العَلمانية و المشروع الوطني ...ح 3
2021.01.26
الحلقة الثالثة...الثورات
ثورة الاصلاح الديني - و الثورة العلمية و التنوير - و الثورة الصناعية - و الثورة الاجتماعية السياسية
أولاً - ثورة الاصلاح الديني :
بعد أن وصفنا الحال الذي وصلت إليه الكنيسة في أوروبا و الطغيان السياسي و المالي و الديني الذي وصلت اليه , جعل الأوروبيين في كثير من الأماكن يعانون ما يعانون من هذا الطغيان الذي أدى إلى حدوث أول ثورة اصلاحية دينية عام 1529م من داخل الكنيسة المسيحية و هي لرجال دين لاهوتيين , كان من ابرز رموزها القس الالماني مارتن لوثر( 1483 – 1546 ) ...و زونجلي السويسري (1484-1531) و المصلح الديني الفرنسي جون كالفن (1509 – 1564 ) أطلق على هذا التحرك بثورة الاحتجاج (البروتيست ) و التي أصبح أنصارها هم " البروتستانتيين " و الكنيسة التي استحدثت هي " البروتستانتية " كان أهم الاحتجاجات و الاعتراضات هي الوقوف في وجه البابا و ُبدعة صكوك الغفران التي اعتبروها لا تمت للمسيح و الكنيسة بصلة , و المطالبة بترجمة الكتاب المقدس ...و الكثير من الاعتراضات التي اعتبرت ثورة حقيقية داخل الكنيسة , جعلت الملك الالماني فريدريك الثالث يتبنى ما جاء به مارتن لوثر و يحميه و هذا مما شجع في انتشار البروتستانتية في ذلك الوقت ( هذا يؤكد من جديد أي فكر يحتاج الى حامل سياسي و الا فلا أمل له..) .
و ترافق ظهور البروتستانتية مع صراع دموي رهيب تطور الى صراع سياسي و عسكري في أوروبا استمر لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 - 1648 م) وجرى في كل أوروبا قاطبة.... في سويسرا و فرنسا و ألمانيا و النمسا وبوهيميا ( تشيكيا حاليا ) وهولندا و إنكلتراو اسكوتلندا و إيرلندا و الدنمارك .............
و من المفيد هنا أن نذكر تلك المذبحة الرهيبة في باريس التي حدثت في تلك الفترة و هي مذبحة القديس بارثي لميو في عهد الملك الفرنسي تشارلز التاسع عام في عام 1572م في مدينة باريس حيث تم خديعة البروتستانتيين حتى اجتمعوا باعداد كبيرة في باريس لأحد الاحتفالات الخادعة ....وكانت الأوامر بذبحهم جميعاً وبدون استثناء وأي شخص يقتل على الشبهة بولائه للبروتستانتيين .... وانتقلت المذبحة في اليوم الثاني إلى معظم المناطق التي يسكنها بروتستانتيين في كامل أوروبا ....وقد أثار وقوع هذه المذبحة الرضا فى أوروبا المسيحية الكاثوليكية كلها، وكم كان البابا ( جريجورى الثالث عشر) سعيداً و أخبار المجزرة تصل اليه فأمر بصك أوسمة لتخليد ذكراها وتوزع على الشعب .
وقد رسمت على هذه الأوسمة صورته وإلى جانبه ملك يضرب بسيفه أعناق الملحدين وكتب عليها ( إعدام الملحدين ) ويقصد بهم البروتستانتيين
وأمر بإطلاق المدافع وإقامة القداس فى شتى الكنائس....ودعا الفنانين إلى تصوير مناظر المذبحة على جدران الفاتيكان....... وأرسل تهنئته الخاصة إلى الملك تشارل التاسع .
وكانت اخر ثلاثين عاما ( بين عامي 1618 ـ1648 م) هي الأسوء في تاريخ أوروبا الدموي حيث أدت الحروب تلك إلى تدمير مناطق بأكملها تركت جرداء من نهب الجيوش وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلاك العديد من سكان الولايات الألمانية وإيطاليا بينما أُفقرت العديد من القوى المتورطة في الصراع..... و استمر القتل والتدمير حتى انتهى جزئيا بصلح وستفاليا الشهير عام 1648 م. و اصبحت بنود هذا الاتفاق من دستور الامبراطورية الرومانية..لاحقاً
ثانياً – الثورة العلمية و التنوير :
في تلك الفترة كانت الثورة العلمية في أوروبا تتطور والانجازات العلمية التي بدأت تقوض المفاهيم السائدة و العقائد الكنسية الدينية ..تلك الثورة التي أول ما ارتبطت بالعالم البولوني كوبر نيكوس ( 1473 – 1543 ) حول النظام الشمسي في كتابه ( حول دوران الأجرام السماوية ) حيث أوضح أن الشمس هي مركز الكون و ليست الأرض كما هو سائد في المعتقد الديني الكنسي البطليمي " بطليموس " ...و كانت تلك الثورة ايذانا بالانفصال الأول للدين عن العلم....
و تبعه العالم الايطالي جوردانو برونو ( 1548 – 1600) الذي تبنى نظرية كوبرنيكوس و تكلم عن العوالم المتعددة التي يسميها العلم الحديث ( الأكوان المتوازيه )...و كانت نهايته المأساوية على يد الكنيسة بأن حكمت عليه بالحرق و هو حي في ساحة عامة...
و تبعه العالم الايطالي غاليليو غاليلي ( 1564 – 1642 )...الذي اكد نظرية كوبر نيكوس و دافع عنها بقوة...و اتهمته الكنيسة بالهرطقة و حكمت عليه بمنع الأبحاث و الاقامة الجبرية في بيته حتى مماته...
وصولاً الى العالم الفرنسي رينيه ديكارت و لابلاس والعالم الكبير " تيخوبراهي " و العقلية العلمية الفذه " يوهانس كيبلر " الذي كان الاساس الحقيقي لما وصل اليه لاحقاً العلامة الكبير الانجليزي اسحق نيوتن.. ( 1643 – 1727 ) و الذي يعتبر بحق من اكبر العقول البشرية التي فتحت افاقا واسعة في الفيزياء و الرياضيات .
و كانت أوروبا في هذه الاثناء تدخل ما سمي "عصر الاكاديميات العلمية " : الجمعية الملكية بلندن (1662)، الأكاديمية الفرنسية للعلوم (1666) و الأكاديمية العلمية ببرلين (1700). و انتشر أمثالها لاحقاً في كل أوروبا وبحلول عام 1789 كان هناك أكثر من سبعين جمعية علمية رسمية و الملفت في الأمر أن هذه الجمعيات كانت تتبع مباشرة لرأس النظام السياسي في هذه البلدان و كان الملك أو الامبراطور أو الأمير هو من ارتبطت به و باسمه و هو من يسعى لتطويرها و اظهارها , و هذه نقطة مهمة جدا جدا باعتقادي .
لتدخل أوروبا هنا ما سمي بعصر التنوير " عصر العقل " (Age of Enlightenment) الذي كان ايذاناً بدخول مرحلة جديدة من التغيرات الفكرية و السياسية و الاجتماعية ..التي قدمت لها مرحلة عصر النهضة و الثورة العلمية
اشتمل التنوير على مجموعة من الأفكار التي تركز على سيادة العقل والأدلة على الحواس باعتبارها مصدرًا أساسيًا للمعرفة، وعلى المثل العليا
ثم جاءت الثورة الفرنسية عام 1789 و ما كان لها من اثر كبير و عميق في اوروبا و العالم التي انتهت باقصاء الملكيات الاقطاعية و الانتقال الى النظام البرجوازي .. يمكن اختصارها بمقولة فولتير الشهيرة ( اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس.) و الكثير من النتائج التي لسنا الان بصددها...
وصولاً إلى الثورة الصناعية في بريطانيا و أوروبا كاملة ...
كل تلك الأحداث الدامية و الأحداث و المنجزات العلمية و التحولات الاجتماعية و الاقتصادية كانت قد بدأت نتائجها تظهر عميقاً في العقل و الثقافة الأوروبية , لتبدأ الكتابات و الأفكار و الفلسفات في الظهور و التبلور حول فكرة العلمانية و ضرورة فصل الدين عن الدولة و حول ضرورة الانطلاق بعيداً وراء العقل و الحرية بعيداً عن اللاهوت و الكنيسة و قوانينها .
ولعلّ الفيلسوف سبينوزا ( 1632 – 1677 ) كان أول من أشار إليها إذ قال أن الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية. وأشار أيضًا إلى أن الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومًا للتطوير والتحديث على عكس الشريعة الثابتة الموحاة. فهو يرفض اعتماد الشرائع الدينية مطلقًا مؤكدًا إن قوانين العدل الطبيعية والإخاء والحرية هي وحدها مصدر التشريع
و ليرتفع صوت الفيلسوف الإنكليزي جون لوك ( 1632-1704 ) الذي كتب يقول :
"من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تُنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحراراً، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة" و من المفيد التذكير هنا ان الدستور الامريكي اعتمد كثيرا على ما جاء عند جون لوك و خاصة كتابه ( رسالتان في الحكم ) حيث كانت هذه الافكار التي جاءت بها محط اعجاب الامريكيين و خاصة حول الوظيفة العليا للحكومات ( على الحكومة ان تحافظ على الثروة و الحرية )
و نجد صدى هذا الكلام عند ثالث رؤساء الولايات المتحدة الإمريكية توماس جيفرسون( 1743 – 1826 ) الذي يقول : "إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم...."
لتبدأ الكتابات في محاولة لوضع التعريف الاكمل لمفهوم العلمانية ...
د.علي مخلوف