العَلمانيّة و المشروع الوطني..ح1
2021.01.23
ما هو شكل العَلمانية التي نحتاجها في سياق المشروع الوطني السوري...؟
و هل فعلاً العَلمانية هي الحل المطلوب ..؟
و الكثير من الاسئلة التي سنحاول الاجابة عنها في هذه الحلقات التي سأقدمها باكبر اختصار ممكن..
الحلقة الأولى...
العَلمانية هذا المصطلح الذي بات يطرق أبوابنا في السنوات الماضية بشكل كبير جداً و خاصة بعد أحداث ما سمي بثورات الربيع العربي و الذي ظهر فيه الدور الأساسي للتنظيمات الدينية المتطرفة ذات الخلفية الوهابيّة و الخلفية الاخوانيّة... و أمام توغل هذا الفكر الديني الاقصائي بدأنا نسمع الأصوات ترتفع بوجه ذلك التطرف معلنة أنه أنه لا حل لوقف التطرف الديني إلا بالعَلمانيّة.
و مع استمرار الحرب في سورية و تفاقم الوضع المعيشي للناس و ارتفاع منسوب الفساد و الافساد الى مستويات قياسية, و غياب المحاسبة, و غياب الشفافية, و غياب الادارة الناجحة لكل الأزمات التي تعصف بالمواطن السوري, تعود النبرة من جديد, أنه لا بد من فصل الدين عن الدولة, لا بد من ابعاد و اقصاء رجال الدين, لا بد من العلمانيّة التي تحل لنا مشاكلنا و تصل تلك الأصوات إلى رفع شعار: (العَلمانية هي الحل..)
و اليوم و إذا فتحنا مواقع التواصل الاجتماعي سنجد ربما عشرات المواقع التي تدعو إلى العَلمانية و التي تعتبر أنّ الحل لكل مشاكلنا يكون في العَلمانية...إلى درجة انه يخال للمرء عندما يسمع كل هذا الالحاح على العَلمانية يخال أنها فعلاً هي الحل السحري لكل مشاكلنا.. و إنّ تطبيق العَلمانية فقط يحتاج إلى قرار ما أن نقرره اليوم حتى نطبقه غداً.... و التبرير جاهز دائماً: انظروا الى أوروبا كيف تطورت بعد أن فصلت الدين عن الدولة... تطورت أوروبا بعد أن أبعدت الكنيسة عن السياسة..
و بالمقابل فهناك الرأي المناقض له تماماً الذي يعتبر أن العَلمانية هي من الكبائر و الشرور... و أنها الكفر و الالحاد... و ينعت العَلمانية بأقذع التهم و الاساءات.... و يعتبر أنّ كل عَلماني هو كافر و هو لا أخلاقي و يطالب بتطبيق حكم الردة على كل عَلماني... و يعتبر أن ما وصلنا إليه من انهيارات كان بسبب ابتعادنا عن الدين لذلك يرفع الشعار المناقض والمقابل للعلمانيين و هو: (الاسلام هو الحل).....
أصبحنا بين فريقين الأول يرفع شعار (العَلمانية هي الحل).... و الثاني يرفع شعار ( الاسلام هو الحل)
و أنا أرى أنه ربما دخل أنصار العَلمانية وأنصار التيارات الدينية دخلا في معركة ربما تكون عبثية لا طائل منها.. لأنهما معاً مشتركين قد اختارا عدوين افتراضيين غير حقيقيين وهميين.... و هذا ما سأحاول ايضاحه في هذه المقالات المتسلسلة التي سأحاول تقديم تفصيل كامل عن مفهوم العَلمانية و عن السياقات التاريخية التي انتجنها وعن الالتباسات التي تمر بها.
إنّ مفهوم العلمانية تعرض للتشويش و التضليل المتعمد أو غير المتعمد في عدة نقاط:
الالتباس الاول: هو التباس لغوي في اللفظ.. بين العَلمانية (بفتح العين) و العِلمانية (بكسر العين ).....
و الالتباس الثاني : هو اتهام العَلمانية بأنها ضد الدين و أن العلمانيين هم الحاديون و غير أخلاقيين.....
و الالتباس الثالث : أن العلمانية هي وافد غربي لا جذور لها في تاريخنا العربي و الاسلامي... ليس من تراثنا او تاريخنا و بالتالي هو نزعة تخريبية لا تصلح لنا
أما الالتباس الأول:
فهو التباس لغوي اصطلاحي صرف فكلمة العَلمنة هي ترجمة لكلمة (Secularisation) والتي تتشابه في اللفظ مع مثيلاتها في معظم اللغات ذات الأصل اللاتيني
فكلمة (عَلماني) (Seculaire) و(عَلمانية) (Secularisme) و(عَلمنة) (Secularisation) و كلها تحمل في اللغة العربية العديد من المعاني مثل (هذا العصر) و(هذا العالم)، او هذه (الدنيا) و الترجمة الحرفية (الدنيوية)...
بينما العِلمانية (بكسر العين ) فهي مشتقة من العِلم science و العِلمية أي scientific أي من العلم و العلوم الطبيعية...و لكن و للتشابه بين اللفظين في اللغة العربية عِلماني و عَلماني.... حاول مناهضو العَلمانية من الاسلامويين ايضا الاستفادة من هذا التشابه لاظهار أنّ العلم يناقض الدين..
و بالتالي العلمانيين الذين يؤمنون بالعلم لا يؤمنون بالله و بالتالي هم الحاديون و هذا يقودنا الى الالتباس الثاني الذي سنفصل به بعد التفصيل قليلاً في السياقات التاريخية لظهور مصطلح العَلمانية
د. علي مخلوف