وداعاً... حاتم علي.. مما قاله مثقفون سوريون برحيل المخرج علي
2020.12.29
كتب فادي نصّار:
وداعاً... حاتم علي الراقي
أحياناً يصيبني الجنون بمس... فتتملكني رغبة في أن أصبح كاهناً في كنيسة لأصلي على أرواح أصدقائي المسلمين الطيبيين الذين يغادرونا.. فأردد:
"يارب يا إلهَ الأرواح والأجساد كلّها، يا مَن وطئَ الموت وأبطلَ قوّةَ الشيطان، ووهبَ الحياة لعالمه.
أنت يا ربّ، أرح نفسَ عبدك الراقد، في مكانٍ نيّر، في مكانٍ نضر، في مكان راحة، حيث لا وجعٌ ولا حزنٌ ولا تنهُّد. وبما أنك صالحٌ ومحبٌّ للبشر، اغفر له كل خطيئةٍ فعلها بالقول أو بالفعل أو بالفكر.
لأنه ليس من إنسانٍ يحيا ولا يخطئ، بل أنت وحدك منزّهٌ عن الخطيئة، وعدلُك إلى الأبد، وقولك حقّ.
أمين".
ورغبة في أن أكون بستانياً أزرع وروداً من أجمل الأنواع والألوان على قبورهم، و أرش فوقها آلاف الفراشات البديعة... غير أن ألمي الكبير لوداع بعضهم، يسرقني من رغبتي وجنوني... فلا صلاة تكفيني ولا زهور العالم توقف حزني.
آهٍ ياحاتم... حزني عليك مثل حزني على فواز الساجر ونضال سيجري.... مظفر النواب، احمد فؤاد نجم، عزت العلايلي... فردوس عبد الحميد.
ومايؤلمني أكثر أنني لا أتقن أية صلاة.. فأعوذ بذكراك.
من روحي الحزينة.
اذهب عميقا في دمي...
***************
كتب طارق عجيب:

سنة 1998 تم تكليفي لأول مرة بإخراج برنامج ثقافي مع الأستاذ نضال زغبور وكان أحد ضيوفنا في حلقة عن السينما المخرج الراحل الأستاذ ريمون بطرس .. طلب مني الاستاذ نضال أن اتصل بالمخرج ريمون بطرس واتفق معه على موعد التصوير..
قال لي نضال : اتصل فيه وقل له انا طارق مخرج البرنامج واتفق معه..
قلت لنضال: اتصل انت بصفتك المعد واتفق معه..
سألني: ليش؟
قلت لنضال: انا بخجل اتصل بمخرج كبير متل الأستاذ ريمون بطرس وقول له انا المخرج طارق.. ما بتطلع معي..
الفكرة ببساطة..
الف مخرج.. الف رسام.. الف شاعر. الف كاتب. الف صاحب مهنة.. هذا طبيعي.. أما الموهبة والإبداع فلهما اصحابهما..
حاتم علي علامة فارقة وإضافة نوعية وإبداعية لمهنة فيها الألاف من العاملين فيها بمستويات مختلفة..
الرسم واستخدام القلم والريشة واللون، قسم من اقسام الفن.. فيه المبدع وفيه المجتهد وفيه الموظف وفيه المتعدي على المجال..
لا يصح ان نصفق لكل من خاض في مهنة لا سقف للإبداع فيها لمجرد ان هذا الشخص رأى في نفسه ما لم يراه ولن يراه غيره..
لا يصح ان نصفق لكل من خرج على المالوف وخالف القواعد والمعايير بذريعة الإبداع إلا إذا كان هذا الخروج ومخالفة القواعد قد اضاف مقياساً نوعياً وجمالياً جديداً للمهنة بحد ذاتها..
يجب ان نميز بين "الفوضى والخطأ والمخالفة والهَبَل والعشوائية والارتجال والجهل بالأسس والقواعد والمعايير والمقاييس من جهة" وبين "الموهبة والإبداع والإضافة النوعية على اي مجال او حرفة او مهنة" من جهة أخرى..
لا يصح ان نسمح لاي كان أن يدلي بدلوه في بئر يشرب منه كل الناس... لا بد من التاكد قبل السماح له بالإدلاء من مطابقة ما في داخل هذا الدلو للمعايير المعتمدة او التاكد بأن ما في داخل الدلو سيحقق جدوى حقيقية لمن ينهل من هذا البئر.. إن كان عكس ذلك فلا بد من رفض فعل الإدلاء...
هذا يقودنا إلى انه لا يصح ان نسمح لأي كان أن يحمل "سطل الدهان" خاصته ويستبيح المساحات والجدران في المدينة دون ضوابط مهنية وفنية تضمن الحصول على نتائج تكون إضافة نوعية للرؤية البصرية وليس اعتداء عليها.. وتضمن ان يكون هنالك هوية بصرية تعبر عن رؤية واضحة لمجموع الاشخاص المتسلح كل منهم "بسطل" او اكثر من الألوان العمياء إن لم تكن بيد بصيرة تصيغ بها لوحة تبعث البهجة والراحة والغبطة في نفوس من يشاهدونها ...
لا عتب على من يحاول ويجتهد ويسهم بما يمتلكه من موهبة او طموح او رغبة في المشاركة .. العتب على من هدر هذه النوايا الطيبة والجهود المبذولة والمواهب المتواجدة بكثرة، عندما تركها تعبر عن نفسها بعشوائية وارتجال وفوضى خلطت الحابل بالنابل والغث بالسمين والموهوب بالمدعي فكانت النتائج مؤذية للعين وتخالف آمال وطموحات من شارك بجهده وفنه وحبه ورغبته الصادقة في صناعة الجمال..
**************
كنب علي كنعان:
حاتم علي، وداعا..!هيروشيما الكارثة السورية ما تزال مستمرة تلتهم أحبتنا الغالين، داخل حدود وطن الأبجدية وخارجه. وها هو النجم الدرامي الجميل الوهاج حاتم علي يودع وطنه وأحبابه ويغيب تاركا في قلب كل من عرفه مرارة جارحة. لعل المعهد المسرحي بدمشق ما زال يتذكر ذلك الطالب المرح النجيب والمبدع الواعد، كتابة وتمثيلا ورؤى إخراجية مبكرة. وإذا لم تخني الذاكرة، فإن أول عمل مسرحي لافت شاهدت فيه ممثلا فتيا صاعدا كان "سكان الكهف" إخراج عبقري المسرح السوري فواز الساجر. كان حاتم علي يؤدي دورا عفويا ساحرا وكأنه لا يمثل، وإنما يؤدي دوره ببساطة مذهلة، كما يعيش في حارته الشعبية بين أهله وأصحابه. ويوم انتقل إلى الإخراج، واصل إبداعه الدرامي المؤثر، ولم تخدعه إغراءات البازار التجاري الذي صار سمة بارزة من سمات الهلوسات الأيديولوجية الغارقة في البؤس والضحالة والتخدير. مهرجانات السينما في أبوظبي كانت فرصة كريمة نادرة للقاء المبدعين المتألقين من الأحبة: خالد تاجا، بندر عبد الحميد، وحاتم علي، إضافة إلى المخرجين العزيزين محمد ملص وهيثم حقي – حماهما الباري من كل مكروه وأطال بعمريهما.
لكن رحيل الفنان العزيز حاتم جاء ضربة صاعقة لكل من عرفه وجالسه وتعامل معه. إنسان أريحي رقيق كأنسام الربيع، وليس لنا إزاء هذا الزائر الأبدي الفاجع إلا التسليم بقضاء الله وقدره، أيا كان منطق التطلعات الفكرية الكامنة في وجدان كل كائن منا، وترديد آية البشرى في وجه كل مصيبة: [إنا لله وإنا إليه راجعون].
فلتنعم بغامر لطف الله ورحمته ورضوانه، يا حاتم، وليلهم أهلك ومحبيك جمال الصبر وسكينة العزاء... ولعل لقاءنا لن يكون بعيدا، ما دام فردوس الحوار المستنير والألفة الشامية قد حولوها إلى جحيم.