كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقيقتنا المطلقة الحياة و الكون و قدر الإنسان.. تأليف الكاتب البريطاني (إدريان كوبر)- ح21

□ الحلقة الواحدة والعشرون ( 21 ) □ 

 
                                      من عرض وتلخيص كتاب :
 
                                         [  حقيقتنا المطلقة  ] 
 
                                [  الحياة و الكون و قدر الإنسان  ]
 
                                                                            ● تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
 
                  ■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد ) 
 
                         { يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
 
                                      في ( 113 ) فصلاً
                                        و مقدّمة و خاتمة
 
                          في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
 
                                           الجزء الثالث
                                        كيفَ تتحكّم بِقَدَرِك
 
 
                                     الفصل الثامن و التسعون
 
                                        نهج حياتك الحقيقي
 
ناقشنا في الجزء السابق من هذا الكتاب العديد من الطرق المختلفة التي تستطيع بواسطتها التحكّم في كل مظهر من مظاهر حياتك الخاصة و قَدَرِك. كيف تركّز و كيف تتأمّل و تستظهر رغباتك و العلاج، و كيف تحمي نفسَك و أحباءك و منزلك من الطاقة و الكائنات السلبية. 
إن النهج الذي تحيى به و تخلق من خلاله واقعك، و بالتالي الطريقة التي تتدبّر أمر قدرك بها و تكون متحكماً به، يمكن أن يعني أكثر بكثير من مجرد ممارسة هذه القدرات عندما تدعو الحاجة، فهذه يمكن أن تكون، لا بل يجب أن تكون نهج حياة. التماهي مع حياتك المستمرة و مع دروب التركيز و التفكير الإيجابي و التأمل و التجلي و العلاج و الدفاع النفسي بصفتها مظاهر طبيعية تماماً و انسيابية من كيانك سوف يعزز نوعية حياتك و حياة من حولك بصورة دراماتيكية. على كل شخص أن يعلم علم اليقين أنه من عيال الرب، و أنك كائن خالد مخلوق روحياً على صورة الرب، و بالتالي، فأنت قادر على المساعدة في عملية الخلق في العالم الأصغر أي في عالمك أنت، تماماً كما هو الرب هو الخالق الأعظم للكون برمته.
و بدلاً من مجرد التفكير بصورة إيجابية من وقت لآخر أو استظهار رغباتك عندما تحتاج إلى شيء محدد أو معالجة ذاتك و الآخرين عندما تقتضي الحاجة، أو اتخاذ قرار أو إجراءات مضادة عندما تشعر أن هناك تأثيرات سلبية قد تهددك، اخترْ أن تحيى كل دقيقة من كل يوم بهذه الطريقة، و هو ما سيجلب لك فوائد إيجابية جمّة. إن ممارسة عملية التأمل بصورة يومية و التفكير الدائم بصورة إيجابية بالأهداف التي ترغب في تحقيقها و أنت تعلم علم اليقين أنها تجلت بالفعل في حياتك، من خلال تركيزك على الصحة التامة و الأمان المنشود بالنسبة إليك و لعائلتك و منزلك، سوف يصبح بالفعل حقيقتك التي لا يتبادر إلى وجودها شك.
 
نحن كمت نفكر؛ فجميعنا نخلق حقائقنا بموجب عمليات أفكارنا و بالأخص ما نختار أن نركز عليه. علينا أن نأخذ على محمل الجدّ أهمية القول: "إن كلاً منا يخلق واقعه الخاص به". و بالرغم من أن الآخرين يعملون و يحاولون التأثير في واقعك من وقت لآخر، سواء بقصد أو من دون قصد، فإنك أنت وحدك من لديه القدرة على خلق واقعك الفردي و التحكم فيه، و بالتالي، ضمان أن التأثيرات الخارجية لا يمكن و لن تؤثر في حياتك أو في حياة من حولك. فأن تعيش واقعك يعني أن تعيش بشكل واع كل لحظة من كل يوم.
إن حقيقة هذه المسألة يمكن أن تمتد لتشمل كوكب الأرض بأسره. إذا حدث افتراضياً أن كل شخص يتوقف عن تركيزه اهتمامه على كل شيء في الوجود المادي على ظهر هذا الكوكب حينها ستختفي من على سطحه كل الأشياء التي سبق أن خلقها العقل البشري كحقيقة مادية، لأن العقل البشري الجمعي و الإجماعي لن يعود قادراً على التأثير في الطاقة التي تتحمل الأشياء المادية و التي كما هي الحال في العوالم الطيفية ليست سوى وهم تأبّد على نطاق واسع بواسطة عقول الكائنات المقيمة في تلك العوالم.
 
قد يمر وقت طويل بطبيعة الحال قبل أن يأخذ التأثير في هذه الحقائق مجراه استناداً إلى ما قدمناه؛ فكما نعرف فإن الأفكار و العواطف و المخيلات و قوى العقل الأخرى الإيجابية منها و السلبية أولاً ضمن الفضاءات الداخلية للحياة قبل أن تتجلى تالياً في العالم المادي الكثيف بصفتها حقيقة بموجب مبدأ الترابط الكوني، و يصبح بدوره مرئياً و محسوساً بالنسبة إلى الحواسّ المادية الخمس. فالأشخاص الذين يعون قبل غيرهم تماماً نهج الكون و الروح، و الذين يحيون بشكل شعوري واقهم الخاص بهم، يمكن أن يستخدموا القوى الهائلة للمخيلة و الرؤية الخلاقة و التركيز لكي يغيروا أي مظهر من مظاهر واقعهم ليتناسب مع حاجاتهم المستمرة الخاصة و ذلك عن ريق التركيز على النتيجة المرجوة و رغبتهم في أن تكون على النحو الذي يبتغونه.
لو كان بمقدور الجميع أن يحيوا حياتهم متحكّمين إيجابياً و بشكل واع بعقولهم، و بالتالي بواقعهم الفرداني؛ و هو ما يمكن من خلال الدراية التامة بأننا نعيش من أجل كل لحظة؛ و أن يعيشوا دوماً من أجل قدرهم الشخصي و كذلك من أجل أقدار من حولهم و من أجل البشرية جمعاء، لكان العالم اليوم بالتأكيد مكاناً أفضل بكثي مما هو عليه الآن؛ و حينها كان من الممكن أن يتحول "إلى جنة الرب على الأرض"، و هذا هو قدر العالم، و الذي سيصبح يوماً ما، آمل أن يكون قريباً، بالتأكيد، حقيقة مطلقة.
 
                              الفصل التاسع و التسعون
 
                                      قَدَرُنا المُطلَق
 
على كل منّا أن يعرف أولاً و قبل كل شيء، أننا جميعاً عيالُ الرب الواحد الأحد و المنبع و العلة الأولى و الخالق الأعظم؛ و أننا أرواح خالدة مصنوعة على صورة الرب، و المحكومون بالعودة على هيئة الإنسان الكامل، بصفتنا صور عن الرب. هذا هو المعنى المطلق و الحقيقي و النهائي للحياة. 
 
عندما يصل الإنسان إلى نهاية الدرب ستكون أمامه فرصة في أن يتخلى عن فردانيته و يتحد مجدداً مع الرب الذي انبثق منه على هيئة إنسان متكامل أو أن يحتفظ بهذه الفردانية و يستمر في أن يكون صورة عن الرب و يعمل ضمن نطاق الكون بكل فضاءاته و يقدم يد المساعدة لبشر من كواكب أخرى في مسيرهم على درب العودة صعوداً، تماماً كما تستمر مساعدة البشر بالمقابل، و كما هي عليه حال جميع تلك الكائنات و الأعراق التي كانت موجودة في الكون و غابت.
أمّا أولئك الذين يختارون العودة إلى المنبع أو العلة الأولى، أي الرب، فسوف يخوضون تجربة تمدد الشعور المحيط ب"الكل"، و في نهاية المطاف سوف يصبح "الكل" معروفاً في الكون. لا بدّ من الإشارة هنا إلى حقيقة أنه عندما نتحدث عن "التوحد مع الرب" كوننا بالفعل أحد مظاهره، فإن ما نعنيه بذلك حقاً هو التوحد مع المنبع أو العلة الأولى، أي الخالق الأعظم، و هو الأعلى و العصيّ على الإحاطة و الإدراك و الذي يُشير إليه البعض باعتباره "رأس الرب" أو باعتباره الإدراك و التفكير المطلق و الطاقة و الذبذبات المطلقة، و السيّد الحقّ و خالق الأكوان بكل روعة فضاءات الحقيقة التي تجسدها، و التي نعيش و نتنفس و نشعر فيها و من خلالها بكينونتنا.
فالتوحد بالرب لا يُعتبر نهاية للوجود أو نهاية للشعور الواعي بل نهاية الدرب الفردانية و بالتالي، نهاية الفردانية ذاتها. فقبل أن نولد في هذا العالم المادي للمرة الأولى كنا موجودين و ما زلنا بصفتنا أرواحاً، لكننا متحدون مع الواحد الأحد. أن نولد للمرة الأولى يعني أن نبدأ فردانيتنا التي تعتبر وسيلة للتعبير عن الرب، بداية في العالم المادي، و بعدها عبر فضاءات الحياة الداخلية؛ و هي الوسيلة التي من خلالها تتحقّق المسيرة على درب العودة إلى المنبع.
 
طويلة هي الدرب إلى الكمال. و مع ذلك فهي درب لا بدّ أن يسلكها الجميع بمنتهى المتعة و الشغف و السعادة و بوعي كلي بطبيعة القدر المطلق و الأكثر قداسة. و كلما توغلنا أكثر في دواخل هذه الدرب أصبحت الأوضاع أكثر خفة و سلاماً و تناغماً و بركة، و وجدنا أنفسنا في ممالك ذات كينونات عصية على فهم و إدراك البشر الذين يعيشون على الأرض. و في الوقت ذاته الذي تتابع فيه البشرية رحلة صعودها على تلك الدرب، تزداد وتيرة قدراتها في غضون ذلك؛ و هي قدرات لا يستطيع إدراكها البشر أو يتخيلون أن الرب يملكها.
 
عندما يتحول الكائن البشري إلى شخص فرداني للمرة الأولى، أي في تقمصه الأول في العالم المادي، تهبط ومضة ربانية منبثقة من روح الرب من عالم العقل و تتوحد مع الجنين البشري الذي لم يكن قد ولد بعد، و هكذا تبدأ الحياة الأولى على شكل إنسان مجسّد فرداني، يمثل تعبيراً عن الرب، و هنا تبدأ رحلته المقدسة باتجاه الكمال صوب الرب. منذ تلك اللحظة و صاعداً يصبح الشخص تعبيراً فردانياً عن الرب، و منذ تلك اللحظة و صاعداً أيضاً، يكون الإنسان قد وضع قدمه على تلك الدرب في أول خطوة يخطوها باتجاه موطنه الأصلي حيث يقفل عائداً إلى الخالق الرباني الذي انبثقنا جميعاً منه؛ هذا هو المعنى المطلق و الحقّ و الأكثر قداسة للحياة.
 
قبل أن يكون بمقدور أي إنسان أن يرتقي إلى فضاءات الحياة الداخلية المباركة و المتناغمة و المجيدة، لا بدّ أولاً أن يتعلم الدروس الأساسية و تقيق توازن في الكارما التراكمية السلبية. هكذا هي الحال أيضاً بالنسبة إلى تطور البشرية على المقياس الكوني العظيم. فعلى امتداد العديد من الحيوات على الأرض، يتم تعلم العديد من الدروس و التأسيس لتوازن في الكارما. و سوف يبدأ كل شخص مع مرور الوقت باكتشاف أن العالم المادي ليس سوى وهم في واقع الأمر، كما سيتعلم المزيد من الدروس الضرورية و يراكم مزيداً من الكارما الإيجابية على حساب الكارما السلبية، و في نهاية المطاف ستتكشّف له الحقائق الأكبر حول الكون و التي تبدو الآن و كأنها لغز من الألغاز.
هناك العديد من الدروب التي تؤدي جميعها إلى الرب. و في حين لا يمكن اعتبار أية درب صحيحة أو خاطئة فإن متطلبات العودة النهائية إلى الرب هي نفسها، و أمّا الفرق أو الاختلاف فيكمن في وسائل الوصول إلى تلك الغاية. و أما الذين يديرون ظهورهم إلى تلك الحقائق، و بالتالي يؤخرون ارتقاءهم لأي سبب من الأسباب فإنهم سوف يتخلفون أكثر عن السير على تلك الدرب المقدسة، في حين يكون أقرانهم من البشر يكتشفون و يخوضون غمار تجربة التماهي مع المجد و الروعة و الحب بعيداً جداً عن قدرة أولئك المتخلفين عن هذا الركب على استيعاب معاني تلك الظواهر.
و إذ لا يوجد البتة ما يمكن أن يجنيه الإنسان لقاء التأخير في القيام بالارتقاء، حيث سيؤدي به الأمر حال العكس إلى استمرار دورات التقمص في عالم المادة؛ فإنه بإمكان كل شخص تحقيق تقدم حقيقي نحو القدر الحقيقي الذي يتمثل بالتوحّد في نهاية المطاف مع الرب، إذا كانت الرغبة هي فعلاً كذلك، و هذا الموضوع المتمثّل في القَدَرِ الأكثر قداسة، سيكون محور ما تبقى من فصول هذا الكتاب.
 
                                      الفصل المائة
 
                                      اعرِفْ نفْسَك
 
الشرط الأكثر إلحاحاً للوصول إلى تقدّم حقيقي هو "أن تعرف نفْسك". قام الحكماء بتعليم هذه الحقيقة و نشرها بعد استنباطها من مصادر قيّمة للمعرفة في شتى أنحاء العالم على امتداد آلاف السنين كمظهر أساسي من مظاهر تحقيق تقدم حقيقي و ملموس. فأن تعرف نفسك يعني أنك قد تواجه في أغلب الأحيان مهمة في غاية الصعوبة؛ مهمة تطلب الكثير من الانضباط و الصدق و امتحان الذات، في كل الحيوات. 
 
أن تعرف نفسك حقيقة، هي فقط البداية. من المهم جداً أن تحدد مظاهر الذات التي تمنعك من التقدم و الاعتراف بها، و إزالة هذه المظاهر السلبية للذات إلى أن يُظهر جسدك و نفسك و روحك أكثر المظاهر نقاء و إيجابية. تتطلب هذه العملية الكثير من الشجاعة و المثابرة؛ لكن المكافآت كبيرة بالنسبة إلى الحياة، و أيضاً بالنسبة إلى عملية التقدم المستمر فيها؛ فمن دون التعامل مع المظاهر السلبية للذات، لا يمكن تحقيق التقدم المنشود، و هو التقدم الذي سوف يفرض نفسه عاجلاً أو آجلاً بصفته قَدَرَ كل شخص، و بالتالي لا يجوز تأخيره أو إهماله. و إلى أن يتحقق التقدم المستمر، ستستمر دورة التقمص في العالم في فرض ذاتها حتى يتمّ تعلّم كافة الدروس و استيعابها و تطبيقها.
تتزامن معرفة النفْس أو الذات مع مسؤولية كبرى و في منتهى الأهمية؛ ألا وهي ضرورة عدم إطلاق أحكام على الآخرين البتة. أحكامك على الآخرين هي أحكام عليك نفسك.
 
 
 
                           الفصل الواحد بعد المائة
 
                                        تَجاوُزُ الأنا
 
يعتبر التغلّب على متطلبات الأنا الفردية أحد أهم التحديات التي تواجه تطور أي شخص. إنه من غير الممكن تحقيق أي تقدم حقيقي و مستمر إلا بعد أن يتم التحكم بحق و بشكل متمكن بالأنا إلى الحد الذي لا تستطيع فيه هذه الأنا فرض أس تأثير سلبي أو ضار على الذات أو على أي شخص آخر.
 
الأنا هي ذلك الجانب من الشخص الذي يعمل جاهداً على فرض حضوره على المستوى الشخصي الفرداني و كذلك على الآخرين.
    تطالب الأنا دوماً بإرضاء نزواتها و إشباع رغباتها و إلا فالنتيجة ستتبدى في عدم الرضى و الاختلال في التناغم الشخصي إذا لم تتم تلبية طلباتها. الأنا هي المسؤولة عن العديد من السمات و الخصال البشرية السلبية بما في ذلك توجيه الانتقادات و إطلاق الأحكام على الآخرين لأنها عنيدة و غير مأمونة و غير مرنة و لأنها تتسم بلقلق و الخوف و تفير المزاج، و تأخذ الأكور على المحمل الشخصي، كما تأخذ كل شيء على محمل الجد، و هي بحاجة دوماً إلى أن يتفق معها الآخرون، و تعشق المديح، و هي مدفوعة دوماً إلى فعل شيء ما؛ و هي غير قادرة على روح التعاون، كما أنها تشعر بالسخط و الإحساس بالذنب و هي غير قادرة على أن تعيش اللحظة الحاضرة؛ كما أنها مدمنة على الكحول و التدخين و المواد الأخرى التي تغيّر المزاج، و تبالغ في إصرارها على إبراز المظاهر الشخصية و النجاح في أعين الآخرين؛ إضافة إلى أنها تشعر بعدم الأمان و تهتم كثيراً بالتفاهات، و هي متعلقة إلى حد كبير بالماضي و تخالجها مشاعر اليأس و العجز و القناعة بأن الحياة لا معنى لها، كما تجنح دائماً إلى فرض قوتها على الآخرين. هذه كلها صفات و سمات و خصائص بشرية سلبية، و هي سمات تجعل حياة الشخص الذي يتسم بها تعيسة و بائسة.
تتسم الأنا بالتركيز الخادع على تلك المظاهر في العالم المادي، و التي لا قيمة حقيقية لها في تحقيق السلام و التناغم و السعادة، و الأهم من ذلك، تحقيق تطور و تقدم حقيقيين. 
 
لا يمكن تحقيق التقدم الحقيقي من دون وجود السلام الداخلي الحقيقي حقيقة و واقعاً و التناغم و العيش تحت مظلة الروح. الأنا على ذلك خصم غير مرحب به و ليس حقيقة واقعة، و فوق هذا و ذاك، يجب النظر إليها باعتبارها تركّز على الذات الفردانية و ليس على أكثر الدروب قداسة، أو على المعنى الحقيقي للحياة. 
تعما الأنا جاهدة كي تكون دائماً على حق، و أن تكون دوماً في وضع المتفوق، فهي لا يمكن أن تكون مطلقاً على خطأ أو أن تشعر بالدونية. تبحث الأنا دوماً عن استنباط أهميةٍ لذاتها و إيجاد مفاتيح للتفوق و السلطة و التحكم بالآخرين، و غالباً ما تفعل ذلك من دون أن تبالي بالثمن، و بغض النظر عمّن تكون قد أثّرت سلباً فيهم أو تسببت في أذيتهم نتيجة لذلك. 
 
الأنا لست شيئاً يمكن إتلافه أو التخلص منه ببساطة؛ إنها مظهر حيوي من مظاهر الفردانية و ذلك لأن ذلك يبقى ملازماً لها طيلة حياة وعيها الشعوري. و لذا، فإن الغاية القصوى لا تكون في محاولة تدمير الأنا بل تجاوز تأثيرها، و بالتالي، التحكم بها و ذلك من أجل خدمة هدفها المبيّت عبر التركيز على سماتها الإيجابية في الوقت الذي يتم فيه كبح جماح السمات السلبية فيها و التي تشكل ضرراً كبيراً للسلام و السعادة و التناغم الحقيقي؛ و فوق كل ذلك لأنها تشكل عائقاً أمام التطور و التقدم على الصعيد الشخصي.
تعشق الأنا إجراء مقارنات خصوصاً مع الآخرين. إن إجراء المقارنات لذاته و بذاته، مسألة لا بأس بها خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالاختيار؛ و لكن المشكلات تبدأ عندما لا تكون الأنا مقتنعة بعملية المقارنات بحد ذاتها، و لذا فهي تتوسع في هذه المقارنات لتشمل أحكاماً مقارنة تتعلق بأناس آخرين و بممتلكاتهم و بكل شيء آخر تعتقد الأنا خطأً أنه مهم بالنسبة إليها. إلا أنها ليس بحاجة إلى إجراء مقارنات كنهج للحياة في العالم المادي. 
 
تفرض الأنا في أغلب الأحيان تأثيراً قوياً على العلاقات الشخصية. في مثل هذه الحالات تكون الأنا في موقع المتحكم الكامل بشيء قد لا يقل أهمية عن اختيار الشريك، أو حتى زوج أو زوجة المستقبل. هذا بالطبع مثال على السبب الرئيسي اذي يؤدي بكثير من الزيجات إلى أن تنتهي بالطلاق أو الانفصال أو إلى حياة مفعمة بالتعاسة.
الأنا تكره المسؤولية و غالباً ما تفعل كل ما بوسعها كي تتنكر للمسؤولية و تتجنبها، بينما تستمتع الأنا بفرض تأثيرها و سلطتها على العديد من مظاهر حياة الآخرين.
 
تستمتع الأنا كذلك بالمصائب و الكوارث خصوصاً إذا ما حصلت لأناس غير محبوبين. يستمتع الناس في أغلب الأحيان لسوء الطالع، بمعاناة الآخرين، بغض النظر عن المستوى الذي تكون قد وصلت إليه هذه المعاناة، سواء كان ذلك على شكل مشكلة في العمل، أو فقدان شخص ما، لعمله، أو الطلاق بين زوجين، أو مجرد عجز شخص من الأشخاص عن إنجاز شيء ما، ما يجعلها تستمتع بالمكروه الذي يحدث للآخرين كي تُرضي ذاتها و تخلق لذاتها وهم التفوق على الآخرين.
و بالرغم من كل تأثيراتها الضارة، تعتبر الأنا مع ذلك مظهراً هاماً من مظاهر الوعي الشعوري، و بالتالي، لا يمكن تدميرها أباً؛ و في الوقت نفسه، تعتبر الأنا مسؤولة في أغلب الأحيان عن كم كبير من البؤس و المعاناة، و عن انعدام الإحساس بالسلام و التناغم بصورة عامة. و تعمل الأنا أيضاً فوق كل ذلك جاهدة على السيطرة و التفوق، و تصر دوماً على الحصول على ما تريد إذا استطاعت إلى ذلك سبيلا.
 
                                  الفصل الثاني بعد المائة 
 
                               التطبيق العملي لتجاوز الأنا
 
لكي نتجاوز التأثير السلبي للأنا علينا بادئ ذي بَدءٍ أن نعترف بشكل لا يقبل التأويل بوجود الأنا و تأثيرها و النتائج الضارة التي يمكن أن تتسبب بها في حياتنا و حياة الآخرين؛ و من ثم بشكل منهجي بتحييد هذه النتائج السلبية الناجمة عن تأثير الأنا.
التطبيق العملي لتجاوز الأنا لا يعني أن نرتقي فوق الأنا أو ننفصل عنها؛ فالأنا هي نحن، و لذلك فإن كلمة "تجاوز" ضمن هذا السياق تعني في الحقيقة تجاوز النتائج السلبية لللأنا في الوقت الذي نحافظ فيه على تأثيراتها الإيجابية و فوق ذلك، نمارس التحكم الفعلي بكل جانب من جوانب الأنا.
ابدأ التطبيق العملي لتجاوز الأنا بتدوين قائمة بكل الأشياء في حياتك، و التي تجعلك تشعر بأنك أفض من الآخرين و متفوق عليهم، في فتر للملاحظات أو في مجلد يمكن أن تحافظ عليه و تعود إليه بسهولة كلما اقتضت الحاجة. كن صادقاً في ذلك و لا تتسرع. فكّر و تأمّل بعمق تضمن معه أنك لم تترك شيئاً ذا قيمة أو شأن لم تدونه في القائمة ضمن هذا السياق. لن يكون هناك فائدة إذا أغفلت عن عمد وانب من شخصيتك أثناء هذه المرحلة الأولية و الهامة من هذه التمرينات. و لا داعي للعجلة في ذلك. لا تنسَ شيئاً من ذلك، و لو كلّفك ذلك أن تكون قاسياً مع نفسك في تدوين خصائص أنانيتك أو خصائصك الأنانية. 
 
في المرحلة الثانية، اجلس بهدوء و استرخ في مكان هادئ. تعمق في المادة الأولى المدونة على لائحتك، و تعمق بها و خذ بعين الاعتبار كم هو سخيف أن تشعر بالتفوق في مثل هذا الأمر. تفهم بالضبط لماذا أنت تشعر بذلك أو لماذا بالأحرى تعتقد في عقلك بأنك متفوق في هذا المجال بالتحديد. اعلم أنك لست متفوقاً في هذا المجال، علم اليقين، و أن الأنا عندك هي وراء ذلك الاعتقاد لترضي غرورها و تلبي طلباتها الشخصية؛ مع مراعاة أن ما أنت متفوق فيه على غيرك، قد لا يكون من سلّم أولوياته الشخصية، تطبيقاً لاستعماله مبدأ الإرادة الحرة في خلق واقعه الخاص.
و فيما أنت تتأمل كل واحدة من موادك المكتوبة في قائمتك تمعن جيداً في مظاهرها و دوافعها و أهمية كونها ربما نابعة من ماضيك أو من ظروف خاصة تمر بها، و تتسبب بالتالي بشعورك أو باعتقادك بالتفوق؛ و أثناء ذلك تذكر الحقيقة القائلة بأننا "نحن الذين نخلق واقعنا الخاص بنا"، و أنك ربما استطعت ضمن هذه الظروف خلق واقع التفوق في ذلك الجانب من حياتك؛ و في مثل هذه الحالة، يحتاج الواقع كي يتحول إل التماشي مع واقعك الحقيقي الإجمالي. و هكذا عليك إصلاح كل مادة من مواد قائمتك المدونة.
 
فيما بعد قم بتدوين الأسباب التي دفعت بك إلى الشعور بأنك ضحية أو "شهيد"، و تعامل معها كما تعاملت مع بنود القائمة الأولى، و ذلك بتكريس عشر دقائق يومياً من أجل ذلك. اطرح على نفسك أسئلة محرجة: هل تستمتع بالشعور بالأسى على ذاتك؟ هل يعطيك هذا الشعور سبباً بأنك متفوق بصورة أو بأخرى؟ هل تعتقد بأن الناس سوف يشعرون بالشفقة حيالك؟ هل أن هذه المشاعر و جعلك نفسك تتعذب عمل نبيل بشكل أو بآخر؟ هل هذا بدفعك إلى الشعور بأنك مختلف أو متميز عن الآخرين بأي شكل من الأشكال؟
بعد ذلك فكر بعمق بإيجابية ما تُقدم عليه من بحث في ذلك. خذ بالاعتبار كل أشكال السعادة التي مكن أن تستحضرها إلى حياتك من خلال تركيز طاقتك و عواطفك كلها بصورة إيجابية يمكن أن تفيد من خلالها ذاتك و الآخرين. اتخذ قرارك بلا رجعة عنه بأنك سوف لن تشعر بعد الآن بالأسى على ذاتك مرة أخرى.
 
أمعن التفكير بالأحوال البائسة للناس و لأشخاص في هذا العالم من حولك، ممن هم في وضع أسوأ بكثير من وضعك، و تعلم كيف تشعر بالأسى على الآخرين؛ و بأن شعورك بالأسى على ذاتك أو شعورك بأنك ضحية أو "شهيد" بشكل أو بآخر، إنما هو إحساس غير مناسب و غير لائق بالمقارنة مع كل أولئك الأشخاص الذين يعانون من مشكلات حقيقية؛ و كن شاكراً على الحياة التي تعيشها كما هي.
و تذكر دائماً أن الأنا لا تكف عن اصطيادك في كل لحظة تتسرب فيها مثل تلك المشاعر الأنانية السلبية إلى عقلك من دون أن تنتبه إليها. اعلم أن الأنا تستمتع باصطيادك كلما حانت لها الفرصة؛ و عندها ابدلْ فوراً و من دون تردد هذه المشاعر بمشاعر الحب و التسامح و الامتنان و الأمل و الشجاعة و حسّ المسؤولية؛ ذلك أن المرحلة التالية من هذه التمرينات تتمثل بتجاوز الأنا عن طريق التعامل مع أوضاعك بمسؤولية، لأن الأنا تعمل جاهدة كي تتجنب المسؤولية أو على أن تلقيها أو تلقي اللوم على الآخرين. أخيراً اتخذْ قراراً مباشراً بقبول تحمل المسؤولية الكاملة عن كل ما يتعلق بحياتك من دون استثناء.
عن صفحة الدكتور بهجت سليمان
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية