كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البربطاني ( إدريان كوبر )ح5

   □  الحلقة الخامسة ( 5 )  □ 

 
                              من عرض وتلخيص كتاب :
 
                                   [  حقيقتنا المطلقة  ] 
 
                         [  الحياة و الكون و قدر الإنسان  ]
 
                                                                     ●  تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
 
              ■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد ) 
 
                        { يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
 
                                     في ( 113 ) فصلاً
                                      و مقدّمة و خاتمة
 
                           في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
 
 
                                  الفصل السادس و العشرون
 
                                             الكارما
 
ناقشنا سابقاً قانون السّببية الكوني أي قانون السبب و النتيجة. و سوف نناقش لاحقاً موضوعاً في غاية الأهمية و هو موضوع "التّقمّص" و المغزى من ورائه بالنسبة إلى البشر.
 
تعمل "الكارما" ضمن قانون السبب و النتيجة، لأن لكل فعل "سيّء" أو سلبيّ هناك نتيجة "سيّئة" أو سلبية موازية، و العكس صحيح.
و استناداً إلى مبدأ القطبيّة فإنه لا توجد حالة سيّئة بالمطلق أو جيّدة بالمطلق. هنالك درجات للسّوء أو للجودة، و هي نسبية بطبيعة الحال. و لا بدّ في هذا المضمار من لفت النّظر إلى أن السبب و النتيجة و بالتالي "الكارما" ما هي إلّا عمل و نتاج للطاقة الكونية و للذبذبات.
 
" الكارما " تعني حرفيّاً " فعل ". و لكنْ من المهمّ ملاحظة أن "الفعل" ليس من الضروري أن يكون مادياً ، إذ يمكن أن يكون أيضاً "فكرة"؛ فالفكرة السيئة سوف تتسبب بنتيجة سيئة موازية على المستوى الذهني. 
و هذا يستند إلى قوانين الذبذبات و قراءة الأفكار حيث تكون الفكرة هي السبب على شكل ذبذبات، و بعبارة أخرى، على شكل طاقة تَهِبُ نتيجتها على مستوى الطاقة و الذبذبات الفاعلة على السطح الذهني.
 
و لكي يتمّ التقدم على درب الكمال عبر السطوح الطيفية و الروحية العظيمة في رحلتنا عائدين إلى خالقنا العظيم ، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن الخصال و الأفعال السيئة كلها موزونة، أي أنها خاضعة للموازين و مُحَوَّلة و ملغيّة تماماً. 
و بسبب الجهل شبه المطلق بقوانين الكارما يُمضي العديد من الناس حياتهم متسبّبين في نتائج سيّئة أو في كارما سيّئة من دون أن يعوا ذلك. 
 
و يمكن عند الولوج إلى الحقيقة المتعددة الأبعاد للفضاءات الداخلية اكتشاف أن كافة أنواع الحياة ليست تتابعيّة أو تسلسلية بل "متزامنة" ، أي أنها تحدث في وقت واحد ؛ و هذا يعني أنه ليست هناك حالة تشبه "الحياة السابقة"، و أن "هذه الحياة" و "الحياة المستقبلية"، أي "الحياة التالية" أو "الحياة التي تأخذ مكان هذه الحياة"، بل و إنّ كل الحيوات تمّ المرور بها و اجتيازها ، بصفتها جزءاً لا يتجزأ من السلسلة الكونية المتصلة التي تتجاوز مستوى حقيقة الزمان و المكان حيث تكون الروح الفردية خالدة.
كل "حياة" في حقيقتها هي بالتالي مظهر زمني ماديّ للنفس و الروح الخالدة حيث يُقضى بعض "الوقت" الذي يقاس بالعبارات المادية في العالم المادي داخل الجسم المادي المحكوم بعامل الزمن. لكنّ مثل هذا "الوقت" لا معنى له في سياق الكون و الأبدية.
 
لا توجد محدودية للزمن يمكن أن تتماهى معها "الكارما". فَزَرع "بذرة" الكارما يخلق حقيقة مؤكدة مفادها أنه في إحدى اللحظات في المستقبل المقاس بالعرف الزمني سوف تتبرعم هذه البذرة و تنمو و تثمر بصفتها نتيجة مطابقة و متساوية.
يمكن أن تكون هذه النقطة المستقبلية هي الحياة المادية الحالية أو الحياة المادية التالية أو أية حياة مادية مستقبلية. 
حتى أنه من الممكن أن تظهر "النتيجة" بين الحيوات المادية خلال وجودها في العالم الطيفي إذا كان من الممكن مساواة السبب داخل أسطح العالم الطيفيّ.
 
إنّ عملية خلق السبب لا تقتصر على كونها مادية أو ذهنية صرفة، لأن السبب المادي ذاته له أصول ذهنية، بل يمكن أن تكون أيضاً شعورية أو لا شعورية؛ فاللاشعور بالتالي بإمكانه أن يخلق أسباباً عديدة من دون أن يعي ذلك؛ و يجب تحمّل نتائج مثل هذا الخلق؛ و من الضروري كذلك تحمّل تبعاتها و موازنتها. و كما سنرى لاحقاً فمن المهمّ جداً أن نعي ضرورة أن يتمّ التحكم بكل من "الأنا" و "اللاشعور" و ذلك لكيلا يتسبّبا في وقوع أحداث كارميّة خفيّة. 
 
ليس فقط البشر هم من يخضعون لقوانين السبب و النتيجة، و بالتالي، للكارما؛ فكل شيء في الكون بمجمله يخضع لهذه القوانين: كل شخص و كل حيوان و كل سمكة و كل حشرة أو نبتة أو معدن. هذا هو القانون.
 
يمكن أن تتراكم الكارما بصيغتها الفردية خلال حيوات عديدة، و لذلك فإنه عندما يحدث أمر "سيّء" فلن يكون هذا الحدث من باب "المصادفة" أو "الحظ العاثر"، و هي أفكار ليس لها مكان البتة في الكون استناداً إلى مبدأ السبب و النتيجة، بل هي نتيجة لسبب سابق لا يقلّ سوءاً، و هو سبب يمكن أن يكون قد نشأ تتابعيّاً في العديد من الحيوات السابقة.
 
      هنالك ثلاثة مستويات من "الكارما" بحسب الفلسفة الهندوسية.
 
١ - يُسمّى المستوى الأول للكارما "سانشيتا كارما"، أي الكارما المتراكمة Sanchita Karma. و ينشأ هذا المستوى من الكارما من حالة سابقة ما تزال بانتظار ردّة فعلها أو نتيجتها المرتبطة بها. هذه هي في الحقيقة "الكارما الكامنة".
 
٢ - المستوى الثاني للكارما هو مستوى الأسباب السابقة، بما فيها تلك التي تراكمت من حيوات سابقة، إلّا أنها ما تزال تظهر في هذه الحياة الحالية الحاضرة. هذا النوع من الكارما يُسمّى "برارابدا كارما" أي الكارما الخصيبة Prarabdha Karma، و هي ذلك النوع من الكارما الذي يحدد طبيعة حياة الناس الحالية.
 
٣ - أما المستوى الثالث من الكارما فيعرف بإسم "كارما المستقبل" Future Karma. و هي الموضع الذي تتجمع فيه الأسباب الموجبة التي تحدث في الزمن الحياتي الحالي، لكنّ نتائجها لن تظهر الآن، بل في المستقبل، و هذا المستقبل قد يكون في مرحلة لاحقة من هذه الحياة أو في الحياة أو الحيوات المستقبلية.
 
هناك مظهر آخر للكارما، و هو أنّ تعاقب "النتائج" لا يحدث بالضرورة بنفس النظام الذي درجتْ عليه الأسباب التي أدّت إليها؛ و يعود هذا إلى الاختلافات المحتملة حول عظمة السبب الأصلي، و بالتالي، الفرصة الأولى له كي يصبح نتيجة مطابقة للسبب الأصلي.
المهم أن قانون الكارما سوف يفرض نفسه من دون تردّد عبر الزمان و المكان و أيضاً خارج نطاقهما، فما من أحد في عصمة من هذا القانون.
 
يجب التأكيد عند هذه النقطة على أن الكارما ليست نظام "عقوبة" أو "مكافأة"؛ فكل شخص مزوّد بإرادة حرّة ليفعل ما يُريد، و لكنّ مغزى الكارما يتمثّل في أن على كل شخص تحمّل مسؤولية أعماله. إنّها تعبير آخر عن المثل الشائع: "كما تزرع تحصد".
 
الكارما هي مظهر من أهم مظاهر تطور و تقدّم الفرد على مستوى درب عودته باتجاه المنبع أو العلة الأولى، أي الرب الذي هو الكمال المطلق، و الذي لا بدّ بالتالي من مقاربته بكمال مطلق مواز تماشياً مع السمات التي تتّصف بها الطاقة و الذبذبة و الروح الموجودة في كل شخص فينا. 
و أخيراً فإن قانون الكارما يوفر فرصاً قيّمة و مستمرة لتعلّم دروس الحياة، و كذلك لتطوير الأشياء الخيّرة في الحياة و خلقها.
 
 
                           الفصل السابع و العشرون
 
                            طبيعة الرّبّ الحقيقية
 
تستند العديد من أنظمة الإيمان في العالم الغربي إلى الديانتين المسيحية و اليهودية، في حين يسود الإسلام منطقة الشرق الأوسط، أما الديانتان الهندوسية و البوذية فتنتشران في الشرق الأقصى. 
و من بين كافة هذه الديانات يعتمد كل من الإسلام و المسيحية بكل فروعهما و مذاهبهما اعتماداً هائلاً على التعاليم الواردة في القرآن و الأناجيل المقدّسة، و التي تعتبر تعاليم مسلماً بصحتها من دون نقاش أو تساؤل كونها تمثّل الحقيقة. 
 
و القبول بدين عقدي هو وسيلة مناسبة للاندماج في نظام إيماني بكتلة واحدة مع ما يوفّره ذلك من راحة بال و طمأنينة نفس.
و حيث علينا احترام معتقدات الآخرين، فإنّه لا بدّ لجميع البشر من أن يصلوا يوماً إلى أن الجميع يخضعون لقوانين كونية واحدة تحكم إيقاع التقدم إلى الأمام باتجاه مستويات و أوضاع وجودية هي بحقّ "عوالم إلهية" تتّسم بالعظمة و الروعة ترتقي بما لا يُقاس إلى منازل تتعدى كل مفهومات "الديانات" و المعتقدات و "أنظمة الإيمان" المختلفة.
 
نختم هذا الجزء بإبداء بعض الملاحظات حول "الرب".
 
الرب الحقيقي لا يتوافق مع الرؤى الشعبية السائدة التي تصوره على هيئة شخص عجوز مهيب بلحية بيضاء يرتدي ثوباً أبيض طويلاً و هو جالس على عرشه المذهّب و محاط بالملائكة و يقوم بإدارة شؤون البشر و الحكم عليهم. 
 
الرب الحقيقي ليس مستبداً و لا ثأرياً، و لا تظهر عليه أية أمارات بشرية تافهة كالغيرة و الجبن أو الغضب.
 
و الرب الحقيقي ليس في حاجة إلى من يعبده و لا إلى قرابين تُقَدَّمُ له، و لا يتأثّر بالمجاملات أو المديح.
 
الرب الحقيقي لا حاجة له في أية مطالب، و لا يتصف بالانتقام أو الحقد، و لا يحكم الكون من علٍ كما لو أنه ملك و البشر عبيد، أو يطلق الأحكام و العقوبات بصورة عشوائية على من يتجاوز الحدود.
 
الرب الحقيقي لا يعاقب من لا يؤمن به أو من لا يرتاد الكنيسة أو يتقبّل فكرة أن المسيح هو المُخلّص.
 
و فوق هذا و ذاك، الرب غير منفصل عن الكون أو عن البشر أو عن أي شيء داخل محيط الكون. الرب هو كلي العلم و كلي القدرة و كلي الحضور.
 
كل فرد هو مظهر من مظاهر عظمة الرب، أي الوعي الكوني الأسمى أو المنبع أو الخالق الأعظم و العلة الأولى؛ و هو بدوره نفس الكمال المطلق و التّام و الكلي الذي يُجاهد كل إنسان من أجل التماهي معه خلال رحلته العمرية التي يسعى خلالها إلى التطور على الدرب الإلهية عائداً إلى الرب الذي انبثقنا جميعنا منه ، الذي نشكّل أجزاء لا تتجزأ من مظاهره، و الذي لا بدّ أن نعود إليه.
 
كل فرد من دون استثناء هو سيّد قدره. كلنا نخلق الحقائق الخاصة بنا، كما أننا محكومون دوماً بالقوانين الكونية الثابتة و الراسخة نفسها؛ و هي القوانين الموجودة من أجل المحافظة على النظام الكامل لأمجاد و روائع و عظمة الكون الواعي المتعدّد الأبعاد.
 
الرب الحقيقي يُهيّئ السبل في نهاية المطاف للمحافظة على كل ما في عالم الخلق من القوة و الذبذبات و الطاقة الموجودة داخل نطاق الكون، و داخل جميع فضاءات الحياة و الواقع، لأنه هو الحب الخالص الصّرف، و غير المشروط.
 
-------------------------
 
     ■  انتهى الجزء الأول من كتاب "حقيقتنا المطلقة"... وسنستكمل عرض وتلخيص الجزئين الثاني ( 2 ) و الثالث ( 3 ) منه .
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية