كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البريطاني (إدريان كوبر)ح6

□ الحلقة السادسة ( 6 ) □ 

 
                         من عرض وتلخيص كتاب :
 
                               [ حقيقتنا المطلقة ] 
 
                    [ الحياة و الكون و قدر الإنسان ]
 
                                                                   ● تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
 
            ■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد ) 
 
                     { يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
 
                               في ( 113 ) فصلاً
                                 و مقدّمة و خاتمة
 
                      في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
 
 
                                   الجزء الثاني
 
                                 الحقائق الدّاخليّة
 
     ●  ( الموت ) ليس مصدراً للخوف ، فهو مظهر طبيعي جداً من مظاهر التطور الفردي ، و هو انتقال إلى العوالم المتصفة بالتناغم و الجمال التي يقطنها أصحاب العقول المتناغمة ، حيث لا وجود لظواهر المعاناة و المحن و البؤس . ( الموت ) انتقال إلى الزّمن الجميل ، و هو ظاهرة يجب الاحتفاء بها..
     والأشخاص الذين غادروا عالم الحياة المادية ، تحرروا من جديد ، و سوف يستريحون لفترة في العالم الطيفي و الذهني قبل العودة من جديد إلى الأرض ، إذا كان ذلك ضرورياً للبدء في حياة مادية جديدة ..
     و لكنهم ينظرون إلى من يعيش في كثافة العالم المادي ، على أنه هو الذي يعيش في عالم الأموات بالمقارنة معهم ، لأن أولئك غرباء عن الروعة و المجد و السلام و التناغم و الحرية.● 
 
 
                             الفصل الثامن و العشرون
 
                             ماذا يحدث بعد الموت؟
 
أول ما أريد التأكيد عليه في بداية هذا الجزء من "الكتاب" هو حقيقة لا يرقى إليها الشكّ و يجب أن يستوعبها الجميع، و هي أنه ليس هناك في واقع الأمر حال يُمكن أن نطلق عليه إسم "الموت".
فالموت عملية انتقال من وضع الحياة و الواقع، ببعدها المادي، إلى وضع حياة أخرى تتّسم بقدر ضئيل جداً من الكثافة في الكون، لا أكثر و لا أقلّ؛ و هي غالباً ما تُعرف بإسم "السطوح الطيفية" التي يُشار إليها أحياناً بعبارة "الما وراء" أو "البعد الرّابع" أو "ما بعد الحياة"؛ و هو موطن جديد للأشخاص الذين يُغادرون عالم الحياة المادية، و ذلك إما قبل أن يعودوا إلى حياة أخرى على الأرض، أو قبل أن يتابعوا مسيرتهم التطورية باتجاه الفضاءات الداخلية للحقيقة، أي السطوح الذهنية أو عوالم الروح. 
 
نحن جميعاً كائنات متعددة الأبعاد و بحوزة كل منّا أعداد كبيرة من "الأجساد" التي تتوافق مع الأوضاع العديدة لكينونتنا ضمن نطاق الكون المتعدد الأبعاد. 
تتكون هذه الكينونات بشكل عام من الأجساد المادية و الأثيرية أو الطاقوية و الطيفية، و أخيراً الذهنية. كل هذه الأجساد تنتمي إلى المستويات اللانهائية من الذبذبات و الكثافات و الكينونة، و هذه تتراوح تدرّجاً بين أكثرها دنوّاً و أعلاها ارتقاء. 
غالباً ما يُشار إلى الجسد الطيفي باعتباره "النفس"، و إلى الجسد الذهني باعتباره "الروح" الخالدة. إن الجسد الذهني أو الروح الخالدة هو ما يُطلق عليه وصف "المخلوق على صورة الرب الحقيقية" و هذا لا يُقارب الجسد المادي إطلاقاً على عكس ما يعتقده العديد من الناس.
 
و الرب روح صرفة، و أما موقع كينونتنا أو وعينا فهو في داخل الجسد الذهني أو الروح الخالدة.
في حين أن الجسد الطيفي أو النفس فيتكون من مزيج من الجسدين الطيفي و الذهني.
يعتمد مستوى الذبذبات في الجسدين الطيفي و الذهني بدوره على العديد من العوامل بما فيها درجة التّنبيل أو الكمال و الدرجة التي ترتقي إليها "الأنا" للوصول إلى التماهي مع عالم الروح أو الرب و درجة الكارما غير المحسومة؛ و الأهم من هذا و ذاك التدرّج التقدمي وصولاً إلى التماهي مع القدرة الأكثر قوة في الكون ألا و هي الحب الخالص أي الرب ذاته.
 
و عمّا يحصل في تجربة "الموت"، فإن الظروف التي تدفع بالإنسان إلى نهاية وجوده المادي الحالي تختلف عن بعضها بعضاً اختلافاً بيّناً، و يمكن أن تتفاوت بين الموت المفاجئ أو بسبب مرض مفاجئ أو نتيجة لصراع طويل مع المرض، أو بسبب التقدم في العمر، و أسباب أخرى.
 
في اللحظة التي يتوقف فيها الجسد المادي عن القيام بوظائفه تنتقل كمية كبيرة من الطاقة الحيوية إلى الجسد الأثيري المعروف أيضاً بجسد الطاقة. يحتوي الجسد الأثيري أو جسد الطاقة أيضاً على الجسدين الطيفي و الذهني. عندها سوف يتحول الجسد الأثيري في العديد من الحالات إلى جسد جديد "مؤقّت" للشخص "المتوفّى" حديثاً.
لكنّ الشخص المتوفى حديثاً يمكن أن يتحول أحياناً إلى العوالم الطيفية مباشرة. أمّا ما يحدث بعد ذلك فيختلف من شخص لآخر و من ظرف لآخر، و لكنه يبقى ضمن مدى الاحتمالات التالية.
 
بالنسبة إلى الذين لا ينتقلون مباشرة إلى العوالم الطيفية فإنهم سوف يكتشفون فوراً أنهم ما يزالون "أحياء" في أجسادهم الأثيرية بعد حدوث موتهم المادي. 
فالناس بعد الموت غالباً ما يشاهِدون بصورة كاملة كل ما يحدث حولهم بما في ذلك الأشخاص الموجودون في تلك البقعة. 
و تقتصر هذه الرؤية على ما يشبه الانعكاس "الأثيري" لهذا المحيط المادي باعتبارهم لم يعودوا يتمتعون بحواس مادية. إن ما يرونه هو محاكاة مطابقة للواقع.
نشير هنا إلى أن وجود المرء في هذا الوضع الأكثر لطفاً و المتمثّل بالطاقة الصرفة يمكّنه من الانتقال حرفيّاً إلى أي مكان في العالم و حتّى إلى أي مكان في الكون بلمح الفكرة. 
 
فالسطح الأثيري هو عالم العقل، و هذا الأخير هو امتداد للسطوح الأثيرية و الكون بشكل عام، فهو موجود خارج نطاق أية حدود أو قيود يفرضها الزمان و الفضاء المادّيين.
 
غالباً ما يبقى الشخص المتوفّى قريباً جداً من العالم المادي في حين يبقى مستوى الطاقة الأثيرية في جسده الأثيري عالياً بما فيه الكفاية.
و غالباً ما يغتنم المتوفى هذه الفرصة لزيارة أقربائه و أصدقائه لوداعهم، و ربّما يقوم بزيارة منزله القديم و الأماكن الأخرى المُحببة إليه، خصوصاً تلك التي تمثّل بالنسبة إليه مِتَعَ الحياة الدنيا. و باستثناء المستبصرين و الوسطاء فإنه غالباً ما تبوء محاولة المتوفى التواصل مع الأحياء بالفشل.
يستطيع الشخص المتوفى أن يقرر فيما إذا كان سينتقل إلى العالم الأثيري في الوقت الذي يختاره ، و ذلك بمجرد أن برغب أو يقرر ذلك أو حتى بمجرد التفكير فيه؛ و هذا إذا كان مؤمناً بإمكانية حدوث مثل هذا الانتقال، و إلّا فإن عملية الانتقال تتمّ بصورة طبيعية فقط عندما تنضب كمية ذبذبات الطاقة الأثيرية و يتحلل الجسد الأثيري الكثيف ليفسح المجال لذبذبات أكثر لطافة في الجسد الطيفيّ، مع العلم أن الغالبية الساحقة من الأشخاص المحترمين ينتقلون إلى العوالم الطيفية الوسطى التي تشبه إلى حد كبير العالم المادي الذي تركوه وراءهم.
 
و أمّا الوضع المعاكس فيحدث عندما ينتقل المتوفى حديثاً إلى العالم الطيفي مباشرة و بصورة شبه فورية بعد "الموت" المادي، حيث يعي البعض أحياناً حقيقة موتهم المادي أو الجسدي، فيكون أول ما يعيه المتوفى هو ذلك "النفق الضوئي" الذي يقاد إليه المتوفى بسرعة هائلة ..
و لكنْ في الحالات الأخرى يختفي المشهد تدريجياً من العالم المادي و "يذوب" في العالم الطيفيّ إلى درجة تضيع معها معظم ملامحه.
و في كل حال فإن المنتقل لا يُترك هناك بمفرده في العوالم الطيفية بعد الموت الجسدي، فثمة هناك من يستقبله ممّن خبروا مكانه الجديد و بعضهم من الأهل و الأصدقاء و الأحبة؛ إذ أن معظم المحترمين الذين يصلون إلى المستويات الوسطى في العوالم الطيفية، فسوف تكون البيئة حولهم مسالمة جداً و متناغمة بالنسبة إليهم. 
 
و إذا كان الموت الجسدي مفاجئاً أو عنيفاً أو إذا كان صاحبه مريضاً لفترة ما قبل واقعة الموت الجسدي فسيكون أمامه هناك النظير الطيفي للمشافي بطواقمه من الأطباء و الممرضات أو أشخاص كانوا كذلك في حيواتهم السابقة للمساعدة. 
و نظراً إلى أن العوالم الطيفية تبدو مطابقة تقريباً للعالم المادي من حيث المظهر ، فإن بعض الناس لا يعتقدون بأنهم "ماتوا" في الحقيقة، و بالتالي ليس بمقدورهم استيعاب ما حدث.
 
يستطيع الأطفال عادة التّأقلمَ مع حياتهم الجديدة في العوالم الطيفية بسرعة أكبر من البالغين، على اعتبارهم لم يتشربوا بعد طبيعة العالم المادي بما يكفي، و سوف يكون بمقدورهم تذكر حياتهم السابقة في العوالم الطيفية و الروحية التي غادروها إلى حياتهم المادية الأخيرة منذ وقت وجيز.
 
يستقر معظم الناس في عوالمهم الطيفية التي وصلوها و يخلقون لهم حياة جديدة و لن يكون لهم رغبة بالعودة إلى حياتهم المادية السابقة؛ و لكنهم بإمكانهم زيارة العالم المادي كلما شعروا بالحاجة إلى ذلك إلى أحبائهم الذين فارقوهم هناك. غير أنهم غالباً ما يُفضلون عيشهم في العوالم الطيفية التي هي حقيقتها أكثر حضوراً من العالم المادي.
 
الأشخاص الذين غادروا عالم الحياة المادية ، تحرروا من جديد و سوف يستريحون لفترة في العالم الطيفي و الذهني قبل العودة من جديد إلى الأرض إذا كان ذلك ضرورياً للبدء في حياة مادية جديدة؛ و لكنهم ينظرون إلى من يعيش في كثافة العالم المادي على أنه هو الذي يعيش في عالم الأموات بالمقارنة معهم ، لأن أولئك غرباء عن الروعة و المجد و السلام و التناغم و الحرية.
"الموت" ليس مصدراً للخوف فهو مظهر طبيعي جداً من مظاهر التطور الفردي، و هو انتقال إلى العوالم المتصفة بالتناغم و الجمال التي يقطنها أصحاب العقول المتناغمة حيث لا وجود لظواهر المعاناة و المحن و البؤس. "الموت" انتقال إلى الزّمن الجميل، و هو ظاهرة يجب الاحتفاء بها.
 
 
                               الفصل التاسع و العشرون
 
                                        الأشباح
 
الشبح شخص منجذب إلى العالم المادي و قريب جداً منه بعد تجربة "الموت" المادي. هذا الانجذاب إلى العالم المادي يخلق دافعاً لدى الشبح و يعينه على استقطاب طاقة أثيرية من البيئة المحيطة به في الوقت الذي يشاء، و هو ما يُبقيه ضمن إطار جسده الأثيري بدلاً من إتمام عملية انتقاله إلى العوالم الطيفية.
و أمّا أسباب تفضيل بعض الأشخاص "المتوفين" لهذا الجسد الأثيري فهي كثيرة و متنوعة. منها أنه غالباً ما يرفض الشخص المتوفى حقيقة أنه "مات" و فقد جسده المادي، ليتابع حياته في البيئة التي اعتادها، مقنعاً نفسه أنه ما يزال على قيد الحياة، و غالباً ما تكون هذه البيئة هي منزله.. 
و يُعتبر مثل هذا المنزل "مسكوناً"؛ مشدوداً إلى متع كان قد أدمنها في حياته السابقة. أو في حالات أخرى طغى على المتوفى فيها الشعور بالذنب لما قام به في حياته المادية فيبدأ بالتسكع لتصحيح أخطائه في سبيل المصالحة مع الآخرين.
أو أنه يكون قد توفي حديثاً و يعاني من الظروف الجديدة غير المألوفة و لا يريد الابتعاد عن بيئته السابقة. أو أن بعض المتوفين حديثاً يتمنّون البقاء قرب أحبائهم معتقدين خطأً أن البقاء في العالم المادي هو الحل الوحيد لتحقيق ذلك.
و في حالات أخرى يكون موت أحدهم ناتجاً عن عمل عنفي كالقتل، فيصبح المتوفى حديثاً في هذه الحالة أسير أُنشوطة تلتف حول عنقه، تتمثّل في استحضار مستمر لتواتر الأحداث التي أدت في النهاية إلى موته. و في حالات أخرى يكون السبب فيها هو الموت المفاجئ.
 
يظهر الشبح بسبب تركيز صاحبه العالي للمادة في الموقع المادي الذي يظهر فيه الشبح على شكل ما يُعرف بإسم "الجِبِلَّةِ الخارجيّة" التي هي نتاج للجسد الطاقوي للبشر الأحياء و هي تنفصد عن الجسد بصفتها عملية حياتية طبيعية.
و بالرغم من أن وجود الأشباح يمثّل ظاهرة حقيقية إلّا أنها غير مؤذية البتة، لأن الشبح هو كائن بشري طبيعي إلا أنه متوفى و يحيى الآن في جسد أكثر لطافة، و لكنه و لأنه قد مرّ بتجربة الموت الجسدي فهو لسبب أو لآخر أصبح وجوده محصوراً في بوتقة الجزء الأدنى من السطح الأثيري و هو السطح الأكثر قرباً إلى العالم المادي. 
و غالباً ما يمكن مدّ يد العون للشبح من قبل أناس أحياء في العالم الماديّ و التواصل معه؛ أو من قبل أشخاص مقيمين في العوالم الطيفية ممن تخصّصوا في إنقاذ الأنفس المحشورة إما بالقرب من العالم المادي كما هو حال الشبح، أو ضمن السطح الطيفي الأدنى مثل "منطقة نظام الاعتقاد"؛ و هذه العملية معروفة بعملية "استرجاع الأنفس" وإحضارها من المستوى الأدنى التي تكون محشورة فيه إلى موطنها الجديد و الطبيعي في العوالم الطيفية حيث تنتمي. 
 
                                 االفصل الثلاثون
 
                                      التّقمّص 
 
يُعتبر التّقمّص بحقّ أحد أعظم الأسرار التي تواجه الإنسانية.
هل نتقمّص حقّاً؟ هل نعود إلى الأرض لنعيش "حيوات" أخرى على الأرض؟ كم مرّة تتكرّر فيها هذه العودة؟ و لماذا نتقمّص، في المقام الأول؟ هل نملك أي خيار في ذلك؟
 
"التّقمّص" يعني حرفياً العودة إلى الحياة بلحمنا و دمنا. و التقمص ظاهرة حقيقية بكل معنى الكلمة، يعود من خلالها البشر إلى الأرض باختيارهم مرّات و مرات على امتداد آلاف مؤلّفة من السنين. و تختلف عدد مرات التقمص بين شخص و شخص اعتماداً على التطور الروحي الحقيقي المرغوب و على الحاجة إلى الموازنة بين الكارما و بين العديد من العوامل الأخرى.
يتعلق فهمنا للتقمص بفهمنا و استيعابنا القدَرَ الحقيقيّ للبشريّة. فمنذ لحظة حياتنا الأولى على الأرض كان تجسّدنا محكوماً بمهمة في غاية القداسة، ألا و هي العودة في المحصّلة إلى خالقنا الإلهي، أي العلة الأولى أو الرب، و التّوحّد معه من جديد. هذا هو المعنى الحق و المطلق للحياة؛ و عند ذلك سيكون أمامنا خياران :
أولهما التخلي عن فرديتنا و التوحد مع الرب، أو فعل "التوحّد"، و هو اختيار "رجال الرب" الذين يتوضّعون في أكثر فضاءات الحياة علوّاً و سموّاً من خلال التطور المستمر للكائنات الأخرى المتمثلة في الكواكب المنتشرة في أرجاء الكون ؛
و ثانيهما الاحتفاظ بفرديتنا بقدر ما نرغب في ذلك.
 
يمكن تشبيه العالم المادي في الكرة الأرضية بمرحلة روضة الأطفال؛ أما فضاءات الحقيقة الأكثر علوّاً و ارتقاءً، أي الفضاءات الكونية، فيمكن تشبيهها بمرحلة الدراسات العليا في الجامعة.
و من الضروري أن يمر من يريد ارتياد الجامعة بكل المراحل الضرورية للوصول إلى الجامعة و اجتيازها بنجاح، للحصول على المؤهلات الضرورية المطلوبة بما في ذلك شرط الحضور.
 
الفضاءات الداخلية التي تقبع خارج نطاق كوكب الأرض المادي هي "العوالم الذهنية" حيث تتحول أية رغبة إلى حقيقة بمثل لمح البصر.
في الفضاءات الداخلية أيضاَ، يكون كل شخص على المستوى نفسه من التطور الشخصي، كما أن الحياة فيها تنعم بالسلام و التناغم الآمن نتيجة لذلك.
بالرغم من الروعة المؤكَّدة لهذه الفضاءات الداخلية، فإنها لا تعتبر البيئة التي يتمّ فيها بسهولة تعلّم الدّروس المهمّة التي تعتبر في غاية الأهمّيّة بالنّسبة لعملية التطور باتجاه الفضاءات الداخلية للحياة.
تتطلّب هذه الدروس الأولية توفّرَ سمات و خصائص تتعلق بكثافة عالم المادة كي تكون فاعلة و مؤثرة. 
 
و كما نعرف جميعاً فإن الكرة الأرضية يسكنها بشر يتصفون بمظاهر لا تحصى من السمات و الخصائص و الأمزجة و الشخصيات و الأنا و المعتقدات و غيرها. و في الوقت ذاته تعتبر الأرض البيئة المادية التي يظهر فيها كل شيء على هيكليته المادية الملموسة بالنسبة إلى الحواسّ المادية الخمس، و بالتالي، فهي تتطلب تفاعلاً مادياً مباشراً.
و تبعاً للحاجات إلى أسباب الحياة المادية يخضع الجسد لتأثيرات و تجاذبات البيئة المحيطة، باعتبار أن العالم المادي هو مدرسة يجب أن ينتسب إليها الجميع كي يحصل على الدرجة الضرورية من الكمال كي يتخرّج و يتابع مسيرته التطورية باتجاه الفضاءات الحياتية الداخلية الأكثر بركة و مجداً، و هي الفضاءات التي تقع خارج نطاق العوالم الطيفية و التي تعتبر أسمى و أرقى درجة بما لا يُقاس من قدرة الإنسان الطينيّ على استيعابها و سبر أغوار كنهها.
و فقط عندما يصل المرء إلى هذا المستوى من الكمال و التنبيل، يمكن للتطور الحقّ أن يحصل لهذا المرء في درب عودته إلى الرب.
 
و سوف يحافظ كل منّا على امتداد حيواته كلها على شخصيته الفردية و على وعيه الكامل و كذلك على جميع الخصائص الأساسية للروح الخالدة كالذكاء على سبيل المثال، مع أنّ كل حياة مادية سوف تتمثل بشخصية جديدة، و بالتالي، على جسد طيفيّ جديد أو على نفس جديدة أو جسد أثيري جديد، و فقط هي الروح التي تبقى خالدة و غير عرضة للتغيير لأنها "خلقت على صورة الرب".
و من الممكن جداً أن يتقمّص المرء و يعود إما ذكراً أو أنثى بغضّ النّظر عن الجنس الذي كان عليه في الحياة المادية السابقة على الأرض.
 
فالتّقمّص ليس عملية عشوائية؛ فكل شخص سوف يستخدم إرادته الحرة في اختيار حياته التالية على الأرض بما يتناسب تماماً و الخيارات المتاحة أمامه كي يستوعب الدروس القيمة المطلوبة من أجل التقدم و التطور و الموازاة مع الكارما الخاصة به ، و بخاصة إذا تمت إضاعة إحدى الحيوات جزئياً أو كلياً كما يحصل في أغلب الأحيان و كانت هناك رغبة في تحقيق مزيد من التطور، فسيكون ضروريا عندها العودة إلى الأرض.
 
يعرف الجميع من خلال تجاربهم الشخصية كم يمكن للحياة أن تكون أحياناً ظالمة. يعتمد الوجود المادي أشياء مادية أساسية كالغذاء و المأوى و الدفء. و يتفاعل المرء أثناء كل واحدة من الحيوات مع آخرين لاستمرار الوجود المادي. و تضع الحياة مثل هذه العراقيل الأساسية و كثيرا غيرها أمام الناس؛ و على المرء أن يعي كل تلك العراقيل و أن يواجهها و يتغلّب عليها.
و في أثناء مواجهة الامتحانات و لسوء الطالع لا تعي قيمة تلك الدروس القيمة إلا قلة من الناس، أمّا الغالبية فتُرجِعُ هذه الدروس إلى ما تُطلق عليه إسم "المصادفة" أو "الحظ" أو "سوء الطالع"، أو أية تفسيرات أخرى.
و باعتبار أن كل الأحوال الحياتية تمثل دروساً قيمة، و لكي يتمّ حصول تقدّم، فإنه لا بدّ من الاعتراف بذلك. 
و قد يبقى بعض الناس مئات و ربما آلاف السنين بالمقياس الأرضي مع كل ما تتضمنه من تكرار لعمليات التقمص للوصول إلى مثل هذا الإدراك.
 
و كما أن النفس العليا للعديد من الأرواح المتجسّدة حالياً ضمن أجساد مادية عاشت حيوات مادية عديدة سابقاً على امتداد دهور من الزمن،، فإن العديد من الأنفس الأخرى قد ولدت اليوم للمرة الأولى على الأرض.
و عندما تكتمل دورة التقمص يوماً ما، فإن هذا الشخص، تماماً كنفسه العليا، سوف يتحول أيضاً إلى ما يعرف بإسم "شبه الإله" الذي يُساعد في عملية خلق الكون العظيم و اللانهائيّ.
هناك اعتقاد يقضي بأن من الممكن ألّا تقتصر عملية تقمص الأنفس العليا فقط على الأرض، بل يمكن أن يحدث مثل هذا التقمّص على شكل كائنات على كواكب أخرى في الكون، على شكل حياة ما، من بين العديد من أشكال الحياة الأخرى في هذا الكون. 
و بالتوازي يسود الاعتقاد بأن العديد من الأرواح التي يكون منشؤها كواكب بعيدة تتجسّد أيضاً على شكل البشر الذين يعيشون على الأرض و ذلك من أجل اكتساب خبرات معيّنة.
فالمعنى الشامل للتجسد في كافة أرجاء الكون يشير إلى التطور الفردي من أجل تسهيل التقدم باتجاه الفضاءات الداخلية للحياة و الحقيقة و التي تؤدي كلها في نهاية المطاف إلى الرب ذاته ، بغضّ النظر عن الكوكب الذي ولد عليه في الأساس.
 
عندما تكون الحياة المادية الحالية قد وصلت إلى نهايتها المحتومة و انتقلت من جديد إلى الفضاءات الداخلية للحياة ، يقوم الناس في الغالب بالترحيب بمنحهم فرصة جديدة للتواجد مرة أخرى على الأرض من أجل أن ينعموا و يَفيدوا إلى أقصى حدّ ممكن من العديد من الفرص القيمة التي تُوَفَّرُ لهم من أجل النماء و التطور الروحيين.
لكن هناك العديد من الناس الذين يفضّلون البقاء في العوالم الطيفية لآجال إضافية بمقاييس الزمن الأرضي، مفضّلين البقاء و التنعم بالسلام و الوئام و الحياة الخالية من التوتر مقارنة مع ما يحصل من أحداث في الحياة المادية على سطح الأرض. و مع ذلك و مهما طال الزمن بالمقاييس الأرضية فلا بدّ لكل نفس من دون استثناء أن تتبين الحاجة إلى التطور و التقدم و سوف تستخدم إرادتها الحرة الخاصة بها من أجل أن تتجسد على الأرض أو على أي كوكب آخر بقدر ما تعتبره ضرورياً من أجل تسهيل عملية التطور.
 
تتواجد كل من النفس و الروح الخالدة و النفس الأعلى في الفضاءات الداخلية للحياة خارج نطاق المكان و الزمان، و لذلك فهي تعرف يقيناً نوع الحياة التي تحتاجها ؛ و بالتالي، اختيارها بنفسها من أجل البدء بدورة حياة جديدة على الأرض بغرض التقدم.
سوف تختار النفس الأعلى الموقع الدقيق المناسب لها في العالم حيث تقرّر أن تولد و تتجسد فيه، و من سيكون الوالدان، و نوع الحياة التي سوف تعيشها، و حتى الظروف المحيطة بموتها المادي القادم.
و بينما يشكو العديد من الناس من "قسمتهم" في الحياة، فإنهم لا يعون أنهم هم من اختاروا في الواقع "قسمتهم" بأنفسهم و بإرادتهم الحرة؛ و سيستمرّ الناس من الشكوى حتّى يستوعبون كلّ هذه الحقائق. 
و أمّا من يتقبّل فكرة التقمص على أساس كونها حقيقة واقعة، فإنه سوف يطرح لا محالة جملة من الأسئلة.
أحد أكثر هذه الأسئلة شيوعاً هو "ما هي المدّة التي نقضيها في العوالم الداخلية قبل العودة إلى حياة مادية أخرى من جديد؟".
 
لا وجود للزمن خارج نطاق الواقع الزمني المادي الذي نطلق عليه إسم الأرض. إنه في الواقع غير موجود حتّى على الأرض ذاتها؛ فما هو سوى وهم، و لذلك فإن كل نفس أعلى سوف تخوض تجربة كل تجسد مادي بشكل متزامن في "مناطق زمنية" مختلفة.
و سوف تقرر النفس الأعلى طبيعة و ماهية و مكان و ظروف التجربة الجديدة الإضافية المطلوبة و تكون جاهزة للحقبة التالية من التطور في درب عودتها إلى المنبع، كما ستحدد كذلك من سيكون الوالدان. 
و بعد أن تتجسد النفس على الأرض فإن ذلك المظهر الجسدي سيفقد ذاكرته حول حيواته السابقة، و له مطلق الحرية في أن يعيش و يكتسب الخبرة اللازمة من حياته على الأرض.
و يتوقف نجاح هذه الشخصية في تحقيق هذه المهمة على ذلك التجسد و كيف تتفاعل معه و تتعلم منه.
العديد من حالات التجسد أصبحت لسوء الطالع غارقة في ما يُطلق عليه "التناقض الإنساني"، و ربّما لذلك لن يكون بمقدورها تحقيق الغايات التي تطلعت إليها النفس الأعلى، ما يفرض عليها تجسّداً آخر للحصول على هذه الخبرة. 
 
لقد أزيل مبدأ التقمص من تعاليم الكنيسة رسمياً منذ القرن السادس الميلادي في محاولة منها لبسط سيطرتها على رعيتها من خلال نشر ثقافة الخوف، إذ لا توجد حصانة لأيّ من رعيّتها تحميه من احتمال ولوجه "جهنّم" أو تعرّضه ل"لعنة الأبدية".
تتمتّع النفس الأعلى بالمعرفة التامة لكل ما يتعلق بالحيوات السابقة أو المستقبلية، دون الذاكرة الجسدية المادية؛ و لهذا فالنفس الأعلى دائماً ما تقوم بتقديم النّصح و الإرشاد و التوجيه لكل حالة تجسيد فردية، كلما دعت الحاجة. و لهذا فمن المهم التعرف على الاتصالات الواردة من النفس الأعلى و التصرف دائماً على ضوء هذه الاتصالات فوراً و من دون استثناء.
فالنفس الأعلى لها القدرة على التأثير في العقلين الباطن و الظاهر في آن ؛ و سوف تفعل ذلك كلما دعت الحاجة ، بما في ذلك خلال مرحلة التطور الروحي.
 
الروح الخالدة لا تهتم في المحصلة بالحيوات السابقة أو بالشخصيات، لأنها لا تمثل لها إلا حلقة اتصال واحدة بالنسبة إلى الروح الخالدة التي تتموضع خارج نطاق المكان و الزمان الماديين، و بالتالي فكل تلك الحيوات تمثل مظاهر مهمة للكلّيّة التي تشكّل كل فرد ..
و لذا فإن الأسّ الحقيقيّ للروح الخالدة يؤكّد على عمليّتي التّنبيل و الكمال، و بالتالي، التقدم باتجاه الدرب المقدسة التي تقودنا إلى خالقنا.
 
هناك دليل قاطع حول حقيقة التقمص. فقد خاض آلاف الأشخاص غمار ذكريات أو "ومضات" تتعلّق بحياة أو "حيوات" سابقة خلال خضوعهم لظروف معينة، كالأحلام على سبيل المثال، عندما واجهوا مواقف شكلت خطراً على حياتهم أو عبر النكوص إلى حياة سابقة. 
و الأشخاص الذين يفهمون ظاهرة التقمص غالباً ما ينتابهم الفضول لأسباب شخصية متنوعة من أجل اكتشاف مَن كانوا في الحيوات السابقة للنفس الأعلى و كيف و أين عاشوا و "ماتوا". و من يمتلكون موهبة التأمل بإمكانهم استحضار حالات مغايرة من الشعور و الوصول إلى معلومات حول ذلك بسهولة و يُسر، إما بشكل مباشر من خلال "السّجلّ الأكاشيّ" على سبيل المثال، أو من خلال رفع الشعور إلى مستوى الجسد السببي حيث تكون المعلومات المتعلقة بالحيوات السابقة مُخزّنة، كما يمكن طلب ذلك من أحد الكائنات الروحية التي تتواجد عادة في الممالك الطيفية من خلال استخدام الفكرة، فتصل المعلومات عن طريق الحدس أو عبر توارد الخواطر في شكل الانتشاء الهذياني؛ و يتمتّع الأطفال عادة بموهبة ممتازة في استحضار الحيوات السابقة، وذلك لأن الأطفال يكونون حتّى سنّ السابعة على اتصال مباشر مع الممالك الداخلية للحياة على مستوى الشعور الواعي الطبيعي و يتفاعلون مع أصدقائهم و كائنات أخرى في العوالم الطيفية خلال ممارستهم اللعب و التسلية.
و يطلب الأطفال أحياناً أخذهم برحلة إلى "منزلهم الآخر"؛ و هناك العديد من هذه الأمثلة التي يتذكر فيها الأطفال حيواتهم السابقة بتفصيلات دقيقة.
 
كما أن هناك العديد من الحالات الموثّقة عن النفس الأعلى التي تقمصت شخصية أخرى مباشرة بعد أن انتهت حياتها السابقة على الأرض، كما أن هناك أشخاصاً في بعض الحالات ما يزالون على قيد الحياة من زمن الحياة السابقة للطفل ذي الصلة، و هم يؤكدون تماماً دقة المعلومات التي يقدمها الطفل بشأن حياته السابقة.
هناك بحاثّة كرسوا جلّ سنيّ أعمارهم للبحث في ظاهرة التّقمّص و الحيوات السّابقة و من أشهرهم و أكثرهم احتراماً الدكتور إيان ستيفنسون Ian Stevenson، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
إن التقمص ليس من الممكن إثبات وجوده و حسب، بل لا بدّ من اعتماده كجزء لا يتجزأ من تطور الإنسان في رحلته المستمرة عائداً إلى خالقنا.
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية