها و الفيزيولوجية أحياناً، و هو ما ينسجم مع أفعال و يتنافى مع أخرى، فالحدث الروائي في رواية الطبل الصفيح لغونتر غراس، و المتمثل بتحطم الزجاج بتأثير صراخ الولد الذي يعاني من مشكلة عقلية، يبدو حدثاً نافلاً نافراً و غير مستساغ روائياً، ربما لأن غراس لم يهيئ الأسباب المناسبة لجعلنا نتقبل هذا الحدث، و التي تجعل صوت الولد ذا ترددات تحطم الزجاج حتى البعيد منه، هذه الحالة هي ما يمكن أن ندعوها ضعف سببية الحدث الروائي.

و الحدث الروائي لا بد أن يكون وليد فعل ما، هذا الفعل إما أن يأتي لا إرادياً كتحول غريغوي سامسا، و نبوت تلك الذيول لمن ارتكب سفاح المحارم، أو أن يكون إراديا قصدياً كتحطيم الزجاج في الطبل الصفيح، و يأتي كرد فعل على ظروف و أحداث معينة، كما في رواية الغريب، لألبير كامو، فأفعال شخصية الرواية الأساسية (ميرسو) في الغالب هي ردود أفعال على أفعال و ظروف أخرى، حيث بدأت سلسلة الأفعال المولدة للحدث الروائي من فعل الموت، موت الأم التي لا يعرف ابنها بالضبط متى ماتت، اليوم أو البارحة.

إن واقعية الحدث الروائي، أي مطابقة هذا الحدث أو مماثلته لما يحدث في الواقع، لا يعطي مسوغاً و مصداقية لسببية هذا الحدث، فاتجاه ماريا في رواية إحدى عشر دقيقة لباولو كويلو إلى أن تصبح عاهرة، جاء بسببية ضعيفة غير مقنعة.

كذلك إن انجراف غابريلا العاطفي في رواية غابريلا قرفة و قرنفل لخورحي أمادو، لم ينتج عن سببية واضحة مقنعة، فقد قدّم أمادو غابريلا و كأنها الأخيرة الباقية من نساء عصر الأمومة، لكن بشخصية حنونة و مسالمة، لا بل نستطيع أن نقول مغفلة.

إن دافع العطاء الفطري عند غابريلا لا يبرر ذلك الانجراف لا من الناحية الجسدية العاطفية و لا الأخلاقية، و يمكن فقط أن نحيله إلى البعد النفسي الذي تغدو فيه سببية الأفعال مشوشة، و هو ما بدت عليه غابريلا.

إن السببية الضعيفة للأحداث في العمل الروائي تجعل هذا الأحداث و كأنها مفترضة، و مفتعلة مبتذلة أحياناً، و هذا من أهم أسباب ضعف العمل الروائي.

المفارقة في هذا الموضوع أنّ ما يمكن أن نقبله في الأعمال العالمية لا نقبله في العربية و نجده مبالغاً فيه و مبتذلاً، فنحن نعجب براهبات ماركيز التي تطير، و لا يمكن أن نقبل أن شخصية في رواية عربية تقفز مترين إلى الأعلى.  

عندما أنهى غابرييل غارسيا ماركيز السطر الأول من رواية (المسخ) لفرانز كافكا و التي يتحول فيها غريغوري سامسا إلى حشرة كبير، وضع الرواية جانباً و قال: يا إلهي.. إذا هذا ممكن.

و الممكن هنا هو حدث التحول لغريغوري سامسا، و الذي يبدو غريباً غير واقعي في الحياة العادية، لكنه بدا غير ذلك في الرواية.

تلك الرواية كانت مصدر الهام لماركيز حيث شكلت منطلقاً و أساساً، لأعماله التي تدفقت كلها في تيار ما سمي بالواقعية السحرية، و لأعمال أخرى كان لها سمات التيار نفسه.

ماركيز نفسه في مقابلته مع ايلينو ميندوزا، قال أنه بعد أن نشر روايته مئة عام من العزلة، فوجئ باتصالات عديدة لأشخاص قالوا له أنهم قد نبت لهم ذيول، استغرب ماركيز ذلك، فهو أورد في الرواية أن ذلك يحدث لمن يرتكب سفاح المحارم، تساوقاً مع المقولات الشعبية ذات الأساس الديني، لكن هذه الحالة غير ممكنة واقعياً و فيزيولوجياً.

إن ما يجعل ذلك ممكناً و مستساغاً روائياً هو سببية الحدث، أي الأسباب المؤدية لحدوثه.

هذه الأحداث.

و سببية الحدث في رواية المسخ لكافكا، بعيدة و متراكمة تتمثل في نمط الحياة التي كان يحياها الموظف البسيط و المسحوق غريغوري سامسا، بحيث تبدو عملية التحول خاتمة طبيعة و نتيجة حتمية لظروف و معطيات حياته البائسة، أي أنه كان قد تحوّل في حيثياتها إلى حشرة كبيرة قبل أن يتحوّل فيزيولوجيا.

و رغم أن حدث التحول يبدأ من السطر الأول للرواية و يترك في نفس المتلقي انطباعات مختلفة، تتمثّل بالدهشة أو الاستغراب، و قد يكون الرفض الذي يصل إلى حد التقزز، كل ذلك لا يلغي التساؤل الذي يفرضه على المتلقي و هو: لماذا تحوّل غريغوري سامسا إلى حشرة كبيرة؟

جواب هذا السؤال هو ما يمكن أن ندعوه سببية الحدث الروائي، و هي تتضمن الظروف و العوامل التي نتج عنها الحدث.

في مائة عام من العزلة، كانت سببية الحدث المتمثل بأن ينبت للبعض ذيول، هي ارتكابهم سفاح المحارم، و هي سببية واضحة و موجزة، أما في المسخ فسببية الحدث غير مصرح بها بشكل مباشرة، لكنها تتضح شيئاً فشيئاً على مدى الرواية، بحيث يستنتجها القارئ استنتاجاً.

إن قوة سببية الحدث و قدرتها على الإقناع لا تعتمد على طبيعة الحدث، حتى في الأحداث التي تبدو غير معقولة، كتلك التي يمكن أن نصنفها في سياق الواقعية السحرية أو السريالية ، و هي أحداث لا يمكن أن نتحقق من حدوثها، لكننا لا يمكن أن نجزم أنها لم و لن تحدث.

فمصداقية سببية الحدث بالنسبة للقارئ، تتأتى بشكل أساسي من انسجامها مع الاتساق الثقافية بأطيافها من الغيبي إلى الموروث الشعبي، و العلمي الأكاديمي و غيره، إضافةً إلى قدرته على التخيّل و التذوق الأدبي.

و هناك عوامل عديدة تتداخل في جعل سببية الحدث منطقية مقبولة أو غير مقبولة، منها ماهية الشخصية الروائية، فكل شخصية تتطلب و تفرض درجة من الوعي و المهارة، الخبرة و السمات النفسية التي تحددها و الفيزيولوجية أحياناً، و هو ما ينسجم مع أفعال و يتنافى مع أخرى، فالحدث الروائي في رواية الطبل الصفيح لغونتر غراس، و المتمثل بتحطم الزجاج بتأثير صراخ الولد الذي يعاني من مشكلة عقلية، يبدو حدثاً نافلاً نافراً و غير مستساغ روائياً، ربما لأن غراس لم يهيئ الأسباب المناسبة لجعلنا نتقبل هذا الحدث، و التي تجعل صوت الولد ذا ترددات تحطم الزجاج حتى البعيد منه، هذه الحالة هي ما يمكن أن ندعوها ضعف سببية الحدث الروائي.

و الحدث الروائي لا بد أن يكون وليد فعل ما، هذا الفعل إما أن يأتي لا إرادياً كتحول غريغوي سامسا، و نبوت تلك الذيول لمن ارتكب سفاح المحارم، أو أن يكون إراديا قصدياً كتحطيم الزجاج في الطبل الصفيح، و يأتي كرد فعل على ظروف و أحداث معينة، كما في رواية الغريب، لألبير كامو، فأفعال شخصية الرواية الأساسية (ميرسو) في الغالب هي ردود أفعال على أفعال و ظروف أخرى، حيث بدأت سلسلة الأفعال المولدة للحدث الروائي من فعل الموت، موت الأم التي لا يعرف ابنها بالضبط متى ماتت، اليوم أو البارحة.

إن واقعية الحدث الروائي، أي مطابقة هذا الحدث أو مماثلته لما يحدث في الواقع، لا يعطي مسوغاً و مصداقية لسببية هذا الحدث، فاتجاه ماريا في رواية إحدى عشر دقيقة لباولو كويلو إلى أن تصبح عاهرة، جاء بسببية ضعيفة غير مقنعة.

كذلك إن انجراف غابريلا العاطفي في رواية غابريلا قرفة و قرنفل لخورحي أمادو، لم ينتج عن سببية واضحة مقنعة، فقد قدّم أمادو غابريلا و كأنها الأخيرة الباقية من نساء عصر الأمومة، لكن بشخصية حنونة و مسالمة، لا بل نستطيع أن نقول مغفلة.

إن دافع العطاء الفطري عند غابريلا لا يبرر ذلك الانجراف لا من الناحية الجسدية العاطفية و لا الأخلاقية، و يمكن فقط أن نحيله إلى البعد النفسي الذي تغدو فيه سببية الأفعال مشوشة، و هو ما بدت عليه غابريلا.

إن السببية الضعيفة للأحداث في العمل الروائي تجعل هذا الأحداث و كأنها مفترضة، و مفتعلة مبتذلة أحياناً، و هذا من أهم أسباب ضعف العمل الروائي.

المفارقة في هذا الموضوع أنّ ما يمكن أن نقبله في الأعمال العالمية لا نقبله في العربية و نجده مبالغاً فيه و مبتذلاً، فنحن نعجب براهبات ماركيز التي تطير، و لا يمكن أن نقبل أن شخصية في رواية عربية تقفز مترين إلى الأعلى. 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية