رواية (ساق البامبو): ثنائيات الحياة المرَّة
عماد الدين إبراهيم - خاص فينكس
الفضاء الزماني لرواية ساق البامبو للكاتب الكويتي سعود السنعوسي يمتد بين عامي 1988 – 2011، أي بين العقدين، العقد الأخير من القرن العشرين، و العقد الأول من القرن الحادي و العشرين، و الفضاء المكاني بين بلدين مختلفين من كل النواحي ، الكويت و الفيليبين، بطلها ( عيسى راشد الطاروف، خوسيه، هوزيه ) بأسمائه المتعددة التي تعكس جوانب شخصيته المتنوعة و المختلفة حدَّ التناقض، أما الفضاء الفكري لبطلها عيسى فهو خليطٌ متنوع من الأفكار و الهواجس و المعتقدات و الرؤى و الأحلام، تتجاذبها عناصر مقتطعة من قرنين مختلفين، و مكانين و بيئتين مختلفين، بما فيهما من أديان و عقائد و سكان و قبائل، في كل هذا الخضم يسعى - بل يُدفع عيسى – هوزيه لتحقيق حلم أمه الذي صار حلمَه بالعودة إلى وطن أبيه، أرض الحلم و الجنة الموعودة، عيسى ثمرة الحب غير المتكافئ بين الخادمة الفيليبينية جوزفين التي تخدم للحصول على المال لترسله إلى عائلتها حتى تتحسن أوضاعها المالية، و سيدها راشد عيسى الطاروف سليل العائلة الكويتية الغنية و الرفيعة و ذات المكانة المرموقة في المجتمع، و الذكر الوحيد الذي يحمل على عاتقه مهمة استمرار هذه السلالة.
لقد عولج هذا الموضوع كثيراً في السينما الهندية و العربية، حتى بات ممجوجاً و غير مقنع، لكن أسلوب تناوله في هذه الرواية يشكل بصمة مميزة للمؤلف، حيث استطاع من خلالها تعريف القارئ بكل جوانب و خفايا الحياة الاجتماعية في الكويت بلد التنوع و المتناقضات و النفاق الاجتماعي، حيث تلعب العادات و الأعراف دوراً أقوى و أهم من تعاليم الدين، " الأديان أعظم من معتنقيها هذا ما خلُصتُ إليه ، البحث عن شيء ملموس لم يعد يشكل هاجساً لديَّ " ص 299.
في الكويت حيث المال الكثير، و السلام المجاني في الشوارع من خلال تحية ( السلام عليكم ) التي تُقال حتى في حال عدم وجود معرفة شخصية بين مَن يتبادلونها، و التي تخدع البطل ( عيسى ) فيظنها تعبِّر عن حقيقة السلوك و المعاملة بين أفراد المجتمع على اختلاف أصولهم، ليكتشف أنها لا تتعدى الشفاه، و هي عند المحك هشَّة و مخادعة و زائفة، في بلد المفارقات الاجتماعية و التناقضات، البلد الذي يتقبلك كغريب طارئ، و يرفضك بحقد إذا ما حاولت أن تكون فرداً من أبنائه، فالوطن واسعٌ بضيقٍ و ضيِّقٌ باتساع لأنه وطن المتناقضات.
يقول : " حاولت أن أختزل وطني في أشخاص أحبهم فيه، و لكن الوطن في داخلهم خذلني " ص 304، و يعترف بانكسار: " الكويت حلمٌ قديمٌ لم أتمكن من تحقيقه رغم وصولي إليها، و سيري على أراضيها، الكويت بالنسبة لي حقيقة مزيفة أو زيف حقيقي " ص 324.
هذا ما واجهه عيسى حين عاد إلى بيت جده لأبيه، بعد أن قضى طفولته مع أمه في الفيليبين، و عاش و ربَّتهُ أمُّه على حلمِ العودة إلى الكويت بلد أبيه، لتبدأ معاناته النفسية، يقول : " لأول مرة أشعر باللاجدوى ، حلمي القديم ، الجنة التي وُعِدتُ بها ... سفري ... المالُ الذي بات يفيض عن حاجتي ... ماذا بعد ؟ في بلاد أمي كنتُ لا أملك شيئا سوى عائلة، في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة " ص 303 ، فعائلة أبيه لا تتقبله لأنها تعتبره ـ كما كانت تعتبر أمه من قبل - لعنة، وصمةَ عارٍ عليها، لأنها عائلة الطاروف و ما أدراك ما عائلة الطاروف، تبوح خولة أخت عيسى من أبيه بحزن و ألم قائلة : " الطاروف شبكة يستعملها الكويتيون لصيد السمك، و نحن أفراد العائلة عالقون بهذا الطاروف، باسم عائلتنا، لا نستطيع تحرير أنفسنا منه، و ليس باستطاعتنا الحركة الا بمقدار ما تسمح لنا به هذه الشبكة، .... عيسى أنت محظوظ أنت حر ." ص 349.
لقد استطاع مؤلف الرواية أن يصور لنا المجتمع الكويتي بكل تفاصيله و تناقضاته بعين الكاتب الدقيقة، الموضوعية، البعيدة عن التحيُّز و إطلاق الأحكام، صوَّر المجتمع بما له و بما عليه، بسلبياته و إيجابياته، و قدم نماذج من هذا المجتمع سلبية مرتهنة للعادات و الأعراف، و أخرى إيجابية متعاطفة مع حالة هذا الابن المنبوذ من قبل بعض أفراد عائلة الطاروف، و حتى في تناوله للمعتقدات الدينية لعيسى – هوزيه، كان منطقياً و موضوعياً، بعيداً عن التعصب، عيسى نشأ مسيحياً، انجذب إلى البوذية في بلده الفيليبين، و صار مسلماً في الكويت، جمع إيجابيات هذه العقائد في شخصه، بعكس معتقدي هذه الأديان البائسين، المتعصبين، الذين يرددون مبادئها و لكن لا يعملون بها.
نجح الكاتب في تحليل نفسية البطل الممزقة و المتشظية بين وطنين و مجتمعين و عائلتين و عقيدتين، و وضعين ماليين مختلفين جذرياً الفقر و الغنى، و عاطفتين تجاه ميرلا ابنة خالته و تجاه خولة أخته، كما صوَّر لنا معاناته من هذه الثنائيات المجتمعة في شخصيته.
رواية ( ساق البامبو ) لسعود السنعوسي جديرة بالقراءة، تجذبنا إلى تفاصيلها، تضعنا وجهاً لوجه أمام مجتمعاتنا الممزقة، المتناقضة، المتعصبة تحت ستارٍ واهٍ من الحديث عن الوحدة و المحبة و قبول الآخر، و ترديد حديث " لا فرق بين عربي و عجمي إلا بالتقوى "، في حين تفعل فينا الفوارقُ و التمايزاتُ فعلَها لتفرِّقَنا إلى عائلات و طوائف و مذاهب و طبقات، تضعنا الرواية أمام تحدٍّ ضروري يفرض علينا تجاوز هذه الفوارق لنكون فعلاً منسجمين مع ما نردد من مبادئ أخلاقية و قيم إنسانية .