جان فالجان السُّوري!...
2021.01.31
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس- خاص:
لم يكن بائعَ الخبز الفرنسيَّ، ولم أكن "جان فالجان"، لكنَّ مجرد المصادفة التي تخاطرت مع الموقف الحاصل هي ما فرضت عليَّ ما سيكون...
مررت بأحد الأرصفة في طريقي إلى اتحاد الكتاب العرب، وقد عزمت أن أبتاع ربطة خبز للبيت، فسألت محلاً والآخر دون توفر نوعية الخبز التي أريدها، وإذ بي أمام فرن يدوي "على الصاج"، وأمامه تكدست بضع ربطات من الخبز الرقيق الكبير الحجم، سألت الشاب أريد ربطة خبز لو سمحت، فقال ليس للبيع، انتبهت بأنه معد فعلاً ليستخدم في محلات أخرى، فهذا ليس الخبز العادي بحجمه المعروف، فشكرته ومضيت، لم أتجاوز جسر "المحكمة"، وإذ بصوت يناديني: أستاذة تفضلي هذا الرغيف، حقاً نحن لا نخبز لنبيعه للعموم لكن صاحب الفرن أرسلني وراءك بهذا الرغيف، في الثانية نفسها قفز إلى ذاكرتي موقف "جان فالجان" في رواية "هوجو" الأشهر، فتأثرت باتجاهين، حزنت للموقف الذي ذكرني بالبؤس الذي عم الرواية، مع اختلاف الموقف وانتفاء وضع المقارنة، لكنني فرحت بهذا السوري الصادق الخيِّر الذي لحقني ووافاني.. برغيف الخبز
شكرت الشاب وتناولت الرغيف "الرقيق، المشروح، الكبير" الثمين بالمحبة والصدق والوفاء، وفي الروح طرافة تتخيل أن ثمة محقق "جافيير" قد يتعقبني لسبب ما...
حزنت لكمِّ التسول والحاجة التي نشهدها في شوارع سوريا، والتي تزداد وتتفاقم مع تقدم عمر الأزمة، حزنت لمقارنة فطرية عفوية وهي أين قمحنا لكي يعيش السوري مأزوماً في قمحه ورغيف عيشه...
ومع أنَّ الخبز بات الشاغل اليومي والهمَّ الأساس لدى مختلف شرائح الشعب، ولرمزيته في حياة الشعوب قاطبة منذ أن عرف "الرغيف"، "لقمة العيش"، الخبز"، "القمح"، "العيش"، بات الخبز معادلاً للعيش أي للبقاء قيد الحياة... سنوات عشر والسوري المهجر جراء الحرب يتقاسم كل شيء في العيش والعمل والأمل مع أخيه السوري، يقتسمون الرغيف والمحنة ويستعينون على الغربة بالمؤانسة وعلى الشظف بالعون المعنوي والمادي...
سنوات عشر بت ترى فيها كل بقعة من سورية تشتمل على معظم أفراد مناطق ومحافظات سوريا سواء داخل البلد أو خارجه...
هكذا عاش السوري ويعيش وسيتغلب على أزمته ويتجاوز محنته شعب أول من زرع بذرة وأول من أوجد حرفا وأول من كتب وغنى وبنى وعمر شعب هو خبز الشعوب ورغيفها وعيشها وملحها لولا السوري لكان لكل إنسان وطن واحد لا وطنان.
ومع كل قطرة دم أهرقت وستراق حتى يعود القمح لسوريا والنفط للسوريين والقوت والغذاء والكرامة والحرية للسوريين.
حقاً لم أكن ذلك الفرنسي بطل رواية "هوجو"، لكن الظروف العامة متشابهة حد التطابق بين الواقعين، في المحنة والأزمة والحاجة ونواتج الحرب اللعينة، ولكن ماذا عن الرغيف الثقافي، وكيف ومم يُعَدُّ ويصنَعُ، فهنا مكمن السؤال الحاجة الأساس لدى مجمل الشعب السوري والعربي برمته...