كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"- ح3

كتب الدكتور عبد الله حنا:

{هذه الدراسة المؤلفة من عشر صفحات رفضتها مجلة المعرفة لوزارة الثقافة السورية، وبقيت حبيسة أدراجي إلى اليوم. وفيما يلي الحلقة الثالثة:}
تجارة العبيد تحظى بمباركة رجال الدين من جميع الأديان
شهد تاريخ العصور القديمة والوسطى قيام مجتمعات الرق, وبالتالي دول مالكي الرقيق, لدى معظم الشعوب وفي ظلّ معظم الديانات وفي مقدمتها الديانات السماوية الثلاث: اليهودية, المسيحية والإسلام.
ومعروف أن نظام الرق بدأ ينهار في أوروبا ليحلّ محلّه النظام الإقطاعي. والكنيسة التي ماشت نظام الرق أولا وقفت إلى جانب النظام الإقطاعي ودعت الفلاحين إلى الخضوع لأسيادهم النبلاء. وعندما بدأت طلائع الرأسمالية الأوربية بالظهور وقفت الكنيسة الكاثولكية ضدها ثمّ اضطرت إلى مجاراة الرأسمالية بعد أن أصبح نصرها محتما. وقاومت الكنيسة بضراوة الاشتراكية, ولو انتصرت الاشتراكية فماذا سيكون موقفها؟..
أما في عالمنا العربي فقد استمر مجتمع الرق أو بالأصح بقاياه متعايشة مع الأنظمة الأخرى حتى القرن التاسع عشر, واستمرت في الواقع في بعض الأماكن المنعزلة ومنها بوادي بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية حتى منتصف القرن العشرين.
والرق في السعودية لم يُلْغَ رسميا إلا في سنة 1964. اقول رسميا وأضرب المثل، الذي سمعته من معلم من بلدتنا ديرعطية علّم في العقد الأخير من القرن العشرين في مدرسة ابتدائية في جبال عسير الواقعة إلى الجنوب من مكة المكرمة. ذكر المعلم أن المدرسة التي علّم فيها احتوت عددا كبيرا من أبناء العبيد، الذين لم يُسمح لهم بالجلوس على مقاعد مشتركة مع أبناء الأسياد سابقا. وهكذا وبعد مرور أربعين سنة على صدور قانون تحرير العبييد في السعودية، لا يزال أبناء العبيد يعاملون معاملة دونية. ومن لا يصدّق يتصل بي على الخاص حتى أعطيه اسم المعلم........
وتذكر كتب التاريخ أنه كان في بغداد شارع يدعى "دار الرقيق", كما كان يشرف على تجّار الرقيق تاجر الرقيق ويعرف باسم "النخّاس" وتجارته بالنخاسة. والنساء من الرقيق تعرف بالسراري. وكان كثير من النخّاسين يشترون السراري ويعلموهنّ الضرب على العود أو الرقص والغناء مع الشعر والأدب ليغلى ثمنهم ويبيعونهنّ بأثمان مرتفعة إلى الخلفاء والأمراء والأغنياء. وقد ملأت أخبار الجواري كتب الأدب العربي.
***
المماليك, الذين حكموا مصر والشام هم أيضا من الرقيق الذين خدموا الحكام الأيوبيين جنودا وحراسا ثمّ اعتلوا منصة الحكم. وكذلك جنود الإنكشارية في الدولة العثمانية هم في الأصل أطفال أبرياء صادرتهم الدولة العثمانية من البلقان والقوقاز وأنشأتهم تنشئة عسكرية وأمسوا الحكام الحقيقيين حتى نهاية الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
وتغص دعاوى المحاكم الشرعية في دمشق وحلب بأخبار العبيد , مما يدل على رسوخ قدم الرق المنزلي في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر في حواضر البلاد.
وشيوخ العشائر في بوادي الشام وشبه الجزيرة العربية ملكوا العبيد حتى صدور قوانين الإصلاح الزراعي في كل من العراق وسورية أواخر خمسينيات القرن العشرين. وكاتب هذه الأسطر التقى أثناء جولاته الميدانية 1984 بعدد من عبيد شيوخ الحسنة والفدعان، الذين لا يزالون يرهبون أسيادهم. وقد كتبتُ عنهم في كتاب تاريخ الفلاحين، الذي صادرته السلطات السورية 1985 وأرسلته إلى معمل الورق ي دير الزور لاستخدامه كعجينة ورقية، كونه مؤلف من ثلاث مجلدات وعدد نُسخ كل مجلد عشرة آلاف نسخة طبعها اتحاد الفلاحين على حسابه. ولم يوافق من فوق الاتحاد العام للفلاحين على ما جاء في مجلدات الفلاحين، التي أفنى الفلاح عبد الله دهرا من عمره في تدوينها بعد أن زار 400 قرية والتقى بفلاحيها...................
***
وتجارة العبيد هي شكل من أشكال التجارة بالإنسان, الذي اعتبر كبضاعة مُعدة للبيع والاستعمال مثل غيرها من البضائع. ولكن انهيار نظام الرق عالميا أو بالأصح أوروبيا, لم يؤد إلى زوال العبودية وتجارة العبيد  وكانت أفريقيا – عمليا قلب أفريقيا – ضحية الغزوات اللصوصية لصيد البشر وتحويلهم إلى عبيد بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر. وكانت تجارة العبيد وسيلة من وسائل تراكم رأس المال في عصر تكوّن الرأسمالية.
القسم الأكبر من الصيد البشري كان يُرسل من موانئ خاصة في غرب أفريقيا إلى أمريكا الشمالية للعمل في حقولها الواسعة عبيدا لدى الأسياد البيض. وأصبح الرق في عصر الاستكشاف الجغرافي والاستعمار السياسي والاقتصادي مصدرا من مصادر الثروة لبعض الشركات والمغامرين. فكان الزنوج يخطفون , كما اشرنا, من سواحل أفريقيا وينقلون إلى أمريكا ويباعون كما تباع السوائم.
***
مع انتشار الرأسمالية بدأت عملية الحدّ من هذا النوع من العبودية, الذي لم يعد ضروريا بعد تطور الآلات الصناعية, التي حلّت محل عضلات الإنسان. وانعكس ذلك في سلسلة من المعاهدات التي وقعتها الدول الأوربية المسيطرة وأهمها بيان مؤتمر فينا في 8 - 2 -1815, وأخيرا اتفاقية جنيف في عام 1926. والواقع أن المستعمرين حرّموا رق الأفراد واستعبادهم وأباحوا رق الأمم واستعمارها.. ألمْ يكن سكان المستعمرات في آسيا وأفريقيا, إلا عبارة عن رقيق بالجملة يتصرف بهم المستعمر كيف شاء ويستثمرهم بل يتصرف بخيرات بلادهم وما في داخلها من كنوز؟...
***
ظهرت اعتبارا من القرن السادس عشر تجارة الرقيق في الموانئ الغربية للبحر الأحمر (السودان أرتيريا. ومصدر هذه التجارة كان جنوب السودان وجنوب تشاد. وقد استمرت تجارة الرقيق هذه بصورة شبه سرية عبر هذه الموانئ حتى مستهل القرن العشرين... ومن هنا كان مصدر العبيد الذين اشتراهم شيوخ العشائر في بوادي الشام).
ويلاحظ أن كلمة العبيد أطلقها بدو شبه الجزيرة وبلاد الشام حصرا على السود, الذين عادوا بأصولهم إلى أفريقيا السوداء وتزاوجوا من بعضهم في ظل عبوديتهم. ولا تزال توجد منهم في شبه الجزيرة قرى بأكملها تعيش منعزلة عن البيض, على الرغم من اعتاقهم عام 1964. ومعلوم أن الأرستقراطية البدوية استخدمت هؤلاء العبيد, الذين اشترط فيهم اللون الأسود في الأعمال المنزلية والرعوية والحراسة، لإرهاب أفراد القبيلة والفلاحين على حدّ سواء.
في عهد الانتداب الفرنسي أغدق استعماريوه كرمهم على شيوخ العشائر ومنحوهم الأراضي الزراعية كي يكونوا عونا لهم على الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار. وهذه الأرستقراطية البدوية، التي استولت على الأراضي الزراعية وتحوّلت إلى فئة اقطاعية شملتها قوانين الاصلاح الزراعي في ستينيات القرن العشرين كما شملت فئات اقطاعية أخرى متحدرة من كبار الموظفين وضباط الجيش والتجار.
الحلقة القادمة:
الرق المنزلي الحالي في بلدان النفط "العربي"، دون أن ننسى الغاز وشيوخه
 
رابط الجزء الأول العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"

رابط الجزء الثاني العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"- ح2


 
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية