كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العلمانية و المشروع الوطني .....ح 7 و الأخيرة

العلمانية و الدولة المدنية

مما سبق وجدنا أن العَلمانية في منطقتنا (كمفهوم) لم تكن وافدة يوماً علينا بل هي أصيلة و هي موجودة عبر التاريخ , و العلمانية كان لها رجالها و مثقفوها عبر تاريخ تطورها , الذين طالبوا بها و كافحوا للوصول اليها , و بعضهم دفع حياته ثمناً لمواقفه تلك .
كما وجدنا أن العَلمانية في الدول التي تبنتها لم تكن حكراً على نظام سياسي بعينه فقد كانت مطبقة في أنظمة سياسية مختلفة , شمولية مثل الاتحاد السوفييتي و دول أوروبا الشرقية و الصين ..و أسميناها العلمانية الصلبة أو القاسية التي تفرض فرضاً من أعلى الهرم السياسي , ووجدناها أيضاً في تركيا..ووجدنا عَلمانية مطبقة و بدرجات متفاوتة علمانية طرية و ناعمة ( كما في المانيا و انكلترا ...) , و علمانية قاسية ( كما في فرنسا ) و هي دول ذات أنظمة ليبرالية و ديموقراطية ..أي أن العَلمانية لم يكن لها دور في تحديد شكل النظام السياسي هل هو ديموقراطي أم ديكتاتوري و بالتالي يمكن أن تكون دولة استبدادية وديكتاتورية وعلمانية بنفس الوقت أو دولة ديموقراطية وعلمانية .. كما وجدنا على مستوى الأفراد رجل ليبرالي علماني أو ماركسي علماني أو قومي علماني...و حتى رجل دين علماني و يمكن أن نجد و بنفس الوقت ربما من عتاة الفاسدين علمانيين و عتاة الارهابيين يمكن أن يكونوا علمانيين ...
كما وصلنا الى نتيجة هامة و هي : أن العلمانية ليست هي من أنتج الأنظمة السياسية التي تبنتها بل كانت تلك العلمانيات بكل أشكالها نتيجة طبيعية لما سبقها من ثورات , فالعلمانية القاسية في الاتحاد السوفييتي جاءت بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية و الموقف المعادي الذي اتخذته الكنيسة الأرثوزكسية من تلك الثورة , و العلمانية في دول أوروبا الشرقية جاءت كنتيجة مباشرة من نتائج الحرب العالمية الثانية للدول التي تحررت بالقوة السوفييتية و العلمانيات في أوروبا الغربية هي نتيجة طبيعية للثورات التي جرت فيها من ثورة الاصلاح الديني الى الثورة العلمية الى الثورة الفرنسية و الثورة الصناعية...الخ...بمعنى أن : ( العلمانية كانت نتيجة و لم تكن يوما سبباً.. ) أي أن المنجزات التي جذبتنا الى الدول المتحضرة هي في الحقيقة منجزات انظمتها السياسية و ليست منجزات العلمانية ...( و هذا شيء هام جدا ..)
مما سبق نستنتج أيضا أن العلمانية لا يمكن أن تحضر دون حامل سياسي يتبناها , و يأخذ تبنيها في البلدان ذات البيئة المتدينة شكلاً من الحساسية بسبب الموروث الديني و بسبب الالتباسات التي شرحناها سابقاً في فهم العلمانية ( التباس المصطلح و التباس تناقضها مع الدين و التباس أنها وافدة ..و فصلنا كل تلك الالتباسات ..)
فالعَلمانية في مجتمع متدين , مجتمع تم افهامه أن العلمانية الحاد و كفر , في مجتمع كان لدور العبادة و المساجد و رجال الدين الدور الكبير في حياته عبر أكثر من ألف عام في مجتمع متدين اخُتصِر فيه العلم و رجال العلم برجال الدين, مجتمع متدين تم افهامه أن مشكلته الأساسية أنه ابتعد عن " الدين الصحيح " ...في هكذا مجتمع نحن سنقع بعدة مطبات عند الاصرار على رفع شعار " العلمانية هي الحل " :
المطب الأول :
الدخول في معركة وهمية و عبثية مع مجتمع متدين تم افهامه و عبر عشرات السنين أن العلمانية هي الالحاد...( و طبعا هذا غير دقيق اطلاقا كما أوضحنا ) و بالتالي أي دعوة للعَلمانية أمام هؤلاء الناس مهما كانت تحمل في طياتها النوايا الطيبة و الصادقة هي دعوة الحادية ..اقصائية ...( هكذا ستُقرَأ....) .و بالتالي دخلنا في معركة عبثية لا داعي لها اطلاقاً... و هي خاسرة ...مع أناس يفترض أننا بأمس الحاجة اليهم و أن مشروعنا السوري واحد و مصلحتنا واحدة .
المطب الثاني :
هو تقديم خدمة مجانية للتنظيمات الاسلاموية المتطرفة التي ترفع شعار ( الاسلام هو الحل..) و بالتالي بشعار ( العلمانية هي الحل ) نكون قد قربنا هذا الشعب المتدين أكثر من تلك التنظيمات بدل ان نبعدهم عنها... و ابتعدنا نحن عنهم بدل الاقتراب منهم...
المطب الثالث :
إن طرح العلمانية هي الحل هو شعار يعني أن المشكلة في هذا الشرق هي مشكلة دينية و ليست مشكلة سياسية...و كأن المشكلة هي تديين السياسة و ليس تسييس الدين....و هذا مخالف تماما للواقع...و هذا ما وضحناه من خلال سلسلة " تسييس الدين " في عشرين حلقة.
المطب الرابع و الهام...
إن العلمانية حقيقة ليست هي الحل لان العلمانية ليست نظام سياسي ...و هي نتيجة و ليست سبباً...
فالعلمانية لا تستطيع أن تحل مشاكل البطالة و الفقر و الجوع...
و العلمانية لا تستطيع ان تحل مشاكل التعليم و البحث العلمي...
العلمانية لا تستطيع ان تحارب الفساد و الافساد....
العلمانية لا تملك الآلية الواضحة لحماية الدولة المدنية و دولة المواطنة و القانون...
و العلمانية لا تستطيع أن تحل مشاكل التنمية الاقتصادية ..
و العلمانية لا تستطيع ان تحل حتى الخلافات السياسية بين التيارات العلمانية نفسها...
إذاً ما هو الحل....؟؟ و ما هو المصطلح البديل ..؟؟
إنه المشروع الوطني للنهوض الذي سيكون القاطرة للوصول الى " الدولة المدنية " هذا المصطلح الذي يوافق من حيث الجوهر مصطلح " العلمانية الليبرالية " الموجودة في بعض الدولة الأوروبية الديموقراطية و كندا و استراليا و ماليزيا...و غيرها .وان استبدال هذا المصطلح "العلمانية "بمصطلح " الدولة المدنية " سيوافق و يساير بشدة مجتمعاتنا المتدينة .
إن السوريين و بعد كل هذه الدماء و بعد كل هذه التضحيات و بعد كل هذا الخراب و الدمار آن لهم أن يقتنعوا لا بل يجب أن يقتنعوا أنهم محكومون بالعيش المشترك , و تربطهم المصلحة المشتركة , و أثبتت الأحداث المؤلمة أنه لا يمكن لطرف أن يلغي طرفاً آخر و اثبتت أيضاً أن كل الاطراف الخارجية التي تدخلت في الكارثة السورية كانت أطرافاً تسعى لمصالحها الخاصة و كانت تعبث بدمائنا في خدمة مشاريعها هي .. علينا أن ندرك أننا جميعا كنا و ما زلنا في مركب واحد, و أن غرق ذلك المركب هو غرق للجميع , لذلك كان لزاماً علينا نحن السوريين أن نبحث عما يوحدنا ألا و هو المشروع الوطني الذي يجعلنا نحافظ جميعاً على بقاء هذا المركب و على مساره و على قوته , مشروعا عابراً للطوائف و عابراً للأحزاب .
المشروع الوطني النهضوي ,الذي يقوم على دعامتي الاقتصاد و السياسة .
الدعامة الاقتصادية : بالتنمية الاقتصادية الشاملة التي تأخذ شكل النمو الأفقي ( و هذا له شرحه الاقتصادي الطويل )
و الدعامة السياسية : التي تعتمد على وجود الفضاء السياسي الحر الذي يستوعب كل التيارات السياسية الوطنية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.( أيضا لهذا شرحه الطويل في مشروعنا الوطني...)
و عندما يتم وضع الأسس لانطلاقة المشروع الوطني السوري سيكون المدخل الذي سيوصلنا الى الدولة المدنية التي تتمتع بانطلاقة مشاريعها :
المشروع الوطني لتطوير الثقافة ....المشروع الوطني لتطوير التربية و التعليم.......المشروع الوطني لتطوير التعليم العالي و الجامعي...المشروع الوطني لتطوير الرياضة....المشروع الوطني لتطوير الاعلام....المشروع الوطني لتطوير البحث العلمي ....المشروع الوطني لتطوير العمل الاداري....المشروع الوطني لاعادة الاعمار..
المشروع الوطني لتحديث الجيش الوطني و تطويره... ..المشروع الوطني لاعادة الكفاءات العلمية التي هاجرت او هجرت.....و غيرها الكثير...الكثير
إن الدولة الوطنية المدنية المنجزة بمشروع وطني حقيقي هي القادرة على استيعاب كافة الطوائف و الأديان و لكن الأديان و الطوائف مهما علا شأنها هي غير قادرة على استيعاب الدولة الوطنية...
الدولة الوطنية المدنية المنجزة بمشروع وطني هي دولة المواطنة و القانون ...القانون الذي يحمي خيارات الجميع التي لا تسبب أي ضرر للمجتمع ...خياراتك الدينية او اللادينية خياراتك الفكرية ...و حريتك الشخصية...
في الدولة الوطنية المدنية المنجزة بمشروع وطني حقيقي يعود الدين الى صفائه و روحانيته و يصبح رجل الدين أكثر ايمانا و أكثر روحانية ..أي أن الدولة الوطنية بمشروعها الوطني هي رصيد حقيقي لكل الأديان بدون استثناء....الوصول الى بناءالدولة المدنية المنجزة بمشروع وطني نهضوي سيتيح للإسلام الفرصة حتى ينعتق من طوق التسييس والأدلجة الذي يكبله به دعاة الإسلام السياسي، وبالتالي تعاد له روحانيته التي انتزعت منه بسبب عملية التسييس.
الدكتور علي مخلوف
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية