معضلة القنفذ
2021.01.24
أول من تحدث عن معضلة القنفذ كان الفيلسوف الألماني "شوبنهاور" ثم أثارها فرويد كاستعارة عن الوضع-المعضلة، التي يواجهها البشر في علاقاتهم الحميمة مع الآخرين. ويشرح "شوبنهاور" في إحدى مقالاته المثل كما يلي:
اجتمع عدد من القنافذ معا ينشدون الدفء في يوم شتائي بارد، ولكن عندما بدأوا في وخز بعضهم البعض بالريشات التي على أجسامهم، اضطروا إلى التفرق. غير أن البرد دفعهم إلى الإقتراب من بعضهم مرة أخرى، فحدث الشيء ذاته. أخيرا، وبعد عدة محاولات من التجمهر والابتعاد، اكتشفوا أنه سيكون من الأفضل لهم البقاء على مسافة قصيرة من بعضهم البعض.
ما الذي يحاول"شوبنهاور" قوله هنا؟
عندما يتحدث عن الحاجة الإنسانية المتبادلة للدفء، فإنه يتحدث عن الارتباط الإنساني والعلاقة الحميمة والمودة. ومع ذلك، تمنعنا القواعد الاجتماعية والطبيعة البشرية من الإقتراب حقا من الآخرين. يُنظر عادة إلى معضلة القنفذ على أنها استعارة لعجز الإنسان عن تحطيم كل الجدران الداخلية للفرد تجاه الآخرين."كلما اقتربنا أكثر، كلما آذينا بعضنا البعض بعمق."
" اقتبس "فرويد" حكاية "شوبنهاور" لاحقا في حاشية لمقاله عام 1921 في علم النفس الجماعي وتحليل الأنا، حيث استحضرها لتوضيح ما أسماه "رواسب مشاعر النفور والعداء" الملازمة لأي علاقة تدوم طويلاً. وتطارد فرويد أسئلة الحميمية: ما هو مقدارها؟ ما هي الدرجة اللازمة لبقائنا؟ كيف يمكننا أن نتوق إلى الحميمية وننفر منها في الوقت نفسه؟ يمكن للمرء أن يقول أن معضلة القنفذ، كما قدمها شوبنهاور، هي العلاقة الفرويدية الإشكالية إلى حد كبير.
يتوق البشر إلى العلاقة الحميمة، ولكن للحصول عليها يجب أن نتهيأ للألم. ونحن كثيراً ما نؤذي الأشخاص الأقرب إلينا، وليس عن قصد دائما، لكن مع ذلك نسبب لهم الألم وقد يترك ذلك ندوباً. ولذلك نرى أن الكثير من الأشخاص المصابين بالاكتئاب والقلق، يختارون عزل أنفسهم لمنع أذى الناس لهم ولكي يتجنبوا هم إيذاء الناس. فهم يحمون أنفسهم من التعرض للأذى بهذه الطريقة.
في مستوى متصل، يميز عالم الاجتماع "ريتشارد سينيت" بين التعاطف والتفهم الوجداني: في حين أن التعاطف يزيل المسافة بين الذات والآخر من خلال عملية التماهي، فإن التفهم الوجداني هو شكل "أكثر برودة" و "أكثر تطلبا" للحوار، لا يهدف إلى "القفز" فوق فجوة المسافة الاجتماعية أو الشخصية بين الناس، إنما يلتقي بشخص آخر وفقا لشروطه الخاصة. يميل المستمع المتفهم إلى أن يكون أكثر فائدة من المستمع المتعاطف. إذ أن المستمع المتفهم قادر على الحفاظ على هذا التوازن الصحيح بين الابتعاد والقرب. ولهذا الأمر أهمية بالغة في تقديم الاستشارة النفسية والعلاج النفسي.
هناك العديد من الأمثلة على معضلة القنفذ خارج العلاقات الاجتماعية والشخصية.
· الشخص المدمن على شيء مثل المخدرات ويحاول الإقلاع عنها. فهو لديه معضلة القنفذ مع هذه المواد. يتوق إليها ويرفضها.
· الشخص الذي يتبع نظاما غذائيا ويحاول إنقاص وزنه، يعاني من معضلة القنفذ مع الأطعمة السكرية الغنية بالسعرات الحرارية. يتوق إليها وكذلك يرفضها ليتمكن من إنقاص الوزن
· الشخص المدمن على الألعاب ولكنه يستعد للامتحانات، لديه معضلة القنفذ في التحكم في الألعاب.
· قد يكون السؤال المهم الذي تطرحه معضلة القنفذ للعمل والعيش عبر الإنترنت هو إلى أي مدى نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمسافة معتدلة وآمنة ليس فقط لتجنب علاقات أوثق وغير مقيدة مع الآخرين ولكن علاقات أكثر هدوءا وعمقا مع أنفسنا. إن العثور على مكان السكون هذا ليس بالأمر السهل دائما في عالم اليوم، ولكنه ليس مستحيلاً.
د. تيسير حسون