جمانة طه: من ذكرياتي عن اسكتلندة
2020.11.28
عندما أوفد زوجي إلى جامعة إدنبرة في اسكتلندا للتخصص بالجراحة العامة، ومزاولة التمرين في المستشفى التعليمي (The Royal Infirmary) الرويال انفيرميري، رأيتها فرصة لدراسة اللغة الإنكليزية والتعرف إلى حضارة نجهل كثيرًا منها. فاسكتلندا، كما يصفونها، هي أثينا الشمال الأوروبي وبلد الغموض والأساطير وموطن موسيقا القرب والتنورة الشهيرة (Kilt) التي يلبسها الرجال.
ولمن لا يعرف عن هذه البلاد أحببت أن أكتب شيئًا عنها، فهي تقسم إلى ثلاثة أقسام:
1. المرتفعات الجبلية (The Highlands).
2. الأراضي المنخفضة، وتضم أخصب الأرض وأكثرية السكان.
3. المرتفعات الجنوبية، المليئة بجروف صخرية وتلال قاحلة.
كان أول من استوطن اسكتلندا مجموعة من صيادي الأسماك جاؤوا إليها بحرًا من جهة الجنوب، قبل الميلاد بأكثر من 6000 سنة. وفي نهاية العصر الحجري الحديث، وفد إليها مهاجرون من ألمانيا، أطلق عليهم علماء الآثار
اسم (مجموعة الأواني)، لأنهم كانوا يدفنون موتاهم في قوارير كبيرة لها شكل الكؤوس. وفي القرن الرابع الميلادي وصلها أقوام من أيرلندا، نشروا فيها ثقافتهم ولغتهم المعروفة بالغيلية (Gaelic).
وفي بداية القرن السابع الميلادي، غزاها الإنكليز واحتلوا المنطقة المحيطة بإدنبرة. في حين احتل الفايكنغ (Viking)، الأطراف الشمالية من اسكتلندا طوال القرنين الثامن والتاسع الميلادي.
شكلت مملكة اسكتلندا بميزاتها الطبيعية وثرواتها مطمعًا لملوك انكلترا، وقد نجح بعضهم في إلحاقها ببلادهم. مما جعل العلاقة بين البلدين تتراوح بين مد وجزر، وعداوة وصداقة. وبعد معارك طاحنة، تمكن الاسكتلنديون من انتزاع الاعتراف باستقلال بلادهم من الإنكليز عام 1328م، هذا قبل أن تصبح المقاطعة الشمالية من المملكة المتحدة مع احتفاظها بلغتها وعَلَمَها وعاصمتها وحاكمها وبرلمانها.
شعار اسكتلندا وأسطورة نشأته
تشتهر اسكتلندا بمساحاتها العشبية والشوكية الواسعة، المطلة على المحيط الأطلسي. ويمكن للمسافر برًا والمتنقل بين مدن المرتفعات، أن يلحظ ذلك. وانسجامًا مع بيئتها الطبيعية، اختارت منذ قرون طويلة زهرة أرجوانية اللون حادة الأشواك (The Thistle)، لتكون شعارًا لها.
ويروى عن هذه الزهرة الشوكية (القندريس في بلادنا) عدد من الأساطير، توضح السبب الذي حدا بالملك ألكسندر الثالث لاختيارها رمزًا لبلاده. من أهمها، تلك التي تشير إلى معركة لارغز(Largs) في العام 1263م التي انتصر فيها الاسكتلنديون على النروجيين الغزاة. والقصة هي أن معظم الأراضي الاسكتلندية كانت لقرون عديدة تابعة للمملكة النروجية، وعندما فكر الملك ألكسندر الثالث باستعادة تلك الأراضي بشرائها من النروج، امتعض الملك النروجي (Haakon) هاكون الخامس، واستهجن هذا الطلب وفكر في غزو اسكتلندا مجددًا.
جهز (هاكون) لحملته أسطولًا بسفن طويلة، لاحتلال الشاطىء الاسكتلندي. أما ما حصل فلم يحسب له الملك النروجي حسابًا. فقد عصفت بالسفن أعاصير ورياح عاتية أبعدتها عن هدفها، ودفعت ببعضها إلى ساحل (لارجز) في منطقة (أيرشاير). فطلب من جنوده أن يتسللوا إلى داخل اسكتلندا تحت جنح الظلام، والناس نيام. مما اضطرهم إلى أن يخلعوا أحذيتهم، ويبدؤوا الزحف باتجاه الهدف. ولسوء حظهم أنهم وصلوا إلى منطقة مليئة بنبات السيثيل الشوكي، فانغرزت أشواكها في بعض الأقدام الحافية. ونتيجة الصراخ من الألم، أفاق الاسكتلنديون وتمكنوا من دحر الملك وجنوده. وردًا لجميل هذه الزهرة الشوكية واعترافًا بفضلها، سكّوها شعارًا لاسكتلندا على أول قطعة نقدية في عهد الملك جيمس الثالث عام 1470م
نبتة الهيذر (Scottish Heather)
من النباتات البرية التي تملأ المرتفعات والسهوب، ويعتز بها الاسكتلنديون ويعدونها رمزاً آخر لبلادهم، نبتة تسمى (هيذر) أوراقها إبرية داكنة الخضرة وأزهارها جرسية الشكل، تزهر مرتين في السنة صيفًا وخريفًا، ويدوم زهرها المتدرج بين الأبيض والزهري الفاتح والبنفسجي الداكن، إلى أن يقضي الصقيع عليها. يرد الاسكتلنديون كلمة (هيذر) إلى معان عديدة مشتقة من لغات أخرى، منها اللفظة اليونانية التي تعني النظافة، لأنهم يصنعون من عيدانها مكانس أو لأن أزهارها تستخدم علاجًا طبيًا في الآلام المعوية. كما هناك معنى آخر للكلمة من اللغة النروجية، وتعني خفة الوزن. فالناس في الزمن البعيد كانوا يفضلون الهيذر الجاف لخفة وزنه على العشب العادي، فيجمعونه ويتركونه يجف ثم يستخدمونه وقودًا.
تشكل المساحات المتوهجة بلون بالهيذر البنفسجي، ملجأ للفراشات على اختلاف أنواعها تسرح فيها وتمرح. وبأغصانها تحتمي الغزلان وصغار الحيوانات الثديية، ومنها يأكلون.
إن الجمال الذي تتحلى به أزهار الهيذر ليس السبب الوحيد لاهتمام الناس بها، بل لأنها لهم مصدر نعمة وفرح وتفاؤل. فالعروس في يوم زفافها تحمل باقة منها، استجلابا للحظ وللسعادة. والرحيق الذي يجنيه النحل منها، يصنع عسلًا لا ينسى مذاقه. فلا عجب إذًا أن تصبح هذه النبتة رمزًا آخر من رموز اسكتلندا، حتى أنهم يسمون بناتهم بها.