حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البريطاني ( إدريان كوبر )ح7
2021.01.17
□ الحلقة السابعة ( 7 ) □
من عرض وتلخيص كتاب :
[ حقيقتنا المطلقة ]
[ الحياة و الكون و قدر الإنسان ]
● تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد )
{ يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
في ( 113 ) فصلاً
و مقدّمة و خاتمة
في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
الجزء الثاني
الحقائق الدّاخليّة
الفصل الحادي و الثلاثون
الانتحار
تعتبر عملية الانتحار الحالة الأكثر مأساوية ليس فقط بالنسبة إلى الأحبة المصدومين و المفجوعين بفقدان من يُحبّون، بل بالنسبة إلى الشخص الذي يجد نفسه مجبراً على وضع جدّ لحياته المادية أيضاً.
و عندما يقوم شخص بوضع حد لحياته خلافاً لما يكون مؤمناً به حينذاك ، فإنه لا يهرب من أي شيء على الإطلاق سوى من العالم المادي، فتضيع كل الفرص لحل المشكلات التي سعى للتخلص منها.
و لكن المشكلات الحقيقية الأصلية ترافق الشخص المنتحر إلى العالم الطيفي حيث ستبقى مخزّنة في الذاكرة و يتعيّن مواجهتها و الوصول إلى حلّ لها.
إن النفس التي تقرر وضع حدّ لحياتها المادية تفعل ذلك بإرادتها الحرّة بغض النظر عن الظروف المحيطة بها آنذاك.
غالباً ما يسبق الانتحار التركيز الطويل فيه ليظهر أمام صاحبه صورة حقيقية واقعة، اللهمّ إلّا إذا حدث نوع من التغيير في ذلك التركيز و الذي يمكن أن يحدث في أي وقت من قبل الشخص المعني نفسه و ليس من قبل أي شخص آخر غيره.
و على رغم أن أسباب الانتحار عديدة، فإنه من المُحزن أن نلاحظ ارتفاع وتيرته خلال العقود الأخيرة بسبب الحالة التي وصل إليها العالم و الإنسانية بشكل عام.
و عندما تفهم البشرية المعنى الحق و الغاية المثلى من كل حياة على سطح الأرض و لقدرها الحقيقي و قدر كل فرد فيها، عندها فقط يمكن أن تتوقف هذه الظواهر المأساوية كالانتحار عن الحدوث.
من المهم للعائلة و الأحبة أن يعرفوا أن الشعور بالأسى و الانفعال يمكن أن يكون له تأثير عارم على انتقال نفس المتوفى إلى العوالم الطيفية التي تعتبر موطنها الجديد؛ فكلّما كان الإحساس بالحزن و الأسى أكبر عند المفجوعين بفقدان ذلك الشخص من العائلة و الأحبة ازدادت صعوبة انتقال المتوفى إلى العوالم الطيفية التي تعتبر موطنها الجديد، حيث ستعرف النفس المنتقلة و ستتلقى التأثير الكامل لهذه الانفعالات فيعرف ما يفكر به أهله و أحبته و أقاربه، و ستلقي هذه الانفعالات بثقلها على نفس المتوفى، فتسبب له إحساساً كبيراً بالندم و الذنب تجاه من تركهم وراءه، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى بقاء النفس قريبة جداً من العالم المادي على هيئة "شبح" بدلاً من ارتقائها إلى العوالم الطيفية.
بالنسبة إلى المنتحرين فإنهم و على غير توقّعاتهم، فإنهم لن يهربوا إلى الأبد من هذا العالم كما يرجون. فإذا كانت مهمّتهم في الأرض لم تكن قد أنجزت بالكامل، فإن الدروس المكرسة لهذه الحياة لا تكون قد تمّ تعلّمها كما ينبغي، فيكون الحل الوحيد لهؤلاء هو العودة مرة أخرى إلى الأرض لإتمام مهمتهم التي لا بد من إنجازها ضمن عملية التطور المستدامة، قبل إنهاء أي ارتباط مستقبلي بالأرض، حيث لا مفرّ من تعلم هذه الدروس و تحمل المسؤوليات، من دون أن تتعرّض نفس المنتحر للندم الشديد على إضاعتها العديد من الفرص الثمينة، و لإخفاقها في تعلّم الدروس المطلوبة و الكارما التي أخفقت في إيجاد شكل من التوازن معها.
و على رغم أن الانتحار مأساوي بالنسبة إلى الآخرين، إلّا أنه ينبغي على أحبة المتوفي أن يشعروا بالسكينة بعد أن يعرفوا أن من فقدوه يعيش الآن بأمان كامل في العوالم الطيفية في حالة تأمّل بحياته السابقة ، و هو لا بد أن يتقدم إلى الأمام في معرض تطوره الشخصي المستدام.
و سوف يقوم الشخص المتوفى بزيارة أحبائه غالباً بالرغم من أنهم لن يروه أو يشعروا بوجوده بينهم، و سوف يقدم لهم يد المساعدة بواسطة الإلهام كلما سنحت له الفرصة القيام بذلك، كما سيقوم المتوفى أيضاً بزيارة أحبائه الذين تركهم على الأرض في أحلامهم.
و المهم هنا أن نعلم أنّه لا يوجد انفصال مطلق بين الناس الذين يعيشون في العالم الأرضي و بين أقرانهم الذين يعيشون في العوالم الداخلية، إلّا أنهم يتواجدون في أوضاع مختلفة من الكينونة ضمن مستويات متفاوتة من الذبذبات و الكثافة؛ و يوماً ما سوف يتوحد الجميع من جديد تحت مظلة الحب في الفضاءات الداخلية للحياة و للحقيقة.
الفصل الثاني و الثلاثون
الأجساد الداخلية
إضافة إلى الجسد المادي المألوف بالنسبة إلى الإنسان بطبيعة الحال، هناك أيضاً أعداد أكبر بكثير من الأجساد "اللطيفة" موجودة على مستويات أعلى من الذبذبة، و هذه الأجساد تتموضع عادة خارج مدى الأحاسيس التب تختزلها الحواسّ المادية الخمس. و هذه الأجساد اللطيفة ذات طبيعة لا حصر لها أو عدّ، و هي موجودة بأبعاد متعددة خارج حدود الزمان و المكان؛ و يمكن تعريف هذه الأجساد بصورة عامة كما يلي:
- الجسد الأثيري أو جسد الطاقة : و هو الجسد الأكثر كثافة بين الأجساد الداخلية اللطيفة، و هو الجسد الرئيسي الذي تتمّ سُكناه مباشرة بعد الموت المادي. و هذا الجسد المعروف بجسد الطاقة هو نظام بيو - طاقوي معقّد يحتوي على سبعة مراكز طاقوية رئيسية غالباً ما يُطلق عليها إسم "تشاكراس" Chakras. و هو يعمل كمحمول أو سطح بينيّ بين الجسد المادي و الأجساد الداخلية الطيفية و الذهنية، كونه المسؤول عن التوسّط بين الذبذبات المختلفة عن بعضها بعضاً اختلافاً كبيراً، و بين الأجساد الداخلية و الأجساد المادية، و هذه المسؤولية هي واحدة من المسؤوليات العديدة التي يضطلع بها.
الأهم من ذلك كله هو قيامه بتسهيل تدفق الطاقة الحيوية المغذية للحياة من الكون إلى الجسد المادي. و لا تتطلب الأجساد الطيفية و الداخلية مثل تلك السطوح البينية أو المحوّلات كونها تتمتع بالقدرة على استنشاق الطاقة الحيوية بصورة مباشرة.
و لذلك يعتبر جسد الطاقة في منتهى الأهمية بالنسبة لكل مظهر من مظاهر الصحة و الخير للجسد المادي.
و تنشأ معظم الأمراض أو الأوبئة التي تظهر أعراضها على الجسد المادي من الاختلال في التوازن داخل الجسد الأثيري أو جسد الطاقة.
- التشاكراس : توجد في داخل جسد الطاقة سلسلة من المراكز الطاقوية ذات الأهمية القصوى و التي تعرف في أغلب الأحيان بكلمة غامضة هي "تشاكراس". و كلمة "تشاكرا" هي كلمة ذات أصول سنسكريتية تعني "الدولاب" أو "القرص"، و هي تشير إلى أي واحد من المراكز الطاقوية ضمن جسد الطاقة، و التي يتصل كل واحد منها مباشرة بواحدة من الكتل العصبية المادية الرئيسية أو الغدة الموصولة بالعمود الفقري. و بالإضافة إلى ذلك تتصل التشاكراس بمستويات الشعور المتعددة و الربط الروحي و مراحل التطور في الحياة و الألوان و الأصوات و وظائف الجسد و الكثير من الأشياء الأخرى.
و فيما يلي ملخص عن كل واحدة من هذه التشاكرات المتوضعة في جسد الطاقة أو الجسد الأثيري بدءاً بأعلاها مرتبة، و المرتبطة بالجسد المادي :
* تشاكرا التاج : توجد هذه التشاكرا في محيط قمة الرأس، و هي متّصلة بالشعور باعتباره وعياً صرفاً و نقياً. و هي صلتنا الربانية بممالك الحقيقة الداخلية، أي بالمعرفة الكلية التي تتجاوز الزمان و المكان.
* تشاكرا الجبين : تتوضع بشكل مباشر بين الحاجبين، و يُرمز إليها عادة بعبارة "العين الثالثة". فهي مرتبطة بالقدرة على الرؤية بالبعدين المادي و الحدسي، خصوصاً و أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاستبصار أو "الرؤية الجلية".
و يستطيع المستبصر بطريقة بصرية من خلال "عين عقله" الإحساس بالممالك الداخلية للحقيقة خارج نطاق العالم المادي و خصوصاً العوالم الطيفية كما بإمكانه الإحساس بالأشياء في العالم المادي خارج نطاق ما يمكن أن تصل إليه الحواسّ المادية الطبيعية الخمس.
كانت هذه التشاكرا منذ آلاف السنين نامية عند جميع الناس ، ما ساعدهم آنذاك في التواصل التام مع الممالك الداخلية للحياة و الحقيقة و الوعي بها ؛ و فقدتها البشرية بالعموم عندما أصبح التركيز أكبر على العالم المادي الملموس و بدأ الإحساس بها يتلاشى بصورة مطردة إلى درجة تكاد تكون اليوم هذه التشاكرا غير مستعملة أبداً و غير معروفة.
* تشاكرا الحنجرة : و هي متوضعة في منطقة الحنجرة و هي على علاقة بالتواصل و الإبداع. ويمكن اختبار العالم بصورة رمزية من خلال تشاكرا الحنجرة بواسطة ذبذبات الصوت الذي يمثل اللغة ؛ و عليه فإنها أيضاً تشاكرا الاستماع إلى الممالك الداخلية بواسطة ذبذبات التواصل الأكثر لطافة.
و تتضمن القدرة على الوساطة المعروفة باسم "الصوت المباشر" بالتواصل المسموع الذي غالباً ما يكون مرتفع النبرة و الآتي من العوالم الطيفية مستخدماً الجبلّة الخارجية إضافة إلى تشاكرا الحنجرة كبوابة لإصدار "الأصوات الصادرة عن الروح" و التي يمكن سماعها بصورة حسية بنبرة عالية و واضحة من دون الاستعانة بأية معدّات خاصة.
* تشاكرا القلب : هذه هي الأقرب للوسط من بين كل التشاكرات الرئيسية، و الجزء الأدنى من المثلث العلوي للتشاكرا المرتبطة بصلات مع الممالك الداخلية. يُحيط هذا المثلث بكل من تشاكرا التاج و القلب.
يرمز تشاكرا القلب إلى الحب و يُسمى دامج الأضداد في النفس : العقل و الجسد ، و الذكر و الأنثى ، و الشخص و ظله ، و الأنا و الوَحدة.
تسمح تشاكرا القلب الصحيحة البنية للناس أن تقع في الحب العميق و غير المشروط و أن يشعروا بالتراحم في ما بينهم و الاستمتاع بالإحساس العميق بالسلام و الطمأنينة و الرضا و المركزية.
تعتبر تشاكرا القلب في جسد الطاقة مصدر الحب الحقيقي، و ليس من القلب المادي بشكله العضوي كما يظن معظم الناس.
* تشاكرا الضفيرة الشمسية : هذه التشاكرا التي يُطلق عليها غالباً إسم "تشاكرا القوة" متوضعة في منطقة الضفيرة الشمسية أو السّرّة. فهي تتحكم بالقوة و الإرادة و الاستقلالية الشخصية، إضافة إلى الاستقلاب، و هي مرتبطة أيضاً بالأثير المعروف بإسم "الأكاشا" في الثقافات الشرقية و هو متلقّ للحدس من العوالم الروحية و النفس الأعلى، و هو ما نسميه بالتواصل الداخلي أو الشعور النابع من الأعماق.
* تشاكرا العجيزة : تقع هذه التشاكرا حول منطقة الأضلاع و تمثّل العنصر المائي، و بالتالي فهي ذات صلة بالانفعالات و الرغبة الجنسية. فهي تربط بين الناس من خلال المشاعر و الأحاسيس و كذلك من خلال الرغبة و الإثارة و الرغبة الجنسية و الرغبة في التكاثر و التناسل.
* تشاكرا الجذر : تقع هذه التشاكرا في أسفل العمود الفقري، و هي تمثّل العنصر الترابي و هي مرتبطة بغريزة البقاء و بحس الجاذبية و الارتباط بالجسد المادي و بالعالم.
* الهالة : هذه هي حقل الطاقة التي يُنتجها جسد الطاقة أو الجسم الأثيري و يمكن أن يلاحظها الناس الذين لديهم القدرة على مثل هذه الرؤية الذهبية أو القدرة على الاستبصار.
تعتبر حقول الطاقة الذهبية في منتهى التعقيد و سائلة جداً كونها تتأثر ليس فقط بظاهرة الصحة و الحيوية، بل بمزاج الشخص المعني أيضاً ؛ فهي متغيرة بتغيّر المزاج الشخصيّ. و تعتبر الهالة مؤشراً في غاية الدقة على الحضور الروحي.
فالأشخاص المتطورون روحياً إلى درجة كبيرة يمكن تمييزهم فوراً من خلال هالة واضحة و نظيفة و ديناميكية، و أهم واحد من ملامح تلك الهالة يتمثّل في منطقة صفراء ذهبية اللون وساطعة و تمتدّ من تاج الرأس و مِن حوله. و يمكن لهذه الطاقة أن تكون كثيفة لدرجة أنها تُشاهد من قبل أناس حول رأس الشخص العالي الروحانية تؤدي إلى ما يُسمى "هالة القداسة"، كما ظهرت حول رأس المسيح.
و هكذا ؛ فبعد أن يموت "الجسد المادي" فإن المتوفى سوف يجد نفسه عادة و ليس دائماً في جسد أثيري طاقوي، و بعد ذلك و بعد أن يستنفد الجسد الأثيري كل مؤونته من الطاقة الأثيرية ، فإن الجسد الرئيسي سوف يتحول إلى جسد طيفي أكثر لطافة أو إلى نفس تحتوي كذلك على الجسد الذهني و الروحي الذي لا يتجزأ أو ينفصم.
و في الوقت المناسب و عندما يُشبِع الشخص رغباته في العوالم الطيفية، و هي عملية قد تختلف بشكل كبير مع مرور الوقت بين شخص و آخر، بحسب الكيفية التي كان الشخص يركز عليها خلال حياته على الأرض من النواحي المادية و الجسدية و درجة تمركزه حول ذاته، فإن الجسد الطيفي يبدأ ب"التلاشي" مُفسحاً المجال بصورة حصرية للجسد الذهني أو الروح الخالدة، أي المظهر البشري المخلوق على صورة الرب الحقيقية.
الفصل الثالث و الثلاثون
الجسد الطيفي ، النّفْس
بعد أن ينتقل الشخص من حياته المادية على الأرض و يُمضي بعض الوقت في الجسد الأثيري في موضع قريب جداً من العالم المادي، يبدأ بالتحضير للانتقال إلى العالم الطيفي كموطن ثان و مرحلة أولى لمستوى وجوده الحقيقي الذي هو أعظم و أكثر مصداقية. و لكي يتأهل الشخص للعيش في العوالم الطيفية ، فمن الضروري أن يتقمص جسداً طيفياً بنفس و مستوى و درجة الذبذبة و الكثافة في الممالك الطيفية الموازية، إلى أن يحدث إمّا تقمص في حياة مادية جديدة أو تقدم إلى الأمام باتجاه العوالم الروحية.
الجسد الطيفي المعروف أيضاً بإسم "النّفْس" معروف بإسم "جسد الرغبة"؛ ذلك أنه بعد أن يصل الشخص إلى العوالم الطيفية ، فإنه يبقى يفكر و يعبّر عن ذاته مستعملاً بالضبط نفس العبارات المادية التي كان يستعملها في حياته المادية عل الأرض حيث تظهر الرغبات الجسدية و المادية على السطح بفعل تحريض "الأنا" ، و كذلك بسبب نقص في إدراك الغاية الحقّة و القَدَر النهائي للوجود، أي المعنى الحقيقي للحياة ؛ و لهذا يكون الشبه في المظهر بين العوالم الطيفية و العالم المادي كونه من نتاج العقل البشري استناداً إلى ما تعوده الشخص خلال حياته المادية.
و هذا هو سبب إطلاق إسم "جسد الرغبة" على الجسد الطيفي الذي من خلاله تتحقق كافة رغبات الشخص المادية و أهمها الجشع. و من غير الممكن التقدم باتجاه العوالم الروحية الحقّة أو حتى التطور أثناء سلوك تلك الدرب إلّا بعد أن يتمّ إشباع كافة الرغبات المادية و التطهر منها بالكامل، و أن يكون الشخص المعني بعدها قادراً على رؤيتها على حقيقتها كأوهام.
ربّما تستغرق عملية الوعي هذه فترة قصيرة بالمقياس الزمني الأرضي المادي أو ربما مئات أو آلاف السنين، بحسب درجة المادية و الأنانية و التمركز حول الذات التي كان يشعر بها الشخص المعني عندما كان ما يزال على قيد الحياة على الأرض و كيف يختار أن يلبّي تلك النزوات في العالم الطيفي.
لكل شخص جسده الطيفي المميز و المتكون من الذبذبات و الطاقة ؛ و سوف ينعكس التوازن بين مجموعة عناصر شخصية الفرد و الأنا الخاصة به و مزاجه و معتقداته و عوامل أخرى، على طبيعة شكل الجسد الطيفي و بصمته الطاقوية المميزة.
و كما أن السائل الذي يربط بين الجسد الطيفي و النفس و الجسد المادي، هو النسيج الطيفي، فإن الجسد الذهني، أي الروح الخالدة، موصول بالجسد الطيفي من خلال النسيج الذهني؛ و تتمّ كافة أشكال الاتصال و التواصل بين الأفكار الواردة من السطوح الداخلية للحياة عبر النسيج الذهني.
و لأن الحواسّ الخمس تتقاطع مع العناصر الكونية الأربعة كخاصيّات كونية و ليس كخاصيّات ماديّة، و إذ يكون للحواسّ الخمس صبغة وسيطة عبر الجسد الطيفيّ؛ فإنّه يتلقى الجسد الطيفي، عندما يكون في العالم المادي، مرئيّات بصورة مباشرة من خلال الحواسّ الماديّة المتوضّعة في الجسد المادي عن طريق عملية التّوسّط التي يقوم بها النسيج الطيفيّ.
و في المحصلة يمكن القول إن الموضع الذي تقبع فيه الحواس الخمس و التي نتعامل مع "الحقيقة" من خلالها، ما هو إلّا الجسد الطيفيّ عن طريق عملية التّوسّط التي يقوم بها النسيج الذهني.
تتحدّد السمات الفريدة المميزة للجسد الطيفي أو النفس من خلال تكوّن و ذبذبات السوائل المغناطيسية و الكهربائية، و كذلك من خلال العناصر الموجودة في داخل حقل الطاقة الذي يشكل الجسد الطيفي.
السوائل المغناطيسية و الكهربائية ليست سوائل بالمعنى المادي للكلمة، بل هي التمثيل الكوني لها نظراً إلى أنها مظاهر للطاقة ذات السمات المحدَّدة. و عليه تُبنى شخصية المرء بموجب قانون التوازن بين السوائل المغناطيسية و الكهربائية، و بموجب التوازن أو التوازي بين هذه العناصر أيضاً.
و التساوي بين هذه العناصر له أهميّة خاصة ضمن سياق التقدم المستدام. و هناك سمات منسوبة إلى كل واحد من هذه العناصر المكوِّنة للجسد الطيفيّ أو النفس، و التي تظهر بالتالي في الجسد المادي على شكل خاصيات متماثلة مكوِّنة للشخصية و سمات الشخص؛ و هي على النحو التالي :
* عنصر النار : هذا العنصر مسؤول عن المزاج الغاضب الذي يتجلى في الاستقطاب الإيجابي أو السلبي، في حالات مثل النشاط و الحماسة و اللهفة و التصميم و الشجاعة و الجرأة و الإبداع.
يمكن لعنصر النار أن يتضمن كذلك مظاهر ذات صلة بالسمات السلبية التالية : الشّرهُ و الغيرة و الشغف و العصبية و حب الجدل و غياب الاعتدال و العديد من الصفات السلبية الأخرى.
* عنصر الهواء : هذا العنصر مسؤول عن المزاج المتفائل الذي يتجلى في داخل الشخص، و يتميز بسمات تتضمن المظهر الإيجابي أو النّشط للهواء الذي يؤدي إلى الاجتهاد و السعادة و رقة القلب و اللطف و التحرّر من القلق و خفة الظلّ و التفاؤل و الحيوية و الاستقلالية و دقة الملاحظة و الشعور بالثقة و العديد من السمات الإيجابية الأخرى.
أما المظهر السلبي لعنصر الهواء فيتضمن سمات و خصائص مثل سهولة الإحساس بالإساءة و النفور و الثرثرة و انعدام القدرة على اتخاذ القرار و الدّهاء و عدم التوقف عن الكلام و عدم الصدق و التقلّب.
* عنصر الماء : يقود هذا العنصر إلى المزاج الحزين. أما الصفات الشخصية الإيجابية و النشطة لعنصر الماء فتضمن الاحترام و الرحمة و التواضع و الجدية و الحماسة و الحميمية و التفهّم و التوسّط و المسامحة و الرقة و العديد من السمات الإيجابية الأخرى.
يمكن لعنصر الماء أن يتجلى في النفس من خلال سمات سلبية مثل اللامبالاة و الخجل و عدم الاهتمام، و رفض الحلول الوسط و الخمول، بالإضافة إلى العديد من الأمور السلبية الأخرى.
* عنصر التربة : هذا العنصر مسؤول عن المزاج البارد عند البشر. تؤدي التربة في تجلياتها الإيجابية و النشطة إلى ظهور سمات منها الاحترام و الصبر و الاحتراس و التصميم و الجدية و الثبات على المواقف و المراقبة الضميرية و العمق في التفكير و الدقة في المواعيد و التحفّظ و الإحساس بالمسؤولية و الحذر و الإيمان بمنطق الغاية.
أما المظاهر السلبية لهذا العنصر فتتضمن السطحية و اللامبالاة و النفور و عدم الاهتمام و غياب الحس بالمسؤولية و التقريع و التأخّر عن المواعيد و الإغراق في التفكير و الخمول و انعدام الثقة.
إن ما يحدد السمات الرئيسية الإجمالية لمزاج المرء و شخصيته عندما يكون على قيد الحياة سواء في العالم المادي أو في العالم الطيفي، هو التوازن بين العناصر، و ما تقوم به السوائل الكهربائية و المغناطيسية داخل الجسم الطيفي أو داخل النفس.
و النفس هي المكان الذي تتموضع فيه الشخصية؛ و بالتالي، تتحكّم فيه طيلة بقائها حية في العالمين المادي و الطيفي.
و من هنا نجد أن عامة الناس ذات شخصيات و أمزجة عديدة و متنوعة إلى أن يحين الوقت الذي يتعلمون فيه كيف يروضون " الأنا " الخاصة بكل واحد منهم ، و يوازنون بين العناصر و السوائل ؛ و هي عملية ذات أهمية قصوى من أجل تنبيل النفس و حث الخطى من أجل إحراز التقدم المستدام و التطور الفردي عند كل شخص.
الفصل الرابع و الثلاثون
الجسد الذهني ، الروح الخالدة
الجسد الذهني أو الروح الخالدة هو واحد من المظاهر البشرية التي "صنعت على صورة الرب".
و تعتبر الأجساد المادية و الأثيرية و الطيفية معاطف خارجية عابرة أو قواقع لجسد الروح.
الجسد الذهني أو الروح الخالدة، شأنه في ذلك شأن الجسد الطيفي ، هو تحت التأثير المباشر للعناصر الأربعة التي هبطت من الأثير أو الأكاشا.
عنصر النار هو المظهر الناري الملتهب و هو مسؤول عن الإرادة.
و عنصر الهواء مسؤول عن الفكر.
و يؤشّر عنصر الماء بالنسبة للبشر إلى الحياة و المشاعر.
أمّا عنصر التربة فيتمثّل بالاتحاد بين عناصر النار و الهواء و الماء، و بالتالي، فهو مسؤول عن الشعور ب"الأنا" الفردية عند البشر.
يتبدى المظهر الأعلى ل"الأنا" الخالدة، أو مبدأ الأثير أو الأكاشا عند الإنسان على صورة الاعتقاد بأعلى مظاهره، و يدل كذلك على الذات في أدنى تجلياتها.
تشكل إذاً العناصر الأربعة إضافة إلى مبدأ الأكاشا، "الأنا" الفردية ، أي الفردانية، أو الروح الخالدة "المصنوعة على هيئة الرب الحقّة".
أما فيما يخصّ العناصر الأربعة، فيمكن أن نضيف إليها أن عنصر النار مسؤول عن الطاقة و القوة و العاطفة..
و عنصر الهواء مسؤول عن الذاكرة و عن القدرة على إطلاق الأحكام و تمييز الأشياء ..
و عنصر الماء مسؤول عن الضمير و الحدس ..
و عنصر التربة مسؤول عن الأنا و الغرائز من أجل التكاثر و المحافظة على الذات.
و في الوقت الذي يكمل فيه الجسد الطيفي تشكيل الرابط الخاص به، فإن النسيج الطيفي بالتعاون مع الجسد المادي، و من خلال السوائل الكهرومغناطيسية للسطوح الطيفية، و أيضاً بمساعدة من المُفترِس الطيفي للعالم الخارجي Out-World Devourer و الذي يُرمز إليه بالحرفين OD، فإن الجسد الذهني بدوره يتصل بالجسد الطيفي بواسطة النسيج الذهني المتشكل من السوائل الكهرومغناطيسية للسطوح الذهنية.
النسيج الذهني هو أكثر أشكال الأثير أو الأكاشا لطافة، و هو الذي يقوم بتنظيم نشاطات الروح داخل الجسد الطيفي و المحافظة عليها. فهو يمثّل الخواصّ الكهرومغناطيسية للنسيج الذهني المسؤول عن نقل الأفكار و الشعور إلى الروح الخالدة من السطوح الذهنية.
السطوح الذهنية هي فضاءات الأفكار و مصادرها. يبدأ مشروع الفكرة بالتشكّل في السطوح الذهنية، ثم يتطور إلى "شكل فكرة"، و هذا بدوره ينتقل أولاً عبر النسيج الذهني و من ثمّ عبر النسيج الطيفي حيث يتمّ تلقيه من قبل العقل الظاهر على شكل فكرة تظهر و كأنها صادرة عن العقل.
بالتالي، يمكن تبيّن أن كافة الأفكار، و بعكس كل الآراء التي طلع بها علينا العلم، تصدر عن أعلى مظاهر السطوح الذهنية، و ليس من داخل الدماغ العضوي كما هو شائع بين أوساط الناس .
و على نفس المنوال، و كما ذكرنا سابقاً، يتمّ تخزين الذكريات في الجسد الذهني السببي، و هو أحد مظاهر الروح الخالدة، و المتوضّع داخل نطاق الفضاء السببي للكون و الأثير و الأكاشا.
فالدماغ العضوي ليس موطن الشعور كونه وسيطاً أو سطحاً بينياً أو مصفاة بين الأجساد الداخلية و السطوح التي تتواجد عليها من جهة، و بين الجسد المادي، من جهة أخرى.
هذا هو أحد الأسباب التي تجعل الإسقاط الطيفي و الذهني ممكناً ، كما سنرى في مرحلة لاحقة من هذا الكتاب.
و من الواضح أن الدماغ العضوي عند الإنسان في الحياة المادية ليس هو المصدر الذي تنبع منه أفكاره، تماماً كما أن الدماغ العضوي ليس هو العقل.
يمكن تشبيه البشر ب"المحطة المتلقّية"؛ فهم يتلقون الأفكار من عالم الأفكار المنبثقة من السطوح الذهنية عبر النسيج الذهني، و كذلك عبر النسيج الطيفي وصولاً إلى الدماغ العضوي.
إن كل ما يعتقد الناس أنه من نتاج ذكائهم، أو إبداعاتهم، مُستلّ في حقيقة الأمر من عالم الأفكار في السطوح الذهنية ، حيث يتموضع هذا العالم منذ الأزل خارج نطاق الزمان و المكان داخل نطاق "الآن الأبدية".
و من ناحية الأفكار أنواع المتلقّاة فهي بحسب اهتمام و انشغال كل شخص و حسب نوع الفرع الشاغل من علوم المعرفة و كذلك بحسب عناصرها، إذ توجد من الناحية الرمزية الأفكار النارية الملتهبة و الأفكار الهوائية و الأفكار المائية و الأفكار الترابية، كما يمكن للأفكار أن تحتوي على خليط من أكثر من عنصر، و بالتالي يمكن أن تكون تلك الأفكار في خواصها تحتوي على عناصر كهربائية أو مغناطيسية أو كهرومغناطيسية؛ و هذا علاوة على أن كل الأفكار طاقة صرفة.
على رغم أن الجسد الذهني أو الروح أو "الأنا" الخالدة هو ذلك المظهر البشري الذي خلق على صورة الرب الحقة، فإن الصورة الحقّة للرب هي خارج مفهوم الشكل و تمتاز بالألوهية و اللانهائية ؛ و تستمرّ الروح الخالدة في المحصلة و بعد تحرير ذاتها من كل ما هو مادي و أناني في عالم المادة، و كذلك من رغبات العوالم الطيفية، في الارتقاء سيراً على الدرب المقدسة باتجاه خالقنا الرباني أو المنبع، أي الرب.
فبعد الارتقاء إلى ما بعد دوائر التقمص تتابع الروح الخالدة رحلتها السامية إلى دواخل الكون باتجاه المنبع أو العلة الأولى، أي الرب، عبر السطوح الذهنية الخارجية مروراً بالوسطى و انتهاء بالسطوح الذهنية الداخلية، و ذلك من خلال السطوح السماوية ؛ و منها إلى السطوح الكونية ، حيث تتحقّق في نهاية المطاف فرصتها الأكثر قداسة : ألا و هي التوحد مع الرب ، خالقنا الأعظم.
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان