كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حانة الغراب والديك تفتح أبوابها

 باسم سليمان- خاص فينكس: 

قد تكون الحانة في أسطورة الغراب والديك التي اجتمعا فيها أقدم خمّارة عند العرب، لكنّ الحانات/الخمّارات في جاهلية العرب وإسلامهم أمكنة قصدوها وتنادموا فيها، وخلّدها الشعراء، منهم من لمّح إليها، ومنهم من صرّح بها كأبي النواس وغيره.

وقد ذكر السري الرفاء في كتابه: "المحبّ والمحبوب والمشموم والمشروب" كان الخليفة العباسي الواثق يحبّ المواخير، فاتخذ حانتين، إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشطّ في بغداد؛ وقد ذكرهما الشاعر الحسين بن الضحاك، بناءً على طلب الخليفة الواثق:  

   يا حانةَ الشطِّ قد أكرمْتِ مثوانا   عودي بيومِ سرورٍ كالذي كانا.حانات

الخمارات في جاهلية العرب:

لا نملك الكثير من الأدلة المباشرة على وجود الحانات إلّا أن السجل الشعري العربي في الجاهلية أعظم دليل على كثرتها وثبات تواجدها واستمرار عاداتها:    

  حانة ابن بُجرة في الطائف وقد ذكرها الأصمعي، فقد كانت قريش تشرب في حانته وتحمل من خمره إلى منازلها، وقد قال أبو ذؤيب الهذلي:                                    

  فلو أنَّ ما عندَ ابنِ بُجرةَ عندَها   من الخمرِ لم تبلُلْ فؤادي بناطِلِ.                              

فتلكَ التي لا يذهبُ الدهرَ حُبُّها    ولا ذكرُها ما أرزَمتْ أمُّ حائلِ.

ولقد نزل سفيان بن حرب بعد غزوة السويق على سلام بن مشكم في بني قريظة، فأكرمه وبزل له خمرًا جيدة، استحضرها من خمّار يسكن قربه، فقال ابن حرب فيها شعراً. وتكاد لا تخلو قصيدة جاهلية من ذكر الخمر، لكنّ الإشارة إلى أماكن الحانات كان نادراً، فقد قال طَرفة بن العبد:   

 نداماي بيضٌ كالنجوم وقينةٌ        تروح علينا بين بردٍ ومجسد.  

وما زال تشرابي الخمور ولذّتي   وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي.

ومثله فعل أعشى بني نهشل، وأعشى قيس، الذي وصف مجلس الشراب والمغني والندامى المترفين المتأنّقين، وقد يكون ابْتِداء معلّقة عمرو بن كلثوم بالخمر أكبر دلالة على موقعها في عقول العرب في الجاهلية:   

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا    وَلاَ تُبْقِي خُمُوْرَ الأَنْدَرِيْنَا.

الحانات في الإسلام:

في مكان ما، كان العصر الراشدي امتدادًا للعصر الجاهلي، فظلّت بعض العادات موجودة، وإن كانت على استحياء، ولأنّه كان زمناً تأسيساً، فنرى أنّ أهم خصيصة للعرب وهي الشعر قد غابت، فكيف بشرب الخمر ومجالسه وحاناته. وعلى الرغم من ذلك نقل لنا الشعراء الهامش المخفيّ للخمر، وإن كان لنا أن نضع مثالًا، فلنا في الشاعر أبي محجن الثقفي خير دليل على واقع الخمر الذي سقط من تأريخ المؤرخين وقد حُدّ أكثر من مرّة على شربها وهو القائل:     

        إذا مُتُّ فادفِنِّي إِلى جَنبِ كَرمَةٍ   تُرَوّي عظامي بعد موتي عُروقُها  

       ولا تَدفِنَنّي بالفـــــــــلاةِ فإنّني     أخافُ إذا ما مُتُّ أن لا أذوقُها.

 أمّا العصر الأموي، فاشتهر بمجالس الخمر التي رعاها بعض الخلفاء الذين حددوا أوقاتًا لتعاطيها كـــ عبد الملك الذي كان يشربها في الشهر مرّة، وابنه الوليد كل يوم، وسليمان كل ثلاث ليال، فيما يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد فلا وقت محدد لها؛ كما ذكر الجاحظ في كتابه: "التاج في أخلاق الملوك".حانة 2

ومن غرائب الأحكام التي استنّها خلفاء بني أمية من أجل شرب الخمر، نجد أن معاوية قد حلّل نبيذ أهل الشام (كتاب الأغاني) وعمر بن عبد العزيز سمح بشرب الأنبذة المصنوعة من الماء والعنب والسويق ونبيذ التمر والزبيب (كتاب الأشربة) وذهب البعض بالقول إلى أنّ الحرمة في الخمر فقط في العنب شرط ألّا تمسّها النار ( العقد الفريد).

هذا الواقع سمح للشعراء والناس العاديين بإنشاء مجالسهم، وبأن يرتادوا مجالس الخمر والحانات، وأن تكون لهم مجالسهم التي يشربون فيها. ومن الحانات المذكورة؛ حانة ريمان التي في هَجر، فنجد قول الراعي النميري:      

  وصهباءَ من حانوتِ ريمانَ قد  غدا عليَّ ولم ينظرْ بها الشرقَ صابحُ.

وحانة حُنين بالحيرة التي كان الشاعر الأقيشر يلزمها، وحانة أناهيد في سجستان، وحانة عون في الحيرة. وكانت الخمّارة هشيمة تقوم على خدمة الوليد بن يزيد وقد قال فيها: "إنّه لم ير أعرف منها بأمره، ولا ألطف آلة وصنعة، ولا ألبق في الخدمة" (السري الرفاء).

وأخيراً جاء العصر العباسي وما حمله من رفاه، فانتشرت الحانات والخمّارات وذاع صيتها حتّى أنّ الشعراء قد قالوا فيها الشعر المخصوص. ومن أهم أماكن هذه الحانات: باري قرية من نواحي بغداد فيها بساتين ومنتزهات وخمارات، وبُنّى قرب شاطئ دجلة – القُفص –  عكبرا – كلواذي قرب بغداد – قطَربُل؛ وقد أطلق عليها بعد خرابها؛ قباب أبي النواس – طيرناباذ من أقدم مدن العرب الجاهلية في العراق تقع بين الكوفة والقادسية: (ياقوت الحموي).

كان انتشار الحانات خارج بغداد، لتأمن من الوشاة والشرطة؛ وقد ابتدعت النسوة القائمين عليها فتحات تُسمى (الوصاوص) يوصوصن منها لمراقبة الزقاق الذي يؤدي إلى الحانة والتعرّف على الطارق قبل السماح له بالدخول.

ومن الحانات المذكورة شعرًا حانة بستان الصباح في الكرخ الذي قال فيها مُطيع بن إياس:

كم ليلة بالكرخ قد بِتُها    جذلان في بستان صباح. (الأغاني لأبي فرج الأصفهاني)

حانة بَزيع بالجُويث: تُنسب هذه الحانة إلى خادم الخليفة المتوكّل، وكانت عزيزة مخصوصة لعلية القوم، لا يتعرّض لها، حسنة البناء، وفيها يقول عبدالله بن الزيّات:      

 سَقاني بَزيعٌ والسِّماكُ مشرِّقُ  ونجمُ الثريّا في السماءِ مُحلَّقُ. (السري الرفاء).

ولقد ذكر أبو النواس حانات قرية طيرناباذ كثيرًا، فقال:

قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم   أرجو الإله وأخشى طيرناباذا.أبو النواس

وأيضاً:

 فتكتني طيرناباذ    وقد كنت تقيا.

إذ تركت الماء فيها   وشربت الخسرويّا. (ديوان أبي النواس).

وفي قُطَربل يقول:

ومجلس خمار إلى جنب حانة     بقُطُربل بين الجنان الحدائق. (ديوان أبي النواس).

إلى جانب حانات الخمر والمجالس ازدهرت العُمر (البيوت) والأديرة، فكانت مقصدًا للشعراء والشاربين وسنعتمد في هذه الفقرة على كتاب "الديارات" للشابشتي و"الديارات" لأبي فرج الأصبهاني.

كان لهذه البيوت والأديرة ذكرًا متناوباً في شعر الشعراء وخاصة عندما تُذكر الخمرة واللهو. ولقد ذكر إيليا حاوي في كتابه "فن الشعر الخمري": كانت هذه الأديرة تتحول أحيانًا إلى دور واسعة للهو والشرب، وأصبح طلاب الخمور يقصدوها لينعموا بخمورها. هذه العادة كانت شائعة في العصر العباسي حيث يأتيها الخلفاء والأمراء والشعراء للتلذّذ بخمورها":

دير مارجرجس يقع في المزرفة على شاطئ دجلة، وقال فيه الشاعر النميري:

نزلت بمارجرجس خير منزل    ذكرت به أيام لهون مضين لي.

دير مرْيُحنا الذي قال فيه عمر الوراق:

أرى قلبي قد حنّا     إلى دير مرْيُحنا.

ومثله فعل أبو النواس بذكر دير بهرازان في العراق:

بدير بهرازان لي مجلس   وملعب وسط بساتينه.

ومن هذه الأديرة نذكر: عمر الزعفران، ودير العلث، ودير حنظلة، ودير مُرّان في قاسيون، ودير القائم الذي ذكره إسحاق الموصلي:

بدير القائم الأقصى   غزال شاذن أحوى

برى حبي له جسمي   ولا يدري بما ألقى.

الحانة:

لا نستطيع أن نعرف على وجه التحديد كيف كانت تؤثث الحانات، لكن هناك بعض الذكر لمحتوياتها، وسنأخذ مثلًا حانتا الخليفة الواثق اللتين أثثهما بشكل مبهرج وغني، فتتدرج الحانات أسفلهما إلى أبسط المحتويات من طاسات ودنان لشرب الخمر فقط.عرب 2

أورد السري الرفاء بأن الواثق أمر أن يختار له خمّار نظيف، جميل المنظر، نصراني من قُطربل، فأتى رجل له ابنان وابنتان، فجعل النساء في دار الحرم، وضم إليهن وصائف وعدّة من الجواري. وفرشتا الحانتان بفرش الخلافة، وعلقت الستور والستائر، ونقل إليهما من آلة الشرب محاسن ما في خزانة الخليفة واستعمل الخمّار دنانًا وكراسي مذهبة.

ولقد ذكر أبو النواس في إحدى قصائده ما كان يأكله مع الشراب وهي النُقول، مفردها نُقل وتعني: ما يتنقّل به على الشراب من فستق وتفاح وغيرها:    

 ماليَ في الناسِ كلّهم مثلُ    مائي عُقَارٌ، ونُقْليَ القُبَلُ.

وكان يقوم عادة على الحانة مسيحي أو يهودي ولا يمنع من أن يديرها مسلم.

أخيرًا نقول: لم يستطع التحريم الإسلامي من وأد الخمرة، بل انتشرت حاناتها وتسربت مصطلحاتها إلى الشعر والحياة، فأصبح لدينا شعر الخمريات، وأكثر من ذلك أصبح المحتوى الصوفي يعتمد كل الاعتماد على معنى الخمرة ببناء معماره الديني؛ لذلك نقول مع أبي النواس:

دع عنـك لومـي فـإن الـلـوم إغــراءُ     وداونـــي بـالـتـي كــانــت هــــي الــــداءُ.

صفـراء لا تـنـزل الأحــزان ساحتـهـا    لــــو مـسـهــا حــجــرٌ مـسـتــهُ ســـــراءُ.

 

 

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية