لحظاتٌ خرافيةٌ على شكل بشر!
جواد ديوب- خاص فينكس:
جرّبت أن أكون "دون كيشوتاً" فارساً نبيلاً يجوبُ السهولَ والقرى لأحارب "الأعداء" وأعيدَ زمنَ الفروسية إلى هذه الأيام الخاوية. لكنْ حينَ لم يقبل أحدٌ أنْ يرافقني في هذه المهمة النبيلة مثل المخلص "سانشو بانزا" المسكين، ولم أجد "روزينانتي" حصاني رفيقَ المعارك الخالية، ولا طواحينَ هواءٍ، ولا أيّ "دوليثينيا" تنتظرني على شبّاك غرامياتنا، عرفتُ أن وجودَ فارسٍ جوّابٍ للسهوب والآفاق باتَ أكثر مدعاةً للضحك من "بقعة ضوء" درامية وأكثر إثارة للسخرية من الهزال العام. لذلك قلت لنفسي: أيّ هذيانٍ هذا يا رجل! فلتكن "فيلسوفاً" إذاً. طالما أنك تُعانقُ الكتبَ بشغفِ المشتاق، وتغرقُ في متاهاتِ الفكر والديالكتيك ورمزيات الصدفة واحتمالات الكائن.
هكذا صرتُ "فيلسوفاً". لكن ما إنْ حدّثتُ أولَ صبيّةٍ التقيتُها عن العاطفة العجيبة المخزونة في جملة "اللغةُ مسكنُ الوجود" وأننا كائناتٌ لغوية نقول عِبرَ اللغة ماهيّةَ وجودِنا، وكيف أننا -بحسب أفلاطون- مجرَّد "نسخة واقعية لكن غير حقيقية" عن "النسخة الحقيقية" لكن "اللامرئية الكامنة في عالم الماورائيات" خارجَ هذا الواقع الماديّ الزائف... نظرَتْ إليَّ باستهجانٍ وأصدرتْ شهقةً مديدةً وقالت: "عَمْ تتفلسف!" رافعةً يديها نحو السماء بحركةٍ تعني "الله يشفيك"، ثم هربتْ مذعورةً!
خسارة. لم تصبرْ ولم تنتظر لأكمِلَ لها أنّ هذا الكلام الفلسفيّ العظيم يكاد أن يكون بلا قيمةٍ ولا معنى أمام بريق عينيها العسليّتين، وأنَّ شفتيها طريّتان مثل قطعتي "راحة" معطّرتين بماء الورد، وأنني حين أراها أقفُ مثل شجرة، أتحرّكُ مثل النسيم، يهدأ قلبي مثل بحيرة، فيما روحي تصبحُ خفيفةً مثل "زهرة الهندباء" التي أسمّيها "زهرة المظلّات" كرمى لعينيها!
كما أن الناس لم يتقبلوا حديثي معهم عن أنّ وجودنا، بحدّ ذاته، هو مجرّد "رميةُ نرد"، وأنه كان يمكن أنْ "ندخلَ في الموت" دونَ أن نعلمَ أننا وُجِدنا أصلاً في هذه المتاهة التي تُسمّى: حياة!
لذلك خلعتُ جُبّةَ الفيلسوف واقترحتُ على نفسي أن أصبح "صحفياً" بما أنّ "يوم الصحافة العالمي" مرّ منذ أيام، وبشكلٍ يتناسب مع متطلبات الواقع الواقعيّة جداً، لكنّ صفعتين أعادتاني إلى شبكة أوهامي الحريرية الآمنة، فالرقابة ولْوَلتْ، فقصّتْ، وحذفت ومسختْ، ثم شطّبت وقزّمت، ثم عاتبت وحذّرت. والناس قالوا: كفاك تنظيراً! هل تنفعُ صحافة هذه الأيام في هذا الزمان؟ إنّ كلامَكم مثل دقّ الطّبل في البريّة لا يسمعُهُ إلّا ضاربُه، فيما العرس والمعازيم والتحليات والنساء الجميلات في مكان آخر. المسكين!
هكذا أعدتُ أقلامي وأوراقي إلى درج الخيبات، واقترحتُ على نفسي اقتراحاً جريئاً: لِمَ لا أصبحُ شاعراً رومانسياً يروي قصائدَ غزلية عن الحب ويكتبُ "من قلب قلبه" عمّا يجعلُ الليلَ طويلاً مثل شَعر "ليلى" وأسودَ مثل كُحل عينيها، ويجعلَ الخيلَ تكرُّ وتفرُّ مثل حصان امرء القيس، ثم أقطفُ النجومَ لأصنع منها عقداً لحبيبةٍ مُلهمةٍ "خدودٌ كلُّها" وأنا قبلةٌ حيرى... لكنني حين رأيت اندفاع الشباب والصبايا الالكتروني، وآهاتهم "الفيسبوكية"، و"لايكاتهم" الناريّة، ودموعهم الافتراضيّة من أجل منشورٍ يقول فيه صاحبه "شطّت كِحلتك ومطّت وشطّت روحي معها ومطّت" فيما إحدى التعليقات تقول له: "لم أقرأ في حياتي كلها شي بيعبّر عن مشاعر الأنثى متل هالكلام"... اعتذرتُ لنفسي من نفسي لأنني لم أعرف بالضبط ما هو ذاك الشيء الذي قرأتْهُ تلك الصبية فعلاً في "حياتِها كلّها" وهي لم تتجاوز العشرين بعد! اعتذرتُ لأصدقاء
طفولتي المتنبي وعنترة و"جرير والفرزدق والأخطل/الثالوثُ المشاكس"، ومزّقتُ قصائدَ غراميّاتي وغزليّاتي ومكابدات روحي وقلت: لمْ يبقَ إلا أن أصبح "شيئاً ما" أكثرَ عصرية وحداثةً!
هكذا تقمّصتُ دورَ مغنٍّ نجمٍ، فالوسامة لا تنقصني، وعندي "طقمٌ" فاخرٌ يناسبُ ذوقَ المعجبات محبّات الأزياء ومحبّي الموضة، وقد علّمني المشيُ الطويل والمضني في شوارع الحياة أن أستخدمَ قدميّ في القفز والنطّ وعدمِ الحطّ، وعندي غمزاتٌ خبّأتها لهذه الأفراح والليالي المِلاح، وعندي "غمْراتٌ" لم أغمر بها أحدٌ بعد... لكني حين وقفت أمام مرآة الكواليس لأجرّب أول بروفة لي... لم أجد صوتي ولا "عُرَبي". لم أتذكر كلمات الأغنية ولا موضوعها، فيما "النوتاتُ الموسيقية" فرّتْ مثل عصافير الدوري خوفاً من مكبّرات الصوت الزاعقة، ومضخّمات العاطفة، ومن المشاعر "الداشرة" هنا وهناك.
بِعينيَّ ويديَّ أومأتُ لمن تبقّى منّي في المرآة بحركاتِ الصمِّ والبكم... أنْ:
سلامٌ يا "أنا" الذي هو "أنت"... سلامٌ يا "أنتَ" الذي هو "نحن"... سلامٌ يا "نحنُ" الذين هم مجرّد لحظاتٍ خرافيةٍ على شكل بشرٍ خرافيين. سلام