كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رحيل نموذج

بداية أقول إنّ معنى "النّموذج"، لغةً، هو ما يكون مِثالاً،
لكأنّه من أقداري أن أكتب عن الراحلين، وما أكثرهم في هذه الفترة، وربّما لم نقدّم لهم إلاّ بعض حقّ وفاء الذّكر، بيد أنّ الأمر في هذه الزاوية هو أكثر جوّانيّة، وعُمقاً، بالنسبة لي على الأقلّ، وأرجو أن تقبلوا عذري في ذلك، فليست حميميّة الموضوع وحدها هي التي توجبه، بل ما كان لذلك الرّاحل من صفات ومزايا، أحبّها فيه الأصدقاء، واحترمه عليها مَن سواهم.
أكتب عن أخي خضر، الذي توفّاه الله قبل مدّة قريبة، وأعود فأؤكّد ليس لأنّه أخي، على ما في ذلك من خصوصيّة، بل لمجموعة صفات أخلاقية وسلوكيّة عرفها كلّ مَن عاشره عنه، وأعتذر سلفاً عن تكرار معلومات ورد بعضها في كتاباتي "من الذاكرة"، إذ لا بدّ منها.
بقي الفقيد الرّاحل أربعة عشر عاماً عضواً في قيادة فرع حزب البعث الاشتراكي، وحين انتهتْ هذه المهمّة، كان عليه مبلغ كبير من الدّيون بسبب نظافة اليد والضمير اللّتين عُرف بهما، حتى أنّه كان يعتذر عن تلبية الدعوات التي تُقام، والتي لا تُقيمها منظّمات أو نقابات مرتبطة بقيادة الفرع، فأشاع البعض يومها أنّه لا يلبّي الدعوة لأنّه مصاب بعسر هضم مزمن، وما كان فيه شيء من ذلك، ولولا أن يؤخَذ عضواً لمجلس الشعب لثلاث دورات متتالية لتعسّر عليه وفاء ما تراكم للنّاس من ذمم.
الراحل هو الذي أسّس مجلس الفعاليات الثقافيّة، ودعا إليه العديد من الأسماء القادرة على العطاء، وليسوا منتسبين للحزب، وبعضهم ما يزال حيّاً يُرزق، وشاهداً على ما أقول، وقال لهم ما معناه نحن مدعوّون للتأسيس لنشاط ثقافي يخصّ المدينة، بل القطر، ولا نطلب منكم أكثر من ذلك، وتألّقت بعدها مهرجانات المسرح، والموسيقأ، والفكر، والمحافظة على ما تبقّى في حمص من مفردات معماريّة أثريّة، وعرفت حمص زهوةً كانت تُفاخر بها، وحين احتج مَن احتجّ في اجتماع ما على أنّ هذا ليس من عمل الحزب في شيء،.. جاءه الجواب من مسؤول مختصّ بل هو من صميم واجباته.
كان دقيقاً في مواعيده، متواضعا في سلوكه، أعيد ذكر حادثة جرت في أحد أسابيع الثقافة المسرحيّة، فقد طلب من المخرج المسرحي أن يتقيّد بالوقت بدقّة، وكانت المسرحيات تبدأ، كما أخمّن الآن على الساعة السادسة مساء، واقترب موعد العرض، ولم يأت رئيس مكتب الاعداد، والذي هو مَن نتكلّم عنه، ولم يكن ذلك من عادته، فهو يحضر قبل العرض بخمس دقائق على الأقلّ، وكان المخرج المبدع الراحل برّي العواني، وحين بلغت الساعة السادسة أعطى العواني الأمر ببدء العرض، وجاء مَن نحن بساحته، بعد دقائق قليلة، فجلس في مكانه، وكان يعقب العروض المسرحيّة مناقشة تستمر أكثر من ساعتين، فطلب من مدير منصّة النّقاش أن يعطيه الدّور للكلام، فوقف واعتذر لتأخّره تلك الدقائق، لأنّ ضيفاً مسؤولا من دمشق كان في مكتبه وجلس.
ثمّة حادثة لا يعرفها إلاّ القليل، فحين افتُتحت جامعة البعث، وكانت تابعة لمكتبه، مكتب التعليم العالي، وتفتقر إلى مدرّسين، فاقترح عليهم المرحومين الدكتور عبد الإله النّبهان، والدكتور عازي طليمات، غير أنّ إحدى الجهات قدّمت وصفاً عنهما يجعل من المتعذر قبولهما، فأصرّ عليهما لكفاءتهما، فقال له رئيس مكتب الاعداد القطري آنذاك، أتأخذهما على مسؤوليّتك الشخصيّة، فقال له: "نعم"، وكانا رحمهما الله من أكفأ الأساتذة.
اليوم بعد هذا الرحيل لم تبق غير الذّكرى، و"يبقى من المرء الأحاديث والذّكرُ"، سيبقى هذا الذكر المضمّخ بالطيوب الفاغمة لك أيّها الراحل ما ذُكرتَ، وذُكرت الاستقامةُ ونظافةُ اليد، وطهارة السلوك،.. رحلت في زمن قلّت فيه النّماذج الوضيئة التي يُقتدى بها وبسلوكها، ودهمتْنا نماذج هي الوجه الآخر لكلّ ما حكيناه عنك، تغمّدك الله بواسع الرحمة، وأسكنَ في قلوبنا الصبر الجميل....
رحم الله المربّي والمناضل والقُدوة خضر الناعم.
عبد الكريم الناعم

نشر في صحيفة العروبة الالكترونيّة، "تحيّة الصباح" في 8/5/2021

 
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية