بسّام القحط في كتابه مقاطعة صافيتا.. التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي.. الاحتلال العثماني الطويل للبلاد العربية لم يشكل العبء الأعظم
كتب مفيد عيسى أحمد- خاص- فينكس:
يبدأ القحط كتابه بمقدمة كتبها الدكتور حنا توفيق بشّور، تضمنت لمحة عن مدينة صافيتتا، أعقبها بتمهيد على سبيل المقدمة كتبها هو، بيّن فيها أهمية المنهج في البحث التاريخي "فالتاريخ تحوّل من مجال كليات الآداب، إلى مجال العلوم المنهجية، متخذاً لنفسه أكثر من اثني عشر علماً مساعداً كالآثار, الوثائق, الخطوط" اعتبر القحط أن دراسة التاريخ الجزئي هو تمهيد و توطئة لدراسة التاريخ الأشمل، و المتمثل هنا بسوريا و المنطقة العربية بشكل عام.
يلتزم القحط بمنهج البحث الأكاديمي بإدراج تصميم للبحث يبيّن خطواته، بدءاً من المقدمة و انتهاء بالملاحق.
يلي ذلك تمهيد ثان عنوانه (التمهيد المنهجي) و عنوان شارح (دوافع البحث و مصاعبه) بيّن في هذه التمهيد هدفه من البحث، و السبب الذي جعله يختار الفترة التاريخية الممتدة بين عامي 1790و 1832 م، معبداً ذلك إلى حساسية تلك الفترة على المنطقة و السلطنة العثمانية و العالم عموماً.
أورد القحط في التمهيد المنهجي رأياً مخالفاً لما هو معروف، فرأى أن الصورة الحقيقية للاحتلال العثماني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و بداية العشرين، تختلف عن الفترة العثمانية بأكملها،و بشكل عام رأى أن الاحتلال العثماني الطويل للبلاد العربية لم يشكل حسب الدراسات الأخيرة العبء الأعظم, و رأى أن هناك تجن ارتكبته معظم الدراسات الأوربية, بإظهار العثمانيين بمظهر الهمجيين المتوحشين، مسقطين عليهم صورة المغول.
يذكر القحط أنّ بحثه استُمدّ أساساً و يشكل رئيس من الوثائق الحكومية العثمانية الرسمية، حيث اعتمد على وثائق محكمة طرابلس الشرعية في إنجازه ، و أن الوثائق و القضايا المتعلقة بمقاطعة صافيتا، تشغل حيّزاً لا بأس به من مجموع الوثائق الخاصة بالمقاطعات في سجلات المحكمة الشرعية في ولاية طرابلس العثمانية.
و قد اعترضته صعوبات منها صعوبة قراءة الوثائق الخاصة بتلك الفترة، و إشكالية المطابقة بين ما ورد في السجلات من معلومات تاريخية و بين التاريخ المدون.
يبدأ متن كتابه بمدخل جغرافي تاريخي، يحدد فيه المدلول الجغرافي لولاية طرابلس بشكل عام، و مقاطعة صافيتا بشكل خاص، فيذكر أن مساحة مقاطعة صافيتا كانت 667 كم2 و عدد سكانها كان في عام 1812 (40.000) أربعون ألف نسمة. كما يذكر التقسيمات الإدارية للمقاطعة، السمات المناخية و الأنهار، و الآثار المعروفة فيها.
يعقب ذلك الباب الأول من الكتاب و الذي قسّمه إلى أربعة فصول، تضمّن الفصل الأول معلومات عن التجمعات السكانية الريفية، و التقسيمات الإدارية المتمثلة بالمزرعة كأصغر وحدة سكانية، عدد سكانها لا يتعدى مئتي نسمة، و القرية التي يتراوح عدد سكانها بين مئتي و ألفي نسمة، و القصبة التي يصل عدد سكانها إلى ستة آلاف نسمة، و تحوي خانات و أسواق و دور عبادة..
يخصص الفصل الثاني للأسر في المقاطعة، فيذكر منها: عائلة بيت شمسين، عائلة بيت رسلان، عائلة عمر الدرويش، عائلة بركات، عائلة اليازجي، عائلة الحامد، عائلتي المصة و عمران الزاوي و عائلة الحداد ( بشوّر، جبّور، حنا ) و غيرها من العائلات الدينية و المهاجرة، يفصّل الباحث في أصول هذه الأسر و الأشخاص المبرزين منهاو الدور الذي لعبته في تاريخ المقاطعة.
في الفصل الثالث نقرأ عن اتجاهات التطور الاجتماعي و السكاني في مقاطعة صافيتا، فقد رصد الباحث التحولات الاجتماعية و السكانية الحاصلة في مقاطعة صافيتا، فقام بدراسة التغيرات و التحولات التي طرأت على أوضاع العائلات الرئيسية في المقاطعة، ثم التبدلات و التغيرات السكانية، الهجرات و التوزع الديموغرافي.
العادات و التقاليد الاجتماعية في المقاطعة، أفرد لها فصلاً مستقلاً هو الفصل الرابع. حيث قدّم دراسة وافية عن الزواج و تقاليده خطوة خطوة، مستعرضاً الجانب المادي لذلك، من جهاز العروس إلى الفرش الخاص بالمنزل، إلى اللباس بشكل عام، و كل العادات التي كانت سائدة في تلك الفترة. ثم ينتقل إلى العلاقات الاجتماعية للمقاطعة مع الولاية و محيطها، و يخصص للمقامات و التكايا عنواناً مستقلاً.
الباب الثاني من الكتاب خصصه للتاريخ الاقتصادي للمقاطعة, و قسمّه إلى ثلاثة فصول، الفصل الأول خصّصه للزراعة. و تناول فيه الأراضي و أنواع المزروعات، و منها القمح و الشعير و الذرة، التوت الضروري لإنتاج الحرير، كون ورقه الغذاء الرئيسي لدودة الحرير. و الزيتون الذي تأخر ازدهار زراعته حتى أيام حكم إبراهيم باشا، و ذلك بتأثير تشجيع محمد علي باشا على زراعته.
كذلك تطرّق إلى تربية الحيوان و التي كان تشمل البقر و الماعز، الغنم و الجاموس، و الحيوانات ذات الاستخدامات الأخرى كالأحصنة و الحمير.
كما استعرض طرق استثمار الأراضي فذكر الاحكار الذي يقوم على تأجير أراضي الوقف، و الفلوحية حيث يقوم الفلاحون بحراسة الأراضي الميرية على أن يؤدوا الضريبة عنها، المزارعة و هي أن يقوم مالك الأرض بتقديم أرضه و يقدم الفلاح العمل و الحبوب و يدفع الضرائب و يتم تقاسم الإيراد بعد جني المحصول وفق نسبة متفق عليها بحجة شرعية.
ثم ذكر أنواع استثمار الأراضي خارج نطاق سلطة الالتزام، فذكر لها نوعان، الأراضي الوقفية و أراضي التيمار الحربي، الاقتطاعات العسكرية.
الفصل الثاني من الباب الثاني درس فيه الصناعة و الحرف في المقاطعة، و تلخصت في : صناعة المطاحن الضرورية للمعيشة - صناعة الحرير الطبيعي و التي شكلت مورداً هاماً خارجياً لأهالي المقاطعة- الحرف اليدوية الأخرى كالقصب و الحدادة و غيرها...
التجارة هي موضوع الفصل الثالث، و قد تناولها بشقيها الداخلي و الخارجي، بادئاً بدراسة للبنية التحتيه لها، المتمثلة بطرق العربات، فنقرأ أنه كان هناك طريقان دوليان، الأول من طرابلس يجتاز النهر الكبير الجنوبي، ثم يدخل المقاطعة، ليخرج منها عند قرية عين الشمس داخلاً مقاطعة مصياف (العمرانية) ماضياً باتجاه حلب فالأستانة. الطريق الثاني يبدأ من طرطوس حيث كانت ترسو السفن صاعداً إلى صافيتا فمصياف ثم حماه مكملاً إلى حلب فالأستانة أو باتجاه الشرق.
الطرق الأخرى هي الريفية الداخلية التي كانت تصل بين قرى المقاطعة، و هي مخصصة لحيوانات النقل كالبغال و الحمير.
يبيّن القحط أن التجارة الداخلية كانت تتم بين قرى و قصبات المقاطعة، حيث كان القرويون يعقدون أسواقاً في كا سنة و في مواسم معينة، كذلك الذي كان يقام في مار الياس و كان يسمى (العرضي).
أما التجارة الخارجية فقد قسمًها إلى قسمين: التجارة داخل السلطنة و هي التي كانت تجري مع ولايات السلطنة، و خارجها حيث كانت تجري مع دول أخرى كفرنسا مثلاً.
و قد استعرض في نهاية الفصل الأسعار و النقود التي كانت سائدة، و الأوزان و المكاييل و الضرائب.
ختم البحث بملاحق تضمنت عدداً من وثائق المحكمة الشرعية في طرابلس، و وثائق انكليزية و فرنسية ، إضافة إلى فهارس مكتبة البحث، المصادر ، المراجع و المقابلات.
الكتاب هام و يتسّم بمصداقية البحث الأكاديمي، منهجاً و توثيقاً، و جهد الباحث في سبيل ذلك واضح و ناجح، لكن هناك ملاحظات لا بد من ذكرها و هي:
- لا مبرر لتمهيدين في بداية الكتاب، فقد كان من الأجدى أن يدمجهما في تمهيد واحد، و هذا أسلم للقارئ و الباحث، خاصةً و أن موضوعهما متقارب.
- ذكر في التمهيد المنهجي معلومة مخالفة للمتعارف عليه و هي أنّ الاحتلال العثماني الطويل للبلاد العربية لم يشكل حسب الدراسات الأخيرة العبء الأعظم, و رأى أن هناك تجن ارتكبته معظم الدراسات الأوربية, بإظهار العثمانيين بمظهر الهمجيين المتوحشين. و لم يوثق ذلك، فكان الحري به أن يذكر دراسة واحدة أو أكثر من الدراسات الأخيرة التي توصلت إلى ذلك.
- بخصوص قراءة الوثائق و عدم تطابق مضمونها مع الواقع الإداري، ذلك أمر وارد كون الفرمانات تصدر من مستوى سلطوي أعلى و بالتالي من الممكن أن تشمل الأوامر الصادرة ولايات مستقلة، و مقاطعات من ولايات، دون التقيد بالتقسيمات الإدارية.