كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين قصيدة النثر و القصة القصيرة جداً تنظير بارع و نصوص سقيمة..

عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:

يلاحظ المتابع للمشهد الثقافي العربي المآل الذي وصل إليه هذا المشهد من تدنٍّ و انحدارٍ و إسفاف، بعد أن تم تدمير الهيكل ـ المقصود به قواعد و ضوابط الكتابة الشعرية العروضية ـ على رؤوس اللائذين به، و وصمهم بالتخلف و الجمود و البعد عن الحداثة و التجديد، حتى بات الاستسهال سمة أساسية لمعظم الكتابات التي تندرج تحت جنس الشعر (شعر حر، شعر تفعيلة، قصيدة نثر،... الخ).

هذه النزعة من التمرد طالت النثر أيضاً، فلم يسلم منها، و تم ابتداع ما يسمى "القصة القصيرة جداً"، و هي نوع من الرجم لقواعد كتابة القصة المتعارف عليها، و التبرير للاستسهال، حيث كتابة سطر أو سطرين، أو كتابة نكتة سخيفة، تعني قصة قصيرة جداً (ق ق ج).

إذا عدنا إلى المبررات النظرية و التنظيرية لهذه الموجات من التمرد و الرغبة بالتجديد و الخروج على المتعارَف عليه، نجدها مبرراتٍ مقنعة ًو منطقية، لا بل  ضرورية، و إذا ما قرأنا السمات و المزايا التي يجب أن تتمتع بها هذه النصوص "شعراً أو قصة" فإننا نُكبرها و نُجلها و نًقدرها، لِمَ فيها من معانٍ جليلةٌ و مقاصدُ نبيلةٌ غايتُها الارتقاءُ بالنصِّ الإبداعي، و لكنْ حين نصل إلى ما نتج عنها من نصوص هزيلة و سقيمة و مسفة – و هي النسبة الأكبر - فعلينا عندئذ أن نعيد النظر في تقديرنا لها، و أن نعيد تقييمنا لهذه التنظيرات، ما لها و ما عليها، حتى تعود الأمور إلى نصابها كما يُقال، و يعود الإبداع الحقيقي إلى النص الأدبي، و قد قرأنا عن الكثير من رواد الحداثة الذين اعترفوا بالمآل السيئ الذي وصلت إليه حالتنا الثقافية، بسبب تحطيم تلك القواعد، مما أدَّى إلى استسهال الخوض في الكتابة لكل عابر سبيل و دعيٍّ و أميٍّ.

إن شروط قصيدة النثر، كما رأت الكاتبة الفرنسية سوزان برنار، هي: «الإيجاز و التكثيف، والتوهج، و الإشراق و المجانية»؟، و لاقاها من الجانب العربي الشاعر اللبناني أنسي الحاج الذي قدم بيانه الشعري في مجموعته التي حملت عنوان "لن" و صدرت عام 1960 حيث تبنى هذه الشروط، و أضاف إليها الوزن الحر و الموسيقا الداخلية، و دعا إلى "القصيدة المارقة"، و قال إن من أولى الواجبات للشاعر الحداثي – المتمرد: التدمير، "حتى يستريح المتمرد إلى الخلق، لا يمكنه أن يقطن بركانا، سوف يُضيِّعُ وقتا كثيراً، لكنَّ التخريب حيوي ومقدس".

مبرره كما يرى أننا عشنا "ألف عام من الضغط، ألف عام و نحن عبيد و جهلاء و سطحيون. لكي يتم لنا خلاص علينا – و يا للواجب المسكر!- أن نقف أمام هذا السد ، و نبجَّه"، و يختم بيانه الشعري بالقول: "نحن في زمن السرطان: نثراً وشعراً وكل شيء. قصيدة النثر خليقة هذا الزمن، حليفته، ومصيره - خريف 1960"، الآن بعد مضي أكثر من ستين عاماً على ذاك البيان نقول إن قصيدة النثر حليفة و ابنة زمن السرطان، و قد فعل فعله فيها و في المشهد الشعري العربي، فهل كان قوله ذاك "نبوءة" عفوية و غير مقصودة لِمَ سيحلُّ في مشهدنا الثقافي عامة و الشعري خاصةً؟!

و إذا جئنا إلى مبررات و تنظيرات الـ"ق ق ج" و هي: التكثيف، اختزال الأحداث، مركزية الحدث، ابتعادها عن الإطالة والوصف، التلميح، التصوير الومضي، نجدها متشابهة جداً مع تنظيرات "قصيدة النثر" و "الشعر الحر"، كما أن مبررات اللجوء إلى هذا النمط من الكتابة – اجتماعياً و ثقافياً و سياسياً و اقتصادياً ... الخ – واحدة، و هذه السمات عامة، ضبابية، واسعة و مترهلة، تفتقر إلى قواعد القياس الدقيقة و المنضبطة، لا بل إنها فتحت الباب للفوضى في الأدب، حيث انعدمت المعايير، و تساوى الصالح بالطالح، و دخل مجال الكتابة الأدبية من لا يجيد اللغة السليمة، و لا يعرف شيئاً عن الوزن و القافية، و معروف أن البنيان العظيم الذي يسعى للخلود، لا بد له من قواعد دقيقة تجعله عصياً على التدمير و السقوط.

إن ما قلناه سابقاً ليس دفاعاً عن الانغلاق، أو دعوة للتمسك بالتقليد السطحي و النظم السقيم الخالي من التجديد في الرؤى و الصور المدهشة للقارئ، أو للابتعاد عن التجديد الحقيقي الذي يقدم نصاً جديداً و جميلاً و مُتقناً، إن العيوب و المآخذ التي طالت الشعر التقليدي ذا الوزن و القافية، أو القصة القصيرة بمقوماتها المتعارَف عليها، قد طالت أيضاً الشعر الحديث و الـ"ق ق ج" و لكنَّ الأخيرَين زادا عليها الجهل باللغة و الاستسهال، و هاتان السمتان قد طغتا مؤخراً على المشهد الثقافي، شعراً و نثراً، و الإعلامي و التعليمي أيضاً، و لم يسلم منهما إلا من رَحِم ربي، و بالمقابل لا نرى في التمرد و الرغبة في التخريب و الهدم تحت عنوان الدعوة للتجديد أيَّ إبداع، طالما أنه لم يقدم لنا نتاجاً إبداعياً أسمى و أرقى من الموجود و يتفوق عليه.

قال الشاعر الأمريكي – الانكليزي توماس ستيرنر إليوت صاحب قصيدة "الأرض الخراب" التي كان لها تأثير كبير على حركة الشعر العربي الحديث، قال في كتابه "فائدة الشعر و فائدة النقد": "إنّ جِدّة الشِّعر لا ترتكزُ على العواطفِ التي يعبّرُ عنها بلْ ترتكزُ على قدرته في هزِّ الوعي السّائد بواسطة أبنية جديدة تحطِّمُ النُّظُم التقليدية، لكن يجبُ ألا يؤدّي ذلك إلى نوعٍ مِنَ الحريّة المَقيتة"، و أكد أن الفن العظيم هو الذي يُثبت وجودَه بقدرةِ إقناعِه كَفَنٍّ، وليس بما يُضفَى عليه من تصوراتٍ فكريةٍ مفضوحة لم تجد طريقها إلى التعبير الأصيل، و هذا ما وقع فيه شعرنا الحديث و الحداثي، و نثرنا من الـ"ق ص" إلى "ق ق ج" حيث نقرأ التنظير الفخم و الجميل و المدهش، يَنتُج عنه نصٌّ فقيرٌ سقيمٌ مقلِّدٌ ومُدَّعٍ، فانفتح الباب على مصراعيه على الفوضى الأدبية غير الخلاقة.

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية