كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"إيكولوجيا الحرية": اشكالية العلاقة بين البشر و الطبيعة

يحيى زيدو- خاص فينكس

أين تخاصمت البشرية مع الطبيعة؟ ومتى انفصلت إحداهما عن الأخرى؟

محاولة الإجابة على هذين السؤالين، و مآلات المعرفة المتأتية منها، شكلت مضمون كتاب "إيكولوجيا الحرية" للفيلسوف الأمريكي "موراي بوكتشين"، ترجمة متيَّم الضايع، الصادر عن دار نقش مؤخراً.

يتألف الكتاب من مقدمة و اثني عشر فصلاً و خاتمة، في(726) صفحة.منشورات نقش / Weşanên Neqşê - Photos | Facebook

يبحث الكتاب في كيفية إمكان قيام مجتمع حرّ  على  قاعدة مبادئ إيكولوجية تتوسط العلاقة بين البشر و الطبيعة من منظور إيكولوجي شامل.

ينتقد "بوكتشين" التحليل المتمحور حول مفهوم "الطبقة" والأشكال الأخرى المعادية لفكرة الدولة. و يرى أن الاستخدام العشوائي للمصطلحات يؤدي إلى تبسيط خطير للواقع الاجتماعي؛ فاستخدام مصطلحات، "التسلسل الهرمي" و "الطبقة" و "الدولة" بالتبادل، هو نوع من المكر الذي يحاول إخفاء وجود علاقات هرمية تؤدي إلى فقدان الحرية في حال وجود إكراه سياسي، وعدم استقلالية اقتصادية.

إن "إيكولوجيا الحرية" هي التوليفة التي ينبغي أن تبقى راسخة في التاريخ، وفي تطور العلاقات و المؤسسات الاجتماعية، وفي الوعي بالتقنيات المتغيرة والهياكل السياسية. و في هذا المستوى يمكن لما "يجب أن يكون" أن يصبح "لا بد أن يكون"، إذا أرادت البشرية أن تنجو بالتركيبة البيولوجية التي تنبني عليها.

فالتسلسل الهرمي ليس مجرد حالة اجتماعية، بل هو وعي وإحساس بالظواهر في أي مستوى من مستويات التجربة الشخصية الفردية، أو الاجتماعية الإنسانية.

في المجتمعات العضوية يتم النظر إلى اختلافات الأفراد و العمر والجنس و الظواهر باعتبارها وحدة اختلافات أو "وحدة تنوع"، وليس بوصفها تسلسلاً هرمياً. هذه النظرة الإيكولوجية تستند إلى جملة القيم المؤثرة في سلوك الأفراد ضمن جماعتهم الاجتماعية و في الطبيعة على السواء. تلك المجتمعات العضوية التي ستتحول لاحقاً إلى أشكال أقل تقليدية من ناحية التمايز والتراتبية الطبقية، وهذا ما أدخلها في تسلسل هرمي، أو مجتمعات هرمية طبقية وسياسية بشكل خاطئ وغير متكافئ.

و في هذا السياق، يمكن أن نلاحظ العلاقات بين الرجال والنساء في ثقافات الصيد القديمة، وكيف أن السمو الاجتماعي للرجل كان سمواً مرتبطاً بفرَق البحث عن المؤن، بالمقارنة مع أعمال البستنة التي كانت عملاً نسائياً محضاً. فالصياد العدواني الذكر، و جامعة الطعام الأنثى شكّلا مضمون الصورة المتطرفة التي التقطها وتوقف عندها علماء الأنثروبولوجيا.

إن إنكار وجود مؤثرات كامنة بين الصياد الذكر، الذي كان عليه أن يقتل من أجل الغذاء، ويشن الحرب على غيره من الذكور من جماعات أخرى، وبين الأنثى التي كانت تبحث عن الطعام قبل أن تزرعه، من شأنه أن يصعِّب كثيراً معرفة سبب ظهور النظام الأبوي بنظرته العدوانية و القاسية.

فعندما تزايد عدد اللواتي يعملن في البستنة، و صارت الأرض الزراعية شحيحة الموارد، ازدادت احتمالية نشوء الحروب. وهنا بدأ المحاربون الشباب يحصدون الشهرة الاجتماعية ويتمتعون بمزاياها السياسية التي جعلتهم رجالاً كباراً في الجماعة، يشاركون الرجال الأكبر سنَّاً في السلطة، ومع ذلك ففي تلك الفترة بقيت التقاليد الأمْوية (من الأم) والأديان و الأفكار متعايشة مع النظام الأبوي السائد حتى ظهرت الدولة.

إن ظهور الدولة هو نتاج تطور تاريخي، فقد ظهرت الدولة بموظفيها، و بيروقراطيتها، و جيوشها في وقت متأخر من تطور المجتمع البشري، بعد صراع طويل مع الهياكل الاجتماعية القائمة في الأحياء و المجتمعات وفي النقابات.. إلخ.

التنظيم الهرمي للدولة، والقائم على القيادة و الخضوع، أدى إلى تفوق "العقلي" على "الجسدي"، و أصبحت رؤية التنوع الاجتماعي تتم بمنظور هرمي يستند إلى فكرتي "الدونية "و "الفوقية".

تفرض الذهنية الهرمية على من هم "أدنى" التخلي عن متع الحياة، والكدح، والتضحية، و الشعور بالذنب، أما بالنسبة لمن هم "فوق" فإنها تمنح المتعة، و الرضا، و الصفح الدائم عن كل نزوة يمارسونها عملياً. وهذا ما سيؤدي إلى نشوء سلسلة تمايزات في القيم والأخلاق والأفكار، والحقيقة أن الحرية تفترض مساواة قامت أساساً على إنكار عدم وجود مساواة. فالجميع متساوون نظرياً أمام القانون، وفي تكافؤ الفرص، لكن ذلك يحجب فكرة أن الصغير و الضعيف و العاجز لا يحظى بالمساواة الحقيقية.

يحاول "بوكتشين" تحليل هذه الاختلافات و التمايزات، و تفسير الصراع بين عالم "الضرورة" وبين عالم "الحرية"، أو بين العالم الأعمى للطبيعة (الطبيعة الخارجية)، وبين العالم العقلاني للبشر (الطبيعة الداخلية)، مُتَلمِّساً امكانية استعادة المنطق العالمي الفطري، حتى من خلال آثاره القديمة شبه اللاهوتية. فالمنطق يوجد في الطبيعة كسماتٍ أو مادة ذاتية التنظيم؛ إنها الذاتية الكامنة في مستويات الواقع العضوية و اللاعضوية المتقدمة على السواء، و هي نتاج وعي متأصل، تكشف عن نفسها كوعي ذاتي أو "لوغوس" نقي.

بعد عشرة آلاف سنة من التطور الناقص، يرى "بوكتشين" أنه صار يتوجب علينا الدخول في التطور الطبيعي مجدداً، ليس بهدف النجاة من احتمالات كوارث ايكولوجية أو هلاك نووي، و إنما لإنعاش خصوبتنا في عالم الحياة.

إن تاريخ الحضارة، في الحقيقة، هو تاريخ الابتعاد عن الطبيعة، الذي تحول إلى خصومة مرعبة بين الحضارة و الطبيعة، ففقدنا بصيرتنا عن الغاية التي تجعلنا جانباً من جوانب الطبيعة من حيث المعاني المتضمنة فيها.

لقد افترضنا أن التطور الاجتماعي لا يحدث إلا على حساب التطور الطبيعي، وليس التطور الذي ينظر إليه ككلٍّ يشمل المجتمع و الطبيعة معاً. وهذه فرضية خاطئة لأنها جعلتنا أسوأ أعداء لأنفسنا.

إن انفصالنا العقلي، ولاحقاً انفصالنا الفعلي كمجتمع عن الطبيعة، كان بمثابة عملية "تشيؤ" أسقطناها على العالم، فلم تعد الأرض منبعاً للحياة بقدر ما أصبحت مقبرة للموتى الأبرياء.

لقد آن لنا أن نتخلص من صورة "الكافيتيريا" التي تدفع الطبيعة ثمناً للوجبات السريعة التي تقدمها، وأن نتخلى عن علاقتنا التعاقدية مع محيطنا الاجتماعي و الطبيعي، تلك التعاقدية القائمة على المفاضلة الدائمة بين الفائدة و بين التكلفة التي صارت عنوان الصفقات على مصادر الطبيعة. إن معنى أن تكون إنسانا في الجوهر يعني أن تكون طبيعياً.  لكن الحضارة المعاصرة هي حضارة عمياء تتعامل بكراهية مع الطبيعة و الحياة. والعلم صار إلهاً أعور لا يرى سوى ما يخدم حضارة الكراهية.

وتاريخ هذا الكوكب هو تاريخ الإنسان الذي كان ممتلئاً بالوعود والأمل والإبداع، وهو يستحق قدراً أفضل من ذلك الذي سيواجهه في السنوات القادمة، في ظل هيمنة الرأسمالية المتوحشة التي كانت الحاضنة التاريخية للتسلسل الهرمي منذ نشأته.

"إيكولوجيا الحرية"، كتاب يستحق القراءة، و و ربما  كان على الناشر أن يضع فهرساً بالمصطلحات التي يمكن للقارئ أن يعود إليها حين يعسر عليه التحقق من بعضها المترجم، خاصة وأن الكتاب مكتوب بلغة  أكاديمية رصينة فيها الكثير من المصطلحات و التعاريف الإجرائية..

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية