وردةٌ لا تنام...
ليندا ابراهيم-فينكس:
"مَا الَّذي عَلى هذهِ الأَرض يمكِن أَن يكُون أكثَر ترفًا من أريكَة وكتَاب وكوبٍ مِن القهْوة؟..
ضحك بمرارة، بينما قفزت إلى ذاكرته هذه العبارة، وهو يتكئ على مشهد الدَّمار الصَّادم الذي لم يعتده يوماً، وأمَّا كتابُهُ فقد بقيَتْ أشلاؤُهُ دليلاً على أزمنةِ الخرابِ التي نعيشها.. خراب في كلِّ شيء.. حتى بات يَتَّشحُ بسوادِ الحبرِ القادمِ معَ المَوت..
أسندَ ظهرَهُ المكدودَ إلى جذعٍ يابس، ظهيرةَ ذلكَ اليومِ المشهُود..
جسَّ جيبه، عن محفظةِ "التَّبغِ العربيِّ"، علَّهُ يَجدُها سَلوى لآلامه المتعاظمة، آلام جسده وروحه.. وسط هذا الخراب الذي يحيق به..
بحث عنها كمشتاقٍ إلى روحِهِ، كهائمٍ إلى وجهِ من يحبُّ، كلائذٍ بصدر محبوبتِهِ بعدَ طُولِ فراق..
ألقى نظرةً عَجلى حوله، وهو يلفُّها بعنايةٍ فائقة، ويقلِّبها بين أصابعه برفقٍ، أشعلَ عودَ الثَّقاب، وسحبَ نفثة المصدورِ من تلك اللفافة...
كان هناك.. حيثُ عريشةُ العنبِ تُظَلِّلُهُ كأمٍّ حانية.. فوق تلكَ الشُّرفة القصيَّة المطلَّة على الوادي الأخضر.. لم يكنْ يعي أنَّه سيأتي يومٌ ويسمعُ فيه طلقة بندقيَّة إلا لصيدِ السُّمُّن أو العصافير..
لكن هذه المرة الأمرُ مختلف..
كان لتشييع شهداء القرية الذين قضوا في تفجير إرهابي يوم أمس.. أثر عميق في روحه وكأنَّهُ فقدَ شيئاً من روحِهِ .. بلْ روحَهُ كلها: "سعاد"..
لم يستطعْ أن يُصَدِّقَ، وأجهشَ بالبُكاء..
كانَ عائداً من طريقِ القرية، حيثُ اتَّصلَ بهِ صديقُهُ مُهَنِّئاً: "مباركٌ لك.. فزت بجائزة أفضل قصة عن الحرب الأخيرة، مستلهماً الأوضاع الأخيرة التي تشهدها البلاد"..
تجدَّدَ نفورُ الدَّمعِ من عينيه، قائلاً: وهل للدَّمعة غمدٌ غيرُ مآقٍ رأتِ البلادَ وما حلَّ بها قبل أي أحدٍ آخر..؟
كانت عينا "سعاد" لا تفارقانِ عينيه، تخيَّلَهما ترقصان بهجة وتلمعان فرحاً وهو يخبرها فوزه بالجائزة، وترسمان أحلاماً كيف سيزيد مبلغ الجائزة في تحسين أوضاعهما، وإكمال سكناهما الذي سيكون عشَّهُما الزَّوجيَّة القادمة..
واتفقا على ساعة الانطلاق للذَّهاب إلى المدينة، ومراجعةِ مكتبِ الشَّحن، وبعضِ أسواق المدينة استعداداً لذلك اليوم المشهود.. حينما حدث الانفجار المدوي، معلناً استمرار حيوات، وانتهاء بعضها الآخر..
هناك، على دروبِ القريةِ الذَّاهبةِ مع النَّقاء إلى الله، ومع كل ومضة للحياة، كان وجه "سعاد" يزداد نمشاً وحسناً مع كل علامة للخجل، وشعرها يتطاير مع كل نسمة للقلب، وعصافير الحب اللهوفة تعلن بدء موسم جديد، وهما يضيفان لحلمهما حلماً آخرَ ببيتٍ جميلٍ لا مكانَ فيه إلا للورود الجوريَّة الحمراء..
وفكَّر.. ربَّما يكون صادماً بعضَ الشَّيء، أو مفرطاً في السَّذاجة، لكنَّ الحقيقة: أنَّ الحبَّ يرتبطُ أحياناً كثيرة بالموت، فكما يقول الفيلسوف والأديب آلان باديو: هناك رابطٌ حميميٌّ وعميقٌ بين الحبِّ والموت. وإلا لماذا وجدنا أشهر قصص الحبّ تنتهي بموت البطل، أو حبيبته، أو كلاهما..
ويهز رأسه طارداً الفكرة... ولكن أنا وسعاد أمرٌ آخر...
وإذا كانَ الأمرُ عجيبًا بعض الشيء أن نجد فيلسوفًا يخرج بمثل هذه الحقيقة، فإنه ليس فقط الشعراء والأدباء والفلاسفة من يقولون هذا، فهذا الشيخ ابن عربي فيلسوف الصوفية وشيخهم الأكبر يقول: الحبُّ موتٌ صغير..
حاولَ تزجية وقته، ريثما يجدُ بعضَ لمعاتٍ من كرىً يستطيع معها إغفاءة قصيرة يريح بها عينيه، لكنَّ "سعاد" مقيمة أبداً فيهما..
نهضَ.. فأفلتت من جيبه وردة حمراء كان اقتطفها لسعاد ليهديها لعينيها أول نظرة وهو يخبرها الخبر السعيد.. كانت الوردة في طريقها للجفاف... ولونُها الأرجوانيُّ أخذ يميل للداكن.. بينما روحه القتيلة تشيِّعُ "شهداء" الصِّبا إلى مثواها الأخير، و"سعاد" إلى حيث روحها تنبض بألف وردة جورية حمراء، لا تنام...
...............................................................................
- العنوان تناص يحيل إلى قصة الأديب خليل هنداوي التي درسناها في مناهجنا الدراسية بعنوان "متى تنام هذه الوردة الحمراء"