الوصايا العشر لتصبح "مفكِّراً شعبويَّاً" في خمسة أيام
لا بد أنك شاهدت على بسطات الكتب في شوارع دمشق كتباً من نوع (تعلم الإنكليزية في خمسة أيام دون معلم).
أن تصبح مفكراً شعبوياً خلال أيام ودون معلم، يشبه تعلم لغةٍ أجنبيةٍ خلال أيامٍ بلا معلم.
الأمر بسيط، ولا يحتاج إلى مالٍ أو جهدٍ كبير.. بضع خطواتٍ سهلةٍ مدروسةٍ و مضمونة النتائج، بعدها سيتم تكريسك مفكراً كبيراً، و تطويبك جهبذاً نحريراً يشار إليك بالبنان.. لك جمهورك الذي ينتظر طلَّتك البهيةَ على الشاشات كما ينتظر المراهقون نجمهم السينمائي المفضَّل، و يلهث معجبوك خلفك من مكانٍ إلى آخر ليستمعوا إلى ما ستقول، و سيكون محظوظاً من يستطيع التقاط صورة "سيلفي" معك.
وإليك عدد من الوصايا ،إن أخذت بها لن تضلَّ، وستتسلق بسهولة سلَّم المجد والشهرة قفزاً، فالتسلق إحدى أهم صفات المفكر الشعبوي النحرير.
١- قم باستعراض الواجهة السياسية الاقتصادية في المجتمع، أي مجتمع، و ضع قدمك في حذاء تيارٍ فكري أيديولوجي أو سياسي رائجٍ. ثم تبنَّ مقولاته في مقالاتك، ودافع عنها أمام قواعده الشعبية لتدجينها على القبول والتسليم لا النقد والمراجعة.
٢- تمسَّح برجل سلطةٍ ثريٍّ لديه وسيلة إعلامية، وانبطح أمام جبروته و ثروته، قدِّس أفكاره، واحفظ أقواله، و أظهر إعجابك بفصاحته، ولباسه، و مشيته، و ضحكته، وصفِّق له بمناسبة و بدون مناسبة.
وخلال أيام قليلة ستجد نفسك مثل (الراكور) في وسائل إعلامه، فلا برامج تبدأ إلا معك، ولا نشرة أخبار بلا اتصال بك، و لا مقال يشغل أوسع مساحة في الصفحة الأولى من صحيفته إلا مقالك.
٣- أكثِر من استخدام الكلمات و المصطلحات التي تنتهي بالجذر اللغوي اللاتيني (logy)، مثل : "سوسيولوجي، ابستمولوجي، اكسيولوحي ،غنوزيولوجي، فينومينولوجي، بيداغوجي".. ولا تنسَ مصطلحَي (إيديولوجي، و بسيكولوجي)، لأن مثل هذه المصطلحات هي عدَّة شغل أي مفكرٍ لضرورات التعمية على جهله، في حال كان هناك من يحاول أن يفهم ما تقول.
ولا بأس من الإكثار من كلمتي (العرض) و (الطلب) حين تتحدث في الاقتصاد، فمن غير المعقول أن نتحدث عن الرأسمالية بلا سوقٍ يقوم على العرض والطلب، وإن استطعت أن "تدحش" اسم"كينز" أو "آدم سميث" في حديثك فقد تصبح مدير بنك في وقت قصير.
٤- تذكّر أن الحداثة قصيرة العمر، و أنها مياه جارية لا تسمح للأفكار بالترسب في قاعها الخفيض، لذلك اتجه إلى الماضي، فالأصالة لا تكون إلا فيه، و تناول أحد التابوهات المعنِّدة، واشتغل عليها.. الدين مثلاً هو "تابو" قديم عابر للأزمان، وهو المقابل لتابو الجنس، ومن خلال ثنائية الدين والجنس، أو المقدس/المدنَّس ستكون لديك رافعة لكثيرٍ من الأفكار، تسمح لك بمعاينة التاريخ، باعتباره قارب التصورات، و بغل أحمال الوقائع، الزائف منها أو الحقيقي على السواء.
٥- ضع فرضية، و ارقد عليها، كما ترقد دجاجة فوق بيضها، ستبيض فرضيتك فرضيات أخرى، عندها ادحض ببراعة فكرة أو واقعة، و إئتِ بنقيضها، ثم ألبِس الواقعة ما تفترض أنه مناسب لها. بعدها انسب لنفسك كل ما ورد في كتب القدماء من رؤى لم يؤخذ بها في حينها. ولا تخفي ذكائك كما تخفي ملابسك الداخلية، بل تفاخر بذكائك، و بما تعرف وبما لا تعرف.
٦- لا تتعب نفسك بالبحث عن أفكارٍ جديدةٍ ، تاجر في البضاعة الرائجة، وكن قومياً مع القوميين، و ماركسياً مع اليساريين، و يمينياً مع المحافظين، ومتشدداً مع المتدينين، وعلمانياً مع الليبراليين.
خالف تُعرف، و دافِع عن الأصالة بأفكار ابن رشد، و عن المعاصرة بأفكار ابن تيمية، وتحدث عن أهمية المصادفة في الحتمية التاريخية التي لن تفضي إلا إليك.
٧- تجاهل جهود الجميع، و سفِّه كل المبادرات، وانتقد الجميع.. لا تثنِ على أحد، ولا تعترف بفضل أحدٍ سوى فضل من يموِّلك ويرعاك.. اشتم بكثرة ولا تستثنِ أحداً، فالشعبوية تحب الشتَّامين، اشتم من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، و من أسفل إلى أعلى، و بالعكس لتكون صورة صادقة عمَّن يدعمك و يشغِّلك، وتزرع الرعب في قلوب منظِّري الضفة الأخرى من المفكرين و المحللين.
٨- اعتمد في تحليلاتك وأدلتك على ثلاثة أشكالٍ من الأكاذيب : الأكاذيب العادية التي يألفها الناس بحيث تثبت أنك مفكر عضوي مُنتمٍ إلى قطيعه الاجتماعي، و الأكاذيب المدروسة التي يجب أن تسندها إلى مصادر مطلعة، والإحصائيات المفبركة التي عليك أن تنسبها إلى مراكز أبحاث أجنبية محظور على الناس العاديين معرفة اسمها أو مكانها.
٩- كن مستعداً لتبديل جلدك الإيديولوجي أو السياسي بحسب اتجاه الريح، و أدرج ذلك تحت عنوان المراجعات النقدية الذاتية.. راقب الشارع، وانتبه لتيارٍ صاعدٍ مدعومٍ من الخارج و يتلقى أموالاً.. بادر لتكون في صفوفه وهو لن ينساك إذا "نقشت" معه و وصل إلى الحكم.. و إذا رأيت سياسياً تروِّج له وسائل إعلام الغرب فامسك بسطل الدهان وقم بدهنه و تلميعه، ودبِّج فيه قصائد المديح، فقد تصبح مستشاره الخاص في يومٍ ما.
١٠- كن بارعاً في التبرير عند الانتقال من تيار فكري أو سياسي إلى آخر، اعتنِ بعقدة ربطات العنق و ألوانها، لأنها بمثابة شيفرة سريِّة تتضمن رسائل لا يمكن التعبير عنها بالكلام.
ولك أسوةٌ حسنةٌ في كثير من المحللين و المفكرين الشعبويين اللبنانيين الذي يصدِّعون رؤوسنا على شاشات التلفزيون منذ عشر سنوات.. ويستمرون.. ويستمروون.. ويستمرووووون.