كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"- ح4

كتب الدكتور عبد الله حنا:

{هذه الدراسة المؤلفة من عشر صفحات رفضتها مجلة المعرفة لوزارة الثقافة السورية، وبقيت حبيسة أدراجي إلى اليوم. وفيما يلي الحلقة الرابعة:}
الرق المنزلي الحالي في بلدان النفط العربي، دون أن ننسى الغاز وشيوخه
جال موضوع الرق والعنوان الرئيسي للحلقات السابقة: "العبودية من ايام حمورابي إلى عضر البترو دولار" في خاطري في مطار دبي بتاريخ العشرين من شباط عام ألفين وأربعة. فقد لفت نظري تجمّع عدد من الفتيات ذوات الملامح الآسيوية الجنوبية وأعمارهنّ بين الثانية عشرة والسابعة عشرة في إحدى زوايا المطار. وشخص يرتدي الدشداشة البيضاء الأنيقة والكوفية والعقال يجمع جوازات سفر أولئك الفتيات, ثمّ تركهنّ ملتصقات ببعضهن كالغنم الخائف من الذئب. وكانت علائم القلق المشوب بالخوف وانتظار المجهول بادية على وجوههنّ المحاطة بالحجاب الشرعي. (وهو يعني قطعة قماش تغطي شعر المرأة وأذنيها وعنقها، وتترك العينيين والأنف والفم مكشوفا. وغالبا ما تقوم المحجبة من هذا النوع باستخدام أحمر الشفاه وإضفاء مسحة من المساحيق حول العينيين دون أن تنسى رموش العينيين وحمرة الوجنتين).
الفتيات الأسيويات إياهنّ يرتدين هذا الحجاب الشرعي ولكن بدون "مكياج"، فهنّ قادمات إلى "سوق النخاسة" البترو دولاري في الخليج الفارسي، الذي أصبح عربيا مع ظهور "عربان النفط والغاز"، الذين أحيوا سوق النخاسة القديم بسوق للعبيد الجواري الباحثات عن لقمة العيش والعودة إلى أوطانهنّ مع دريهمات بترودولارية.
منظر هؤلاء الفتيات البائسات أحيَ في ذاكرتي ما قرأته في ثمانينات القرن العشرين في أدبيات الحركات الوطنية في شبه الجزيرة العربية وبخاصة في نشرات الوطنيين البحرانيين, التي كشفت القناع عن هذا النوع من التجارة الرقية البترودولارية المتحايلة على الأوضاع العالمية الجديدة المعادية للرق الكلاسيكي السابق.
فتساءلت: من جاء بهؤلاء الفتيات من وطنهن, أندونيسيا, ماليزيا, سيرلنكا, الفليبين, الحبشة وغيرها إلى بلدان النفط؟... أليست مكاتب الاستخدام في دول النفط إلا إحياء جديد لسوق النخاسة, الذي ولّى زمانه؟ لو لم يهبط هذا البترو دولار على هؤلاء القوم العائشين في الصحارى والواحات في ظروف حياتية صعبة ومستوى حضاري متدن.. لو لم يمتلك هؤلاء القوم دون تعب أو إبداع, هذا الدولار النفطي اللعين سيد العالم, هل كان بإمكانهم جلب هؤلاء الخادمات من البلاد البعيدة؟.. وهل كان بالإمكان انتزاع هؤلاء الفتيات من حضن أمهاتهن في جنوب شرقي آسيا وقذفهنّ إلى هذه الدول النفطية لخدمة أسيادها وسيداتها؟
لماذا حرمت آلاف الفتيات في جنوب شرق آسيا من العيش مع عائلاتهن واضطررن للمجئ إلى بلدان النفط للعمل خادمات في البيوت، وما يتبعها من ذلّ وإهانة واعتداء على اعراضهنّ؟..
أليس الفقر المنتشر من جهة في أحد أصقاع العالم والغنى المتركز في أنحاء أخرى من المعمورة هو السبب في هذه المأساة البشرية؟.. أليس النفط, أولا وآخرا, مستعبد الشعوب؟.., هذا ما تنبأ به عام 1937 العلامة العربي اللبناني يوسف إبراهيم يزبك.
وهنا لا بدّ من ملاحظة الظاهرة التالية: نعمة نفطنا هذا تمتد أفياؤها في بقعتين من العالم: ما يسمى بالغرب وبخاصة الولايات المتحدة أولا, ودول الخليج ومن ضمنها السعودية ثانيا. والغرابة في الأمر أن القوى الاستعمارية في عالم الشمال, أي الغرب, التي تمتلك تقنية استخراج النفط وتقوم باسترقاق شعوب العالم بالوسائل المعروفة, لا تستخدم هذا الرق المنزلي الآتي من وراء الحدود عن طريق مكاتب الاستخدام, بل مكاتب النخاسة. فبلدان الغرب المتقدم تقنيا، لديها وسائل أخرى لتحقيق الخدمة المنزلية للمنعم عليهم. أما بلدان النفط, ونعني هنا بلدان الخليج والسعودية, فهي تملك في جوف أراضيها النفط ولكنها ليست على مستوى حضاري وتقني يمكنها من استخراجه, وتكتفي بالحصول على حصتها من هذه "النعمة", التي تتحول إلى نقمة في حالات كثيرة.
هذه البلدان هي التي انتشر فيها هذا النوع من الرق المنزلي, إلى درجة أن أكثرية المنعمين بريع النفط أصبحوا يملكون في بيوتهم أكثر من خدّامة وهم يتباهون بهذه الظاهرة التي يرونها طبيعية تدخل في إطار شراء قوة العمل الرخيصة.
ويذهب الشطط بمالكي البترودولارإلى التعبير عن إنسانيتهم وأريحيتهم في تشغيل هؤلاء الفتيات وانقاذهنّ مع أسرهنّ من مهاوي الفقر والحاجة. ثمّ يتبجحون بأنهم يعاملونهم معاملة لائقة.. اللهمّ امنحنا الصبر وطول البال على ما نراه ونسمعه من مآسي في عصر الإمبراطورية الاميركية الاستعمارية وأجنحتها من حكام الجنوب ومن والهم أو عاداهم مؤخرا بعد زوال الاتحاد السوفياتي.
أما دعاة التنوير العربي وحملة لواء مفاخر الحضارة العربية الإسلامية, فيرون في هذا الاستخدام المُسْتَجلبْ من وراء الحدود ظاهرة رقيّة هي إحدى مظاهر العبودية في عصر العولمة وهيمنة البترو دولار والرأسمالية المتوحشة...
المفارقة إذن أن من له الفضل في استخراج النفط لا يقوم بهذا النوع من الاستخدام الرقي, ومن يتنعم بعوائد النفط دون أن يقدح فكره أو يقوم بأي جهد ويقتل الفراغ رجاله ونساءه, يأتي بهؤلاء الفتيات الفقيرات المساكين والمغلوبين على أمرهنّ من أصقاع جنوب شرقي آسيا الفقيرة ليمارس عليهنّ رقا جديدا هو في نظر أنصار التنوير العربي وصمة عار في جبين أمتنا. وعلينا نحن كحملة لواء الحضارة العربية الإسلامية بمنجزاتها الإنسانية أن نرفع الصوت عاليا احتجاجا على هذا النوع المُستحدث من الرق, والمتعارض مع حقوق الإنسان وقيم العدالة والمساواة. إننا بموقفنا هذا ندافع عن إنسانية الإنسان في كلّ أرجاء المعمورة, وبالتالي عن كرامة هؤلاء الفتيات المساكين, ونسعى من جهة أخرى لصون إنسانيتنا ومثلنا وأخلاقنا في المساواة والحرية لجميع بني البشر.
أليس "الخلق كلهم عيال الله"؟...
الحلفة القادمة
تجارة الرقيق تُبعث من جديد في عصر البترو دولار
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية