كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مرحى.. تقدير.. شهادة

يحيى زيدو- خاص فينكس

تجلس على مقعدك متكاسلاً، متعباً من الانتظار الممضِّ في أحد طوابير الأزمة.. تسترخي محاولاً التحايل على حالة القرف التي وصلتَ إليها، فتفتح بعض صفحات "الفيس بوك" لتزجية الوقت بما تعتقد أنه قد يكون مفيداً.

فجأةً..وأنت في ذروة الاسترخاء.. تقفز عن مقعدك كأن دبّوراً مُعمِّراً لئيماً لَسَعَكَ في قفاك.. تفتح فمك فاغراً، وتجحظ عيناك، وتصرخ: "يا خفي الألطاف نجِنا مما نخاف".

اسم صاحب (أو صاحبة) الصفحة تعرفه، وتعرف مستوى تحصيله العلمي الذي لا يتجاوز الثانوية العامة في أحسن الأحوال، لكن الاسم صار مسبوقاً بلقب (دال نقطة)

يا ألطاف الله..!! تفتح الصفحة فتجده قد نشر صورة إلكترونية لشهادة (دكتوراه) منحه إياها تجمع قبائل التحشيش وتخزين القات في اليمن؛ شهادة تشبه (المرحى) التي كان يحصل عليها تلاميذ الصف الأول الابتدائي كمكافأة على سلوكهم الحسن. وبسبب هذه (المرحى) تتضخم ذات صاحبنا، ولا يقبل من أحد أن يخاطبه إلا باسمه مسبوقاً بلقب دكتور (أو دكتورة بالنسبة للإناث).

تغادر الصفحة إلى صفحة أخرى، فتصاب بالصدمة و الدهشة مجدداً.. تجد شخصاً علاقته باللغة العربية مثل علاقتي باللغة الروسية، يخطئ لغوياً في النحو والقواعد والإملاء، وفي الشعر يخطئ عروضياً وبلاغياً، وبينه وبين الخيال مساحة خيالية من العداء.. ومع ذلك فإنه ينشر (مرحى) إلكترونية تخلع عليه لقب: شاعر (بماذا يشعر؟)، كاتب (وهو شبه أمّي)، أديب (وبينه وبين أقرب محطة للأدب سنة ضوئية على الأقل)، مُفكِّر (مع أن دماغه الأملس لم يعانِ التفكير يوماً).. لكن الدهشة تزول حين نجد أن مصدر (المرحى) هو اتحاد عشائر دقّاقي الطبل في الصومال، أو

رابطة علماء الفضاء في جيبوتي، أو نقابة بائعي الصوبيات في شارع المناخلية الدمشقي.

لم يعد الأمر متوقفاً على الألقاب في الأدب و الشعر والفن، بل انتقل الأمر إلى قطاع العلوم. فهناك أكاديمية أولاد حفيظة لعلوم الطاقة، التي تمنح درجات "علمية" في علوم الطاقة من الإجازة حتى الدكتوراه، مع أن مهارات من يحصل على تلك الشهادات لا تتجاوز فتح طاقة في جدار دكان صغير من أجل سرقته.

كما أن هناك جامعات (زيطة) و (زمبليطة) و (مزريطة) لمنح شهادات الزمالة في العلوم الطبية و الصيدلانية والهندسية، فضلاً عن شهادات في التنمية البشرية، وإدارة الجودة، و إدارة المنشآت الاقتصادية، وقيادة المجتمع، بالإضافة إلى شهادات جامعية في الحقوق قاق قيق قوق.. وعلم الاجتماع مااااع مااااع.

- لا ننكر أن بعض الصفحات الثقافية تحوي مادة جيدة، وأن بعض المجموعات تقدم مواد رصينة في مختلف فروع المعرفة، وأسهمت في تسليط الضوء على أسماء مهمة لم نكن لنعرفها لولاها.

لكن في مقابل القليل من هذه الصفحات، هناك أضعاف مضاعفة من الصفحات التي تقوم على الغش و التدليس، وتقديم ما يثير الغثيان، والهدف هو تصيّد الجنس اللطيف -بشكل خاص- لأسباب لها علاقة بقلة الأدب لا بالأدب نفسه. وغالباً ما يكون أعضاء تلك الصفحات من أنصاف المواهب أو حتى عديمي الموهبة، ولأنهم كذلك، تتدنى لديهم قيمة طلب العلم، ويصبح الحصول على اللقب هو الهدف والغاية.

لماذا اللهاث خلف الألقاب؟

ليس من العيب أن لا يحمل الإنسان شهادة عليا، فكثير من كبار المبدعين لا يحمل شهادة جامعية (محمد الماغوط، حنا مينة على سبيل المثال لا الحصر). العيب هو في عدم الثقة بالنفس الذي يظهر في اللهاث المستمر خلف اللقب من أجل تحصيل مكانة اجتماعية يفتقدها بجهد شخصي أو بمعرفة في حقل من حقول العلم أو الأدب أو الفن.

إن عدم الثقة بالنفس، والشعور بالدونية هو ما جعل من العالم الافتراضي، أو الوهمي، لمواقع التواصل الاجتماعي عالماً أكثر واقعية من العالم الحقيقي الذي نعيش فيه بالنسبة إلى كثيرين من المحبطين الساعين للشهرة والتقدير الاجتماعي.

وصار التخندق خلف شاشة و "كيبورد" من أجل تقيؤ "القيح" الثقافي على شكل نص أو قصيدة أو لوحة فنية، يقوم بها كثيرون لأسباب لها علاقة بغرائز فطرية مثل دافع التقدير الاجتماعي، أو لأسباب أخرى تقف خلفها جهات تستهدف الأجيال الجديدة من الشباب الذين يعانون الاغتراب الاجتماعي في مجتمعاتهم نتيجة دهاليز الأزمات التي يعبرونها نحو مستقبلٍ يبدو بلا أفق

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية