في بارانويا المثقف
يحيى زيدو- خاص فينكس
ألا تعرف من أنا؟
ألا ترى مع من تتحدث؟
مهلاً انتبه لحديثك....
جملٌ وعبارات سمعناه مراراً من أشخاص عرفناهم، أو عرفنا عنهم، وكثيراً ما نصادفهم في حياتنا اليومية. هؤلاء الأشخاص يمكن اعتبارهم من المصابين بأحد أشكال الجنون المسمى "بارانويا" أو جنون العظمة.
"البارانويا"، أو جنون العظمة، مصطلح مشتق من الكلمة الاغريقية (megalomania)، التي تعني وسواس العظمة، لوصف حالة وهم الاعتقاد لدى الأفراد الذين يبالغون في وصف أنفسهم بما يخالف الواقع، ويزعمون امتلاك قابليات استثنائية، وقدرات مميزة، وعلاقات هامة ليس لها وجود في الواقع.
والبارانويا حالة ذهانية (مرض عقلي) وإن لازمت أعراضه بعض الأعراض أو الأسباب النفسية والاجتماعية. وقد تعدى استخدام هذا المصطلح الاستعمال الطبي إلى وصف حالات متعددة في السياسة والأدب والفن والإعلام، وغير ذلك.
ولعل أخطر الذين يصابون بهذا المرض هم المثقفون، أولئك الذين يعملون في مختلف حقول الأدب والفن والإعلام. ومنبع الخطورة هنا، أن المصاب بجنون العظمة من المثقفين هو، بشكل أو بآخر، مؤثر في صياغة الوعي الجمعي، وفي الرأي العام. وبالتالي فإن إصابته تصبح مرضاُ اجتماعياً بقدر ما هي إصابة شخصية.
وهناك صفات تجمع بين المثقفين المصابين بالبارانويا أو جنون العظمة، من أبرزها:
- النرجسية: المثقف البارانويي يعشق ذاته المتورمة التي لا يرى فيها سوى نفسه. فهو لا يرى الآخرين، ولا يخطئ ولا يعترف بالخطأ، وعوده تسويف ومماطلة، ينسب لنفسه الفضائل كلها، ويقوم بتوزيع الرذائل على الآخرين بحسب درجة عدائه لهم. هو العارف وهم الجاهلون، هو الصادق وهم الكاذبون، هو المبدع وهم المقلِّدون.
- الارتياب: هذا النوع من المثقفين يرتاب في كل شيء و بكل شخص، لا يثق بأحد، ويعتقد بأن الآخرين يستغلون علاقتهم به. الارتياب (doubt)هنا يدفع إلى التعصب وعدم اليقين، بعكس مصطلح (sciptism) الذي يعني الشك المنهجي المؤدي إلى اليقين. و عنده أن كل الناس متَّهمون، و موضع شبهات، ولذلك ترى هذا المثقف يعمل على وضع الآخرين في موضع الاختبار الدائم، وإجراء التقاطعات بين المواقف من أجل اكتشاف عنصر المؤامرة تحت عنوان: "القراءة بين السطور"، لكنه في الحقيقة لا يقرأ سوى ما تضمر نفسه الأمارة بالسوء والريب.
-الغرور: قيح النرجسية لن ينتج سوى الغرور الذي يجعل هذا المثقف (يؤله) نفسه، لدرجة الاعتقاد بأنه مخلِّص البشرية، فهو المبدع الوحيد، والخالق الصانع المتفرد لقيم الحق والخير والجمال، لذلك فهو لا يقبل النقد، ولا يسمح بالنقاش الذي لا يجيده في الأساس. يسفه كتابات الشباب، ويذم كتابات أبناء جيله. وإذا ما تنازل ليتحدث إلى غيره فإنما يفعل ذلك من موقع التعالي والأستذة.
- التسلط و العصبية: كلامه أوامر، يحب التبجيل و التعظيم في كل لحظة. في داخله "نابليون" أو "ديكتاتور" صغير يحتاج إلى ثلاثة حمقى يصفقون له حتى يضع يده على كرشه ويقول: الآن سأبتلع العالم.
يغضب بسرعة، ويعتقد أن الناس لا يقدّرون عبقريته، ولذلك فهو لا يسامح بل يعيش حالة حقد دائمة.
- نمّام وسوقي: لا يوفر أحداً في أحاديثه، فكل الناس عنده أشرار وأغبياء، وإذا لم يعثر على نقيصةٍ لأحدهم يقوم باختراعها وتسويقها لإثبات طهرانيته الزائفة. ولا يتورع عن استخدام العبارات السوقية لإسكات الآخر أو إحراجه، وأحياناً يستخدمها للفت النظر إليه في الأماكن العامة، لديه قاموس من الشتائم والكلمات البذيئة لكل من يعتقد أنه خصم له. لا مقدسات لديه سوى ذاته، يستعذب انتهاك مقدسات الآخرين الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى العائلية.
- الاستعراض والابتذال: هذا النوع من المثقفين يتحدث بصوت عالٍ غالباً، ويحاول لفت النظر لدى دخوله وخروجه. وفي طريقة جلوسه، وتدخينه، وحتى في شرب كأس الماء.
الأنثى بالنسبة له هدف دائم لأسباب جنسية، فلا امرأة مبدعة في نظره، وكل النساء، عنده، بلا عقل لأنهن جسد فقط في نظره، ويحاول البرهنة دائماً على أن كل النساء المبدعات إنما وصلن إلى الشهرة بسبب الخدمات الجنسية التي يقدمنها لبعض النافذين أو المتمولين. المرأة بالنسبة له هدف جنسي دائم، يتباهى بعدد معجباته اللواتي سيكنَّ ضحاياه بعد فترة.
- المكر والخِسَّة: يجيد نصب الأفخاخ، و"طق البراغي"، ويتلذَّذ حين ينجح في ذلك لكنه يدَّعي البراءة.
متعجرف أمام الناس، متزلَف حين يتاح له ذلك، مسَّاح جوخ من الدرجة الممتازة، لا يتورع عن تقبيل يد أو رجل نافذ أو متموِّل، لكنه يزعم أمام الناس أن صاحب النفوذ أو المال هو الذي يسعى إليه.
- العناد والكذب: المثقف البارانويي عنيد، لا يتزحزح عن فكرته، يبحث دائما عما يدعم فكرته ويسفه فكرة الآخر، وقد يصل في عناده إلى درجة عدائية تجعله يفعل ما يؤذي كل من يخالفه الرأي. وهو إلى جانب ذلك كاذب من الطراز الرفيع، يكذب في كل شيء حتى في التحية والوداع، والضحكة والدمعة، في الفرح و الحزن..
المثقف المصاب بالبارانويا قد يكون لديه معارف واسعة وعميقة، وقد تكون معارفه سطحية وضحلة، ليس هذا بذات أهمية، لأن الحاضنة التي يضع فيها معارفه هي الكذب.. الكذب دائما وفي كل شيء.
قبل عقدين من الزمن على الأقل، كنا نستطيع أن نشير إلى حالات بعينها لمثقفين أصيبوا بجنون العظمة. لكننا اليوم نستطيع أن نتحدث بثقة عن قاعدة واسعة، لهرم الثقافة، من مثقفي البارانويا في مقابل قمة الهرم الصغيرة، بالقياس إلى القاعدة، التي تجهد كي لا تسقط إلى القاعدة، وهي ما زالت قادرة على تقديم صورة المثقف كما يجب أن تكون.
و ما زال مثقفو البارانويا مكشوفون، و يتمددون.. لكنهم يستحقون الشفقة.