حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البريطاني (إدريان كوبر)ح9
□ الحلقة التاسعة ( 9 ) □
من عرض وتلخيص كتاب :
[ حقيقتنا المطلقة ]
[ الحياة و الكون و قدر الإنسان ]
● تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد )
{ يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
في ( 113 ) فصلاً
و مقدّمة و خاتمة
في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
الجزء الثاني
الحقائق الدّاخليّة
الفصل التاسع و الثلاثون
العوالم الطيفية
تُمثّل "العوالم الطيفيّة" البعد الخامس، آخذين بعين الاعتبار أن طول العالم المادي و عرضة و ارتفاعه تمثّل الأبعاد الثلاثة الأولى، و أن الزمن هو يمثّل البعد الرابع. إن كل ما هو موجود في الأرض في عالم المادة لا بدّ و أن يكون موجوداً قبلاً في "العالَم الطيفي".
و هذا هو المبدأ الأساس الذي يُبنى عليه كلّ أشكال الخلق في العالم المادي. فالسطوح الطيفية انعكاس لكل شيء حدث قبلاً في العالم المادي، أو يحدث الآن، أو سيحدث في المستقبل، و ذلك استناداً إلى قانون التواصل الكوني القائل "إن ما هو فوق، هو نفس ما هو تحت، و إن ما هو تحت، هو نفس ما هو فوق".
العوالم الطيفية هي أيضاً فضاء الذبذبات الذي هو أصل الضوء و الصوت و الألوان و الإيقاع، و بالتالي، كل الحياة و كل شيء تمّ خلقه، أو سيتمّ خلقه مستقبلاً.
لا يمكن لشيء أن يظهر في عالم الوجود من دون أن ينبثق أولاً من العوالم الطيفية. العوالم الطيفية هي بالتالي، الفيض الذي ينبثق منه ما هو أبدي: أي ما ليس له بداية أو نهاية؛ فهي بالتالي لا متناهية، و تتواجد خارج حدود نطاق الزمان و المكان، و تتواجد خارج نطاق الزمن و خارج نطاق الفضاءات كلها.
كافة التقاليد السرية و الغامضة و المنظمات المعنية بممارسة الروحانيات، تعتبر العوالم الطيفية بمثابة "البعد الرابع"، أي "الما وراء"، أو ما يُطلق عليه أحياناً فترة "ما بعد الحياة".
في وسط العوالم الطيفية، و على مستوى الذبذبات حيث يجد معظم الناس المحترمين أنفسهم حالياً بعد موتهم المادي، فإن الوضع هناك يتّسم بالسلام و الأمان و السكينة و الهدوء، و ربما بما يتناقض مع حياتهم المادية على الأرض.
"العوالم الداخلية" للسطوح الذهنية و الطيفية، أو العوالم الروحية، هي ذات صلة بالعالم المادي، كما هي الصلة بين البشرة و ما تحتها من أنواع النُّسُج؛ و الكون المادي هو بالفعل "نور متجمّد".
فالجسد البشري الخفيف و اللطيف، أي العالم الأصغر، هو أيضاً جسد داخلي. فالجسد البشري المادي، كما هي الحال بالنسبة للكون بمجمله، هو القوقعة الخارجية؛ كما أن كل جسد تالٍ، أي الأجساد الأثيرية و الطيفية و الذهنية هي أجساد داخلية أكثر لطافة و رقة و دقة، و هي تتواجد على مستويات من الذبذبات الأكثر تقدّماً و الأقلّ كثافة، كونها تتوازى مع مستوى السلسلة الكونية المتصلة؛ أي مع مستوى الفضاء أو العالم أو السطح، أو البعد الذي توجد فيه تلك الأجساد.
لهذا فالتأمّل، و الأنظمة الأخرى المشابهة، هي نوع من "الاستقصاء الداخلي".
الفصل الأربعون
السطوح الطيفية الأدنى
يمكن أن نعتبر السطوح الطيفية الأدنى "جحيماً" استناداً إلى مفهومي "الجنة" و "الجحيم" في الأديان.
السطوح الطيفية الأدنى ليست في الواقع "العالم التحتي"، كما في مفهوم "عالم تحت الأرض"، بل هي المستويات الأدنى من الذبذبات في العالم الطيفي على الإطلاق. هذه المستويات هي مستويات "داخلية" مرتبطة بالسلسلة الكونية المتّصلة، و ليس بعالم المادة.
يعيش في مستويات السطوح الطيفية الأكثر دنوّاً أشخاص كانت حيواتهم السابقة في عالم المادة تتّسم بسلوكيات "شريرة".
ذلك أن الشخص يهاجر بعد الموت إلى السطح المناسب حيث ينجذب كل شخص إلى نظيره المتناسب معه في الذبذبات و المعتقدات و الخصائص الأخرى التي يتّسم بها الجسد الطيفي.
تعكس هذه العوالم الطيفية الأدنى بشكل كامل شخصية و مستوى الذبذبة عند المقيمين فيها بموجب قانون التواصل الكوني، و ستكون، بالتالي، مظلمة و رطبة و باردة و ضبابية و ذات بيئة قمعية مليئة بالمستنقعات و الأراضي اليباب المجردة من كافة أنواع الجمال.
تبدو هذه العوالم الظلامية أشبه ما تكون ب"المطهرة" بالنسبة إلى أولئك الأشخاص، لكنها في الحقيقة شكل من أشكال الجحيم الذي خلقوه بأنفسهم لأنفسهم، و هي بمثابة انعكاس لذبذباتهم و شخصياتهم و حيواتهم الظلامية التي عاشوها سابقاً على الأرض.
و لكنْ و على عكس ما تطرحه المعتقدات الدينية، لا أحد من هؤلاء الأشخاص يبقى إلى الأبد في "جحيم" العوالم الطيفية الظلامية.
يبقى أولئك هناك حتى يصلوا في نهاية المطاف إلى استيعاب المغزى من حيواتهم السابقة و تأثيراتها السلبية عليهم و على الآخرين من حولهم، و بالتالي التأثير الذي تُحدثه على أوضاعهم الحالية، إلى أن يكونوا جاهزين للقيام بما هو ضروري من أجل أن يُحدثوا نقلة نوعية في حياتهم إلى الأمام، بما في ذلك اختيارهم العيش في حياتهم المقبلة على الأرض بصفة ضحايا، ليختبروا نفس درجة الألم الذي تسببوا به لضحاياهم أثناء حياتهم السابقة على الأرض.
و لو نجح أولئك في حياتهم الجسدية التالية على الأرض في أن يكونوا محترمين، فسيكون بإمكانهم التقدم باتجاه مستوى أكثر بريقاً و تناغماً في العوالم الطيفية حيث سيكون بإمكانهم البدء في تعلّم الدروس التالية التي تسمح لهم بالتقدم أكثر فأكثر في رحاب المستويات الداخلية.
و بغضّ النّظر عن حقيقة أنّ الشّعلة الربانية تبدو خافتة جداً في تلك العوالم الطيفية المظلمة، فإن تلك الشعلة ستغدو برّاقة أكثر في نهاية المطاف كلما حدث تقدم إيجابي، حتى لو استغرق مثل هذا الأمر من التقدم دهوراً بمعايير الزمن الأرضي المادي؛ لأن لكل فرد من بني الإنسان الحق في استعمال إرادته الحرة، ليكون بإمكان حتى أكثر الناس الذين استوطنوا هذه الأرض سوءاً ، أن يَفيدوا من فرصة التقدم باتجاه العوالم الطيفية الداخلية و ما بعدها في درب عودته إلى الرب؛ و هذا هو القدر المطلق للجنس البشري بأكمله.
االفصل الحادي و الأربعون
أرضيات نُظُم الاعتقاد
نظراً لأن الناس منغمسون على نطاق واسع في "أديان" أو "نُظُم اعتقاد" مختلفة، فإنّ من المحتّم علينا مناقشة احتمالات ما سيحدث لمثل هؤلاء الناس بعد انتقالهم من الحياة المادية على الأرض.
يعتمد مستوى العوالم الطيفية الذي سيجد المرء نفسه فيه بعد عملية الانتقال من الحياة المادية، كثيراً على العديد من العوامل السائدة عند حلول لحظة الموت الجسدي. و كما سبقت لنا الملاحظة، فإن إثنتين من أهم المؤثّرات هي مستوى الإنجاز الروحي و الشخصية الكلية للفرد، و خصوصاً خلال السنوات القليلة التي سبقت عملية الانتقال مباشرة. و أما العوامل ذات الصلة الشخصية، فتتضمن الأنا و الموقف العام من الآخرين و الموقف من الأشياء المادية و درجة الأنانية أو الإيثارية و الرغبة في أن يكون المرء في خدمة الآخرين، إضافة إلى العديد من الصفات الفردية الأخرى. و هذه السمات الشخصية تؤثر في بدورها في توازن الجسد الطيفي، و الأهم من ذلك كله هو التأثير في وضعه و مستوى الذبذبات و الكثافة لديه، و هو ما يحدد المستوى الأعلى للعوالم الطيفية التي يمكن للمرء أن يتواجد فيها مبدئياً بعد الانتقال الذي يعقب الموت الجسدي.
معظم الناس المحترمين العاديين من الذين لا يتمتعون بمستوى أعلى من الإنجاز الروحي و ممّن هم غير متشبّثين بقوة بمعتقدات ما، سوف يصلون إلى وسط العوالم الطيفية التي تشبه إلى حد بعيد نظام الحياة الأرضية التي غادروها؛ ذلك لأن العوالم الطيفية هي "عوالم ذهنية" حيث أن كلاً من العقل و الأفكار و المخيلة تتحكم إلى حد كبير بالطريقة التي تحسّ و تختبر بواسطتها كل شيء.
هناك مستويات متعددة من العوالم الطيفية المتوضعة بين "الجحيم" مثل السطوح الطيفية الأكثر دنوّاً و بين السطوح الطيفية الوسطى الأكثر سكينة و انسجاماً؛ تلك السطوح الأدنى غالباً ما كان يُطلق عليها وصف "أرضيات نُظُم الاعتقاد". و بالرغم من أن هذه "الأرضيات" لا تحتوي على ما يُشبه "الجحيم" في السطوح الطيفية الأكثر دنوّاً فإنها تبدو مع ذلك و كأنها تشبه "الجحيم" للأشخاص الذين ينتقلون إلى تلك الأرضيات بعد موتهم الجسدي، و يقعون في مصيدة طاقة ذلك المستوى من الذبذبات.
سوف يبدأ قاطنوا أرضيات نُظُم الاعتقاد عاجلاً أم آجلاً رؤية حقيقة أوضاعهم بشكل لا يقبل التأويل، و سيرغبون في نهاية الأمر بالهروب من البيئة التي وقعوا في مصيدتها بغية إحراز تقدم إلى الأمام. و بحسب قانون الإرادة الحرة فإنه لا يستطيع أي شخص يقطن في المستوى الداخلي للعوالم الطيفية تقديم أي مساعدة لشخص آخر في المستوى الأدنى ما لم يقم ذلك الشخص بطلب المساعدة بنفسه سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حيث ترسل تلك الرغبات و الطلبات عن طريق توارد الأفكار.
و هكذا يجب أن يكون الهدف طيلة الحياة المادية التّمتّع بوعي روحاني كامل، و أن يحيى المرء حياته المادية بناء على ذلك الأساس فيبقى منفتحاً على الفضاءات الداخلية للحقيقة دائماً بانتظار الموت المادي، بدلاً من أن يقع المرء في "مصيدة المعتقد".
االفصل الثاني و الأربعون
المستوى الأدنى للكيانات الطيفية
هناك مجموعات كبيرة من الكائنات المتنوعة، منتشرة على نطاق واسع تعيش في العوالم الطيفية، إضافة إلى البشر و أنواع أخرى من الحياة الكونية. تبدي هذه الكائنات طيفاً واسعاً من معدلات و مظاهر الذكاء و السمات و الأهداف التي تتساوق مع أوضاعهم ضمن منظومة الأشياء، و غالباً ما توجد بصفتها مكونات من عناصر النار و الماء و الهواء و التربة.
أحد أكثر الكائنات الطيفية الأساسية ذات العنصر الواحد معروف باسم "العناصري". يمكن خلق هذا العناصري شعورياً على السطوح الطيفية من قبل شخص يعيش في العالم المادي و يمتلك الخبرة في هذه المسائل، حيث يمكن أين يُزوّد هذا المخلوق بمستوى معين من الذكاء و القدرات من أجل تنفيذ المهامّ المحددة الموكلة إليه على السطوح الطيفية لصالح صانعه، كأن تكون الغاية منه الدفاع عن النفس. و عندما لا يتمّ التحكم بهذا العناصري بضوابط ضرورية فإنه يمكن أن يُلحق الأذى بالآخرين.
يمكن تحصين هذه العناصريات ضد الذبذبات الصادرة عن البشر، و هي تتمتع عادة بدورة حياة لا متناهية، يمكن أن تقرر مداها من قبل خالقها الذي يقوم عادة "ببرمجة" العنصر كي "يحلّ" ذاته؛ و يحدث هذا عادة إمّا بعد فترة زمنية معينة، أو من خلال أمر صادر عن توارد خواطر. من الممكن جداً، و هو ما يحدث في غالب الأحيان، أن يقوم الناس بخلق عناصرياتهم الخاصة بهم من دون أن يعرفوا أنهم قاموا بذلك، و ذلك كما في حالة أن يفكر شخص أو تستحوذ عليه فكرة ما حول مسألة محددة، بصورة ملحة على امتداد فترة من الزمن، حيث تتبلور الأفكار على شكل فكرة مرنة مثل اليرقة أو أي كائن عنصري تمّ خلقه على مستوى تلك الفكرة على السطوح الطيفية. و هناك شكل آخر من الكائنات الطيفية الأساسية باسم "الشبح"؛ و هو ما يخلق عندما يحصر شخص أو مجموعة من الأشخاص تفكيرهم بشخص توفّي مؤخراً، و تسببت وفاته بكثير من الحزن و الأسى، و بالتالي، يكون حاضراً بقوة في أذهان من كانوا حوله. و هناك صنف آخر من الكائنات الطيفية البدائية يعرف باسم "اليرقات"، و هي تظهر إلى الوجود على أدنى السطوح الطيفية على الإطلاق، عن طريق أفكار البشر الانفعالية المكثّفة و المتكرّرة. ستأخذ هذه اليرقات على عاتقها حماية نفسها من الذبذبات و الانفعالات الصادرة عن البشر، و ستبحث عادة عن أناس تصدر عنهم مستويات عليا من العواطف الحادة، أو الانفعالات الشديدة التي تقتات تلك اليرقات عليها. يمكن اعتبار اليرقان إذاً نوعاً من "الطفيليات الطيفية". الهجمات التي يمكن أن تقوم بها هذه اليرقات الطيفية شائعة جداً و هي التي يتمّ تشخيصها عادة في عالم المادة لسوء الحظ باعتبارها مشكلة نفسية تتمّ معالجتها بواسطة استخدام الأدوية و بعض المعالجات السلوكية الأخرى، و هي لا تؤدي إلى علاج المشكلة لالتصاق اليرقات بالسطوح الطيفية الأدنى؛ و يكون حلّ مثل تلك المشاكل بحرمان اليرقات من قوتها و اقتياتها على الانفعالات و العواطف التي تغذيها. و طبيعي أن ذلك لا يحصل إلّا عندما يعترف الطبّ النفسي و علم النفس بهذه المسببات و طرق علاجها، و كذلك بالأنواع الأخرى العديدة من النوبات ذات المنشأ النفسي.
هناك أيضاً صنف آخر عريض من و"الحياة الطيفية الأدنى"، و الذي يمكن اعتباره أعلى من الصنف العناصري، و يعرف باسم "المخطِّط"، و مثاله ما يُعرف ب"الروح الشريرة" Incubus و "الشيطانة" Succubus و التي تعرف خطأ بأنها شياطين. تقتات كل من الروح الشريرة و الشيطانة على الطاقة الجنسية و كذلك على العواطف و الانفعالات و الذبذبات المرتبطة بهذا النوع من الطاقة. و تنحصر مهمة هذه الكائنات في تأجيج ردود فعل جنسية قوية عند ضحاياها من خلال استثارة الغرائز الجنسية القوية لديها؛ و كلما ازدادت متعة الضحية و ازداد ترحيبها و تشجيعها لهذا النوع من الاستثارة الجنسية، و ازداد شبقها إلى طلب المزيد منها، ازدادت كل من الروح الشريرة و الشيطانة قوة، إضافة إلى اشتداد التصاقها بمضيفها البشري.
بالعموم، هناك طيف واسع من الكائنات و الكيانات متوضّعة في الممالك الطيفية الأدنى، بعضها مؤذٍ و العديد منها ليست كذلك؛ و على الجميع الحذر منها و أن يكونوا واعين لوجودها بسبب احتمال حدوث هجمات نفسية و تأثيرات سلبية أخرى غير مرحّب بها.
الفصل الثالث و الأربعون
العوالم الطيفية الوسطى
بعد أن تكتمل دائرة رحلة معظم الناس المحترمين في الحياة المادية، فإنهم سينتقلون إلى مباشرو إلى العوالم أو "السطوح" الطيفية الوسطى التي تتّسم بالنظافة و النقاء و حسن الانتظام و الانسجام الكامل و السكينة، بعد التجارب المرّة و الخضّات التي تَصِمُ الحياة المادية في العالم الأرضي المادي. البحيرات و الأنهار و الغابات و العديد من البيئات المُبهجة و الآمنة و المريحة متوفرة جميعها و تحت تصرف قاطني العوالم الطيفية الوسطى. و هذه العوالم تشبه إلى حد بعيد في العديد من مظاهرها المظاهر الباعثة على الحبور في العالم المادي كونها صُنعَتْ من قبل أناس استناداً إلى معايير فهمهم لما يجب أن يكون عليه بالصورة العالم المثالي كما خبروها في العالم المادي من خلال تركيز هؤلاء على ما يعتقدون أنها الصورة التي يجب أن تكون عليها؛ حيث ما يزال الناس في هذه المرحلة يركّزون على الماديّات إلى حد كبير، و ذلك في التعويض عمّا فاتهم في العالم المادي هنا، حيث فاتهم أن يستطيعوا تملّك هذه الصورة في العالم المادي؛ و من هنا يُعرف هذا المستوى من الكون من قبل معظم الناس ب"عالم الرغبات".
مبادئ التواصل و السبب و النتيجة موجودة بشكل لا يرقى إليه الشكّ في العوالم الطيفية ضمن مقولة "الشبيه يجذب شبيهه"، و يعتبر هذا نتيجة مباشرة و فورية لأي فعل. إن كل شيء يُخلق على هيئة فكرة في الذهن يمكن أن يتجلى مباشرة و بصورة فورية بما في ذلك الأفكار السلبية و الإيجابية عل حد سواء؛ و يتعلم سكان العوالم الطيفية الوسطى الجدد بسرعة كيف يفكرون بصورة إيجابية و بناءة؛ باستثناء أن الشِّراك الموجودة المعهودة في العالم المادي كالحاجة إلى المال، و بالتالي، إلى الجشع، غير موجودة البتة في العوالم الطيفية الوسطى، إذ لا حاجة لها في مثل تلك العوالم. إنها "عوالم ذهنية" حيث أن الرغبة في أي شيء يمكن أن تترجم إلى حقيقة فورية ببساطة من خلال تخيلها و التفكير بها و الرغبة في وجودها، حيث لا حدود لقوى التجلي الفوري، لأن الحدود الوهمية المتمثلة في المدى و قوى الرغبة و المخيلة و الطاقة و الانفعال أصبحت وراءها.
بسبب التشابه بين العوالم الطيفية و بين العالم المادي الأرضي، فإن هناك أشخاصاً فيها يعتقدون أنها "موطنهم النهائي"؛ و أما في الحقيقة فإن العوالم الطيفية مثلها مثل العالم المادي ليست سوى موطن انتقالي مؤقت على طريق العودة إلى موطننا الحقيقي، أي السطوح الذهنية بكافة مستوياتها، و هي العوالم الحقيقية للروح، حيث لا يمكن الوصول إلى العوالم الذهنية إلّا بعد التحرر الكامل من كل أشكال الكثافة التي يتسم بها العالم المادي و العوالم الطيفية، و كذلك من الرغبات الجسدية التي تعتبر من أبرز خصائصها لأنها ليست في الحقيقة سوى أوهام.
السطوح الطيفية شاسعة جداً و هي أكثر اتساعاً بما لا يُقاس من الكون المادي، و هي لا متناهية و تعجّ بالعجائب، و يكفي فيها أن كل ما يرد إلى خيالِ قاطنيها و أكثر هو في متناول الأيدي هناك. تبدو هذه العوالم و كأنها "الجنة" بالنسبة للبعض، إلى أن حين الوقت ليتقدموا باتجاه العوالم الذهنية ذات العجائب الأعظم و المتمثّلة في الممالك الروحية للحياة، و التي ستبدو بدورها و كأنها الجنة مقارنة بالعوالم الطيفية. و فيما تتابَع الرحلة العظيمة باتجاه الداخل يتبين أكثر فأكثر كم أن هذا الداخل أكثر روعة من الخارج، و هو السبب الذي يدفع الأفراد كي يناضلوا من أجل الاقتراب أكثر من دائرة الكمال، و بالتالي، الوصول إلى المستويات الأكثر روعة و حبوراً في عوالم الروح في طريق العودة إلى عالم الكمال المطلق، أي إلى الرب. الحرارة ليست موجودة في العوالم الروحية، و على رغم ذلك يفضل قاطنوها ارتداء الثياب لذكراهم بأنها من قبيل العادات المحترمة و الاحتشام، على رغم أن تبديلها يكفي أن يحدث في الذهن ليكون.
عندما يتمّ إشباع الرغبات المادية و التأكد من أنها بحقّ ليست أوهام، تصبح الرغبة في التحرك إلى أمام باتجاه الفضاءات الداخلية المتسمة بالروعة و السكينة و الانسجام، أقوى من أي وقت مضى، و حينها يصبح الجسد الطيفي بصورة متزايدة أقل كثافة، و يزداد معدل الذبذبات في الوقت الذي تقل فيه الكثافة المادية و تتوارى إلى الظل. و عندها سيغادر المرء العوالم الطيفية بصورة طبيعية يحف بها شعور عارم بالسعادة، في طريقه للانتقال إلى المملكة التالية التي تقربه أكثر إلى عالم الحقيقة، و الانطلاق منها على طريق التطور في تلك الرحلة العظيمة و المقدسة عائداً إلى الرب.
الفصل الرابع و الأربعون
العوالم الطيفية الداخلية
تتسامى العوالم الطيفية على كل ما هو مادي، و من المهم معرفة أن السفر إلى عالم ذبذبات الطاقة "الأعلى" هو في الحقيقة سفر باتجاه الداخل القريب من العالم المادي، و ليس صعوداً باتجاه الأعلى. و السطوح الداخلية هي أكثر طبيعية و تلقائية من كل العوالم الطيفية التي اختبرها هؤلاء، و يصلون إليها بعد أن أشبعوا و إلى حد كبير من رغباتهم المادية. و قد أطلقت على هذه المستويات الداخلية للعوالم الطيفية تسميات عدة عبر آلاف السنين بما في ذلك إسم "الجنة" و "أرض الصيف". العوالم الطيفية الداخلية هي المحطة الأخيرة على طريق الروح الحقّة التي تفوق ما وصفناه روع و جمالاً و مهابة و جلالاً و سكينة و بركة كلّما ازدادوا من منبع النور الأولي. هذه هي طريق التقدم على نية الارتقاء العظيم باتجاه خالقنا و التي تطمح كل روح في الوصول إلى مستويات الحياة الداخلية الأكثر عظمة و روعة و اقتراباً إلى الرب، فلا يجوز لأحد مطلقاً أن يخشى "الموت".
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان