كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

«المعلم ومرغريتا» لبولغاكوف.. فانتازيا صاخبة لأقنعة الخير والشر

دعد ديب- خاص فينكس:

رائعة ميخائيل بولغاكوف «المعلم ومرغريتا» بترجمة هفال يوسف من منشورات الجمل لعام 2015 تعيد إلى الأذهان زمن العمالقة: ديستوفسكي؛ غوغول؛ بوشكين؛ وسواهم، زمن الأعمال الخالدة التي نعيد قراءتها بعد مرور أكثر من نصف قرن على إصدارها بدهشة فطرية متتالية لمتعة التساؤلات الوجودية الكبرى والمحاورات الفلسفية العميقة حيث يصدم القارئ منذ الصفحات الأولى بحوار أديبين من الماسوليت «اتحاد الكتاب» يناقشان وجود المسيح والشيطان بأيدلوجية مادية وسمت ذاك الزمن، ليحضر الشيطان بذاته ويبلبل قناعاتهم، ويهز ثوابتهم ويشكك بالمفاهيم السائدة ولتبدأ رحلة الشيطان مع شخوص الرواية وسط جو غرائبي مذهل، يندمج فيه الواقع مع الخيال، الأموات مع الأحياء، والجن مع الإنس، والبشر مع كائنات حيوانية تتكلم وتشرب وتأكل، في قصة داخل قصة ممثلاً تلاقي زمن موغل بالقدم  مع حاضر معاصر.

   يجري ذلك عبر أزمنة روائية مختلفة، ومستويات سرد متنوعة قافزاً نحو زمن بيلاطس النبطي حاكم اليهودية الروماني، عبر رواية يكتبها المعلم يجسد فيه مأساة صلب المسيح بسردية مغايرة للمألوف المتعارف عليه، حيث العقدة فيها هي أزمة بيلاطس الروحية ومعاناته الكابوسية بين ما اختلج في نفسه من تعاطف مع كائن لا يرى إلا الخير في جميع البشر، وفي موقعه السلطوي الذي يقضي النطق بإعدامه مرمزاً للبردة البيضاء ذات البطانة الحمراء إشارة لتزاوج المتناقضات بين الخير والشر، بين الحياة والموت بين الرحمة والقسوة، من خلال بناء مركب لتراجيديا مؤلمة متعلقة بذكرى موجعة تتأبى على النسيان «نموذج بيلاطس وفريدا» إذ تظهر فريدا التي يعذبها منديل تراه يومياً في أحلامها كإشارة لخنقها وليدها ذات زمن، فالخطيئة التي لا تموت ولا تنسى  تأخذ تجلياً آخر بمشهد الاحتفال الكرنفالي الذي يحييه الشيطان وأعوانه مستضيفاً مرغريتا حبيبة المعلم عندما يستدعي شخصيات المجتمع الروسي لتقدم كشف حساب بآثامها وارتكاباتها عبر فلاشات مسرحية ذات ألوان نابضة لمخيلة جامحة متوترة، ضاجة ببذخ مسرحي للشخوص والفانتازيا الخارجة عن المألوف عبر محاكاة ساخرة لذوات داخلية تعكس فساد المجتمع وشكلانيته وإظهار عري الشخصيات النافذة وضآلتهم الفكرية والروحية.

كما يوضح حالة الجمع بين الأضداد والتأرجح بين الجد والهزل والانتقال بين المأساة والملهاة بين الراقي والمنحط، بين المؤمن والكافر، الغرابة والشذوذ الارتجال والحميمية، حيث لا مفاهيم مطلقة للخير والشر والشيطان الذي نراه ماجناً مخرباً، يلاحظ هنا أنه مع ذلك غير مؤذٍ للشخصيات المحبة والخيرة ويتعامل معها برقيٍ لافت «مثال مرغريتا» لتكون عبارة فاوست المنقوشة في بداية العمل ((ومن تكون إذاً..؟ أنا من تلك القوة التي تريد الشر فلا تفعل الا الخير دائماً» هي التيمة الخفية للشخصية الدرامية المعذبة التي لم يستبطن الشر أعماقها، وبقيت تنوس بين المتناقضات. «المعلم ومرغريتا» قصيدة متدفقة كنبع  بروحها الغنائية  المأساوية حيث يعلو موج الرواية في حده الأقصى: «أنصت إلى السكون ..أنصت واستمتع بما لم تعطه في الحياة ...السكينة حيث بيتك الأبدي...يا للهول...يا للهول! ما أشد كآبة الأرض في المساء! كم يحفل الضباب فوق المستنقعات بالأسرار! ذاك الذي تاه في هذا الضباب، وعانى كثيراً قبل الموت، ذاك الذي حلق  فوق هذه الأرض حاملاً على عاتقه عبئاً يفوق طاقته - ذاك يعرف هذا، هذا يعرفه المتعب، وهو يفارق دون أسف ضباب الأرض ومستنقعاتها وأنهارها، ويسلم نفسه إلى يدي الموت بقلب راض ، عارفاً أن الموت فقط  يريحه»

رواية "المعلم ومرغريتا" حولت إلى أعمال سينمائية ومسرحية، كما أعيد إعدادها كمسلسل تلفزيوني أكثر من مرة. بولغاكوف، في العديد من أعماله يقارب أعمال صاحب النفوس الميتة «غوغول» حيث يستعير غرائبية الأنف والمعطف بالبزة التي تتحرك لوحدها من دون كائن يسكن فيها، كناية عن التعبير عن السخرية المرة من شخصيات لا يستقيم كيانها بدون المظهر، بذلك يفتح الباب للخيال الديني والأسطورة الشعبية كجزء من الذاكرة المحلية، وهو الشخصية فائقة الحساسية، المتوترة والمحاصرة كما المعلم الشخصية الرئيسة في الرواية في تماهي بين الحقيقي والروائي، كأنها سيرة ذاتية في تشابهها في الحصار والعشق، حيث يعكس المواقف والأفكار المعاشة ضمن حالة البينَ بين، وعبر زمن مأزوم، مشحون بالتوتر والقلق والاضطراب وطرح التساؤلات المصيرية للشخصية غير المنجزة وتمزقها التي تعيش حالة اللا انجاز واللاحزم داخل المسار السردي، فكلتاهما تُرفض أعمالهما لهيمنة الفئة البروقراطية على القرار القاضي بإطلاق الرواية لحيز الوجود إشارة لزمن الحقبة الستالينية، مع أن ستالين نفسه واظب على حضور  إحدى مسرحياته «ال توربين» أكثر من خمس مرات.

لم يكن التأكيد على الماورائيات والتباس مفهوم الشيطان إلا نوعاً من الاحتجاج على أيدلوجية بيروقراطية تفرض المفاهيم المادية على الجميع، بتغاض صلف عن الخصوصيات الشخصية وهي تضيِّق المنافذ على الجانب الروحي للاعتقاد برؤية استلابية فرضت نمطها وتصوراتها عن الدين والدنيا على المجتمع بأسره، لكن بولغاكوف لم يكن مطواعاً بما يكفي ليندرج مع القطيع المدجن، مما حدا به إزاء هذا الجو الخانق المطبق على كيانه إلى إحراق روايته الأثيرة إلى قلبه كشكل إحتجاجي على التضييق على فنه وأدبه ، لكن الأعمال الحرة لا تموت ولا تنتهي لأنها منقوشة في الوجدان فالمخطوطات لا تحترق ينطقها الشيطان كحقيقة مطلقة كناية على أن الأثر الأصيل خلوده في ذاته في قيمته الفكرية والفنية.

تنوعت أساليب السرد في الرواية بين التراجيديا الساخرة والتهجين اللغوي، ففي الوقت الذي يتحدث فيه شخص إلى شخص آخر أمامه، يرد في الوقت ذاته، على شخص آخر أو وعي آخر يستحضره بشكل قصدي وواعٍ أو يوحي بالجدل الخفي بين حوارين أحدهما صريح والأخر مستتر .

لا يلتزم بولغاكوف بالتعاقب الزمني الطبيعي أو المتسلسل للحاضر نحو المستقبل كفضاء روائي للأحداث بل يختار اللحظات الحاسمة المؤرقة للإنسان ذات المفاصل المركزية بالحبكة الفنية أو البؤرة الحدثية للأزمات والعواصف عبر أزمنة مفتوحة مخترقاً الأمكنة بمسموحيات ميتافيزيقية ليمرر أفكاره عبرها وفق باختين «الفضاء الروائي يكتسي من خلال تداخل مكوناته» حيث نلمس تداخلاً بين زمن حلمي وآخر معاش، بين زمن الشيطان الذي يدور عبر الحيوات لبشر من عهود مختلفة بمحطات مكثفة متشابهة بدراماتيكيتها.

مرغريتا الشخصية العاشقة، هي النسمة الشفافة والفراشة المتوهجة بروحها التي تهجر حياتها السابقة لفراغها من المعنى، لتلحق بالمعلم عبر رحلة شيطانية مقامرة بكل شيء لعجزها عن نسيان من تحب كشكل آخر للذات المعذبة، بمفارقة بين الشخصية التي لا تستطيع نسيان خطيئة ارتكبتها وتبقى في ذاكرتها ككابوس  وشخصية مرغريتا والهوى الذي يستعصي على السلوان.

الشخصيات القلقة لا نهاية لعذابها وحيرتها تحمل الصخرة السيزيفية إلى أعلى الجبل مراراً وتكراراً ولا ترتاح مدى الحياة إلا في السكينة الأبدية، حيث قدر المحبوب أن يشارك مصير من يحب، وحيث الخلود هو خلود للألم والعذاب، حيث الحرية في الموت الذي كان نهاية حياة بلوغاكوف بتداخل غرائبي أيضا بين حياته الشخصية وروايته الذي بقي يكتبها أكثر من اثني عشر سنة وبقيت طويلًا في الأدراج قبل أن تأخذ طريقها إلى النور.

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية