كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العَلمانية والمشروع الوطني ..ح6

العلمانية في الشرق بين صدمة الحداثة و الحاكميّة في الاسلام :

لا يمكن الولوج بشكل موضوعي إلى تطور فكرة العَلمانية و فكرة فصل الدين عن الدولة في هذا الشرق إلا من خلال العودة الى مرحلة الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798 ( حملة نابليون ) و التي تعتبر الصدمة الأولى بعد كل تلك المئات من السنين من النوم في حضن التخلف و الجهل و الخروج تماماً خارج الحضارة و الحداثة...
حيث كان هذا الاحتلال بداية لوصول تلك " الموجة الأوروبية الحداثوية " التي كشفت مدى الخلل الكبير في التطور بين الشرق و الغرب، فكان السؤال الكبير الذي أطلقه بعض الاصلاحيين العرب في تلك الأثناء من أمثال رفاعة الطهطاوي و جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و محمد رشيد رضا...و آخرون :
لماذا تقدم الغرب و تأخر العرب و المسلمين...؟؟
هذا السؤال و الذي كان يحمل في طياته شيئين هامين :
الأول : هو الاعتراف بالحقيقة التي تقر بتقدم الغرب و تأخرالشرق العربي و الاسلامي أمامه.....
الثاني : هو أنه يحمل في داخله النزوع لمعرفة أين الخلل الذي أصابنا و العمل على تلافيه للحاق بالغرب....
يضاف الى ذلك الأحداث الدامية الطائفية التي حدثت في لبنان و لاحقا في دمشق و كانت ذروتها عام 1860م والتي انتهت بانشاء متصرفية جبل لبنان و فصلها عن سورية .
هنا بدأت الاصوات ترتفع عند الكثير من المثقفين العرب مسيحيين و مسلمين يطالبون بفصل الدين عن السياسة وإلغاء مصطلح " أهل الذمة " و بدأ يدخل مصطلح " العلمانية " في التداول بعد أن أصبح متداولاً في أوروبا .
كان الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1854 - 1902)من أبرز رجال الدين الاصلاحيين و المتنورين الذي شخص و بدقة سبب المشكلة من تخلف و جهل،  و أكذ أن الاستبداد السياسي هو أس المشاكل في هذا الشرق و رأى ضرورة " التفريق ما بين السلطات السياسية والدينية والتعليم ولا يجوز الجمع منعاً لاستفحال السلطة " و لخص موقفه بالقول : "دعونا ندير حياتنا الدنيويه ونجعل الأديان تحكم في الآخرة فقط ". للأسف لم يتركوه بحاله حيث أغتيل في القاهرة مسموماً .
كما ظهر في حلب فرنسيس مرّاش (1836 - 1873) أحد المثقّفين المتنوّرين الذين عبّروا عن تلك الفكرة مبكراً و خاصة تركيزه على الغاء ما يعرف بالاسلام " أهل الذمة " الذي اعتبره انتقاصا من حقوق المواطن الغير مسلم .
و ظهر بطرس البستاني (1819 - 1883) الذي قال : ( وما دام قومنا لا يميزون بين الأديان التي يجب أن تكون بين العبد وخالقه، والمدنيات التي هي بين الإنسان وابن وطنه أو بينه وبين حكومته، ......... ومن هنا وجوب وضع حاجز بين الرياسة، أي السلطة الروحية، والسياسة، أي السلطة المدنية....)
كما يحضر هنا اسم شبلي شميّل (1850 - 1917) الذي يقول: ( لا يمكن الاتفاق على ما هو الخير العام إذا لم تتوافر الحرية، وبالأخص حرية الفكر. ففي الحكم الفردي الاستبدادي يسيطر عضو من أعضاء المجتمع على الآخرين بالقوة ويضع مصالحه فوق مصالحهم. ....مما يقتضي فصل الدين عن الحياة السياسية. إذ أنّ الدين هو عنصر تفرقة، لا بحد ذاته، بل لأن رؤساء الدين يبذرون الشقاق بين الناس، مما يبقي المجتمعات ضعيفة. والأمم تقوى بمقدار ما يضعف الدين.)
كما ظهر فرح أنطون (1874 - 1922) الذي قدم نظرية " في الدولة " تقوم على الحرية و المساواة في الدولة ووضع خمسة أسس و مبررات للفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية :
( 1- إن غايات السلطتين تختلف، لا بل تناقض بعضها عن البعض الآخر.
2- إن المجتمع الصالح يقوم على مساواة مطلقة بين جميع أبناء الأمة، تتعدى الفروق في الأديان.
3- إن السلطات الدينية تشترع للآخرة، لذلك كان من شأن سلطتها أن تتعارض وغاية الحكومة التي إنما تشترع لهذا العالم.
4- إن الدول التي يسيطر عليها الدين ضعيفة. فالسلطات الدينية ضعيفة بطبيعتها،.... وهي تسبب بدورها ضعف المجتمع، لأنها تلح على ما يفرّق بين الناس؛ والجمع بين الدين والسياسة مما يضعف حتى الدين نفسه.
5- إن الحكومات الدينية تؤدي إلى الحرب. فمع أن الدين الحق واحد، فالمصالح الدينية المختلفة تتعارض أبداً بعضها مع بعض )
في مقابل هذه الأفكار و رموزها الثقافية كان هناك تياراً معاكساً و مناقضاً يتطور و بشكل مضطرد كان يرى أن الاسلام دين و دولة و أن الخلافة هي جزء من الدين و أن الخلافة لا بد من تثبيتها و لو بالسيف.... و يتم العودة و بقوة الى ما يسمى مفهوم " الحاكمية في الاسلام " و هي الفكرة التي أسست لظهور الاخوان المسلمين لاحقاً ( 1928 ) على يد حسن البنا ( 1906 - 1949 )....
فبعد الاعلان عن نهاية الخلافة العثمانية عام 1924 على يد كمال أتاتورك في تركيا، الذي أسقط ( الخلافة العثمانية ) و أعلن عن قيام النظام الجمهوري العلماني .
و هنا بدأ الحديث عن حتمية استمرار الخلافة الاسلامية و تم البحث عن خليفة بدل الخليفة العثماني ووقع الاختيار على الملك فؤاد في مصر ..على اعتبار ان الاسلام لا يمكن ان يستمر حاله دون وجود خليفة اسلامي يمثل ظل الله على الارض...لتتحول هذه العقيدة ( الحاكمية الالهية ) الى قاسم مشترك بين جميع التيارات الاسلاموية التي ترفع شعار ( الاسلام هو الحل ) ....( العودة الى الخلافة ) .
و من هنا بدأ الصراع داخل المؤسسة الدينية ذاتها و خاصة في مصر و الأزهر و رجال الدين في الأزهر حول الاسلام هل هو دين و دولة ام ان الاسلام دين فقط و الدولة هي شأن خارج عن الدين
و نستذكر هنا المعركة التي خاضها الشيخ الأزهري الدكتور علي عبد الرازق صاحب كتاب ( الإسلام وأصول الحكم ) عام 1925 الذي يؤكد أن "الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام وأن هذه المسألة دنيوية سياسية أكثر من كونها مسألة دينية ....."، وذهب عبد الرازق في كتابه إلى القول :
بأن "التاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد. ... وأنّ الإسلام دين روحي لا دخل له بالسياسة، أو بالأحرى لا تشريع له في مجال السياسة، فالسياسة أمرٌ دنيوي يعود للناس اختيار وسائله ومبادئه....اما الدين الاسلامي فهو حالة روحانية بين الخالق و المخلوق..."
بمقابل و مناقض الدكتورعلي عبد الرازق لنستمع الى ما يقوله حسن البنا في احدى رسائله (لإسلام هو دين و دولة..) :
الاسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعا. فهو: دولة ووطن و حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة، سواء بسواء.) و من بعده سيد قطب ( 1906 – 1966 ) المؤسس التاريخي الثاني للاخوان المسلمين...
مما سبق نجد أن التيار العلماني في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين كان تياراً موجوداً و بقوة و كانت رموزه الثقافية و الفكرية متنوعة من المسلمين و المسيحيين , في مصر و في بلاد الشام من رجال دين و غير رجال الدين و يبدو أن هذا التيار لم يكتب له النجاح اطلاقاً فبقيت صرخاته في الهواء امام تطور و تغول التيار الديني الذي تمثل بتيار الاخوان المسلمين و قبله تيار الوهابية في نجد و الحجاز .
ترى ..لماذا فشلت التيارات و الاصوات العلمانية من تحقيق أي نجاح يذكر منذ اكثر من قرن و نصف ..؟؟
لا بل دخلنا القرن الواحد و العشرين على رائحة الدماء في معظم العواصم العربية تحت يافطات و شعارات الطائفية و الحقد الطائفي و شعارات " الاسلام هو الحل " و شعارات التكفير و القتل ..فيما عرف بثورات الربيع العربي....ترى اين الخلل..؟؟ و اين كانت المشكلة ...؟
هذا ما سنناقشه في الحلقة التالية و الأخيرة
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية