كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

متحفٌ صغير في ضوء المصباح الوحشي

 عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس

عماد الدين ابراهيم nفي خريف عام 1987، كنت ما أزال طالبا في جامعة دمشق، حين وقع بين يديَّ عدد من مجلة عالم المعرفة الكويتية يحمل عنوان ( قصيدة و صورة : الشعر و التصوير عبر العصور ) لمؤلفه الأديب و الناقد المصري الدكتورعبد الغفار مكاوي ، قرأته بنهم فقد كان كتابا جميلا و ممتعا و مفيداً و غنيا بموضوعاته و جديدا عليَّ بموضوعه و هو القصائد و الأشعار المستوحاة من الأعمال الفنية، لوحات و منحوتات، قرأته بمتعة كبيرة و منحني لذة معرفية – روحية سامية، حلقت مع القصائد و الصور و اغتنت معارفي و توسعت مداركي بهذا الجانب المعرفي، فهو كتاب قيم و يعتبر مرجعا في هذا المجال، و قد اطلعت فيما بعد على الكثير من الدراسات الادبية و النقدية التي اعتمدت عليه، و كنت على مدى السنوات الماضية أعود لقراءته بين الحين و الآخر محاولا استعادة لذة القراءة الأولى.

مؤخرا أهداني الصديق الدكتور ثائر زين الدين الشاعر و الناقد الخبير و المدير العام للهيئة العامة السورية للكتاب كتابه الجميل ( ضوء المصباح الوحشي ) و قد جذبني عنوانه و موضوعاته، و حين قرأته وجدته لا يقل عن كتاب ( قصيدة و صورة ) أهمية، بل يضاهيه معرفة، و يجاريه جمالاً و فائدة و جهداً في الكتابة و التأليف، و يتميَّز عنه ببعض الميزات التي سأتحدث عنها لاحقاً، فقد أعاد إلي لذة القراءة التي تُسكر الروح و تسمو بها في معبد الفن و الأدب و الجمال، في حضرة الصورة الشعرية المحلِّقة، و الألوان الزاهية، و المنحوتات الحجرية المدهشة و الملهمة لأجمل النصوص، و كأنها تنطق على لسان الشعراء.

هي صلاة الفن يتعبد بها الشعراء و النحاتون و الرسامون، و يطهِّرن بها أرواحهم في طقوس الإبداع لإله الجمال، " إن الفن لا يستعير جماله من الطبيعة، بل من ارتفاعه بها فوق ذاتها " كما قال الفيلسوف اليوناني أفلوطين  (205 - 270 م) .

البشر يرتفعون إلى السماء

و هنالك في النور الباهر

تتفتح البذرة الأرضية عن زهرة أولمبية حسناء

تنصهر الروح مع الروح

و في حياةٍ أكثر حريةً

يتجلى الشكلُ الفاني أكثرَ بهاءً و قدسيةً .

الشاعر الألماني فيلهيلم فايبلنجر (1804 – 1830) ( قصيدة و صورة - ص 94 )

إنه الفن الذي يُحيل الفانيَ خالداً، و العابرَ سرمدياً، و المؤقتَ دائماً، يبثُّ الروحَ و النور في الجماد و الظلام، إنه الخلق البشري و هو يسعى ليجاريَ الإله في إبداعه و خلقه .قصيدة و صورة n

لقد أفاض الكتابان في تبيان عمق و أهمية العلاقة بين هذه الفنون، و التأثير المتبادَل فيما بينها، حيث يستوحي هذا من ذاك في علاقة تبادلية إبداعية أغنت الفن و أثرته بالكثير من النصوص و الصور و اللوحات و المنحوتات الباقية على مرِّ الزمان، قديماً قال سيمونيدس الكيوسي ( 556 – 468 ق . م ) : " إن الشعر صورة ناطقة ، و الرسم شعر صامت "، و في تراثنا الأدبي قال أبو عثمان الجاحظ : " إنما الشعر صناعة و ضربٌ من النسيج و جنسٌ من التصوير " ( ضوء المصباح الوحشي – ص 9 )

لقد تميَّز كتاب ( ضوء المصباح الوحشي ) عن كتاب ( قصيدة و صورة ) بأسلوب عرض و تقديم المادة للقارئ، حيث نجد الدكتور ثائر الغنى و النقد المنثور في كل فصول الكتاب إضافة إلى المقدمة الموجزة و المكثفة، أما الدكتور عبد الغفار مكاوي فقد وضع مقدمة طويلة مؤلفة من /58/ صفحة و هي مقدمة غنية بالمعلومات عن تاريخ العلاقة بين الشعر و التصوير، و وضع فيها كل رؤيته النقدية، و فيما بعد اقتصر على عرض صورة اللوحة أو المنحوتة باللونين الأبيض و الأسود مع تعريف بصاحبها، ثم ما قيل فيها من شعر مع تعريف بالشاعر.

أما الدكتور ثائر زين الدين فقد قدم النصوص الشعرية المختارة ضمن نسيج نقدي تعريفي و تحليلي، و تفرَّد بتناول جانب غاب عن كتاب ( قصيدة و صورة ) و نجده في فصل ( القصيدة البصرية ) حيث عرفنا إلى الشعر المسمَّط و الموشح، الشعر المشجَّر، الشعر الالشعر الهندسي nهندسي، " في هذا الفصل لا يكفي سماع القصيدة، بل لا بد من النظر إليها و كيف كُتبت، و كيف رُسمت، فهي قصيدة تعتمد على توظيف حاسة البصر ليس لقراءة جملها فقط، و لكن لمتابعة طرائق تشكُّلها، و نظام توضُّع مفرداتها، و إشغالها لمساحة الورق بما يحقق غايات فنية و فكرية محددة " ( ضوء المصباح الوحشي – ص 145 ) و يقدم للقارئ نماذج من هذه القصائد.

ختاماً الكتابان متحفان صغيران غنيان بالأعمال الإبداعية الجميلة، و يتميز كتاب ( ضوء المصباح الوحشي ) بطباعة أنيقة تحتوي على صور ملونة للوحات و المنحوتات خصص لها ملحقا في نهاية الكتاب مما يحقق وصفنا له بأنه متحف صغير .

المراجع :

1 – قصيدة و صورة : الشعر و التصوير عبر العصور – الدكتور عبد الغفار مكاوي – سلسلة عالم المعرفة – تشرين الثاني 1987 – 119 .

2 – ضوء المصباح الوحشي : عن الشعر و الفن التشكيلي – الدكتور ثائر زين الدين – الهيئة العامة للكتاب 2020 – سلسلة آفاق ثقافية 18 .

============================================

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية