كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الترجمة.. تاريخ وآفاق/2/

دعد ديب- خاص فينكس:

الترجمة كانت مذ قديم الزمان وسيلة التواصل المعرفي والعملي والتجاري بين البشر، و أهميتها ظلت تتزايد نوعياً مع تقدم الحضارة الإنسانية وتسهيلات التواصل بين الأمم سواء كان هذا التواصل إيجابياً أو سلبياً.

وللترجمة تفاصيل واختصاصات وأنواع عدة وكل جانب من الحياة يغطي جزءً منها،  مثل الترجمة المعرفية التي تضم في إطارها الترجمة العلمية والأدبية والوثائقية، وهنالك ماله علاقة بالترجمة النوعية مثل الترجمة الفورية والترجمة الرقمية والترجمة الآلية وكل منها تتناسل إلى مزيد من الفروع والإختصاصات المتنوعة، مثل الترجمة التحريرية وهي الترجمة التي تتم كتابة ولا تتقيد بزمن معين وتقتضي المطابقة التامة في ماجاء بالنص الأصلي المترجم عنه، والترجمة الشفهية التي تتضمن ترجمة قول قيل أمام المترجم مباشرة وفور الإنتهاء منه، وهذه تكثر عند الترجمة في المحافل الدولية لرؤساء الدول والوفود المشاركة في مؤتمرات عالمية، وهذه الترجمة الشفهية ذاتها تقسم إلى أنواع منها الترجمة المنظورة التي تتم بمجرد النظر،  وبأن يقرأ المترجم نص الرسالة المكتوبة باللغة المصدر بعينيه، ثم يترجمها في عقله، ليبدأ بعد ذلك في ترجمتها إلى اللغة المنقول إليها بشفتيه.ترجمة ألية

وهناك أيضًا: الترجمة التتبعية التي تحدث بين مجموعتين خلال اجتماع ما وكل مجموعة لها لغتها الخاصة المختلفة، ويقوم أحد أفراد المجموعة بإرسال رسالة معينة. ويقوم المترجم بنقل وترجمة الرسالة إلى لغة المجموعة الثانية كي ترد برسالة أخرى يقوم بنقلها كذلك، لذا برز عدد من الصعوبات الناجمة عن هذه الطريقة ومنها مشكلة الاستماع ثم الفهم الجيد للنص من منظور اللغة المصدر نفسها. ولذلك كان من المفروض العمل على تنشيط الذاكرة لاسترجاع أكبر قدر ممكن من الرسالة التي تم الاستماع إليها.

وهناك أيضا الترجمة الفورية المتبعة  في بعض المؤتمرات المحلية أو المؤتمرات الدولية، حيث يكون هناك متحدث أو مجموعة من المتحدثين بلغة أخرى مختلفة عن لغة الحضور، ليقوم المترجم بترجمتها الى لغة الحضور الذي يلعبه أثناء ممارسته للترجمة

ومن هنا جاءت أهمية  نظريات وديناميات وطرائق الترجمة الأدبية والمشكلات التي تنطوي على ترجمة النصوص النثرية و الشعرية و المسرحية وكيفية التغلب عليها،

فالتحديات اللغوية والبلاغية والمعوقات الأسلوبية والثقافية التي تكتنفها عملية الترجمة الأدبية، ترجع إلى التباينات المتعددة و الفوارق الشاسعة على جميع المستويات بين اللغة المصدر (العربية) واللغة الهدف (الإنجليزية مثلا)،  والصعوبات الكامنة في نقل التعبيرات الخاصة من لغة تنتمي إلى ثقافة معيَّنة إلى لغة من ثقافة أخرى، ورغم تلك المشاكل بصفة عامة فقد برعت تجارب هامة وناجحة إلى حد ما خاصة في مجال الأدب، فترجمة الشعر مثلًا تعتبر من أصعب الفنون،  لأنها تتطلب إحساسًا مرهفًا وذائقة قادرة على تمثل روح النص الأصلي ونقله إلى اللغة الأخرى إضافة إلى صعوبة نقل الموسيقا الصوتية الخاصة بكل لغة واختيار ما يماثلها أو حتى قريب منها، الأمر الذي  يتطلب فهمًا ومقدرة عاليين، وقد لا ينجح بنقل الشعر إلا شاعر متمكن من أدواته وإتقانه للغة الأخرى، ولا يسعنا إلا أن نذكر الإسهامات التي أبدع فيها الشاعر السوري ادونيس (علي احمد سعيد ) في ترجمته لقصائد سان جون بيرس، لما لشعر هذا الأخير من إشكالية الإيحاء بالمعنى لا التصريح به، والاقتصاد في المفردات المعبرة،  والترجمة التي صدرت حديثًا لتوفيق الصايغ عن ت.س .اليوت في فهم جديد وإضافي لشعر المذكور من تحقيق ودراسة محمد مظلوم.شوقي عبد الأمير

كما أن ترجمة عبد اللطيف اللعبي لشعر محمد الماغوط إلى الفرنسية قد ساهم في قضية التبادل الثقافي ومعرفة الآخر والتعريف بجزء من أدبنا المحلي، وقد ترجم العراقي شوقي عبد الأمير مع الشاعر الفرنسي فيليب دولاربر شعر الحلاج للمرة الأولى بعد لوي ماسينون، كما ساهم عبد الأمير بالمشاركة مع ميشيل دوغي أحد أكبر شعراء فرنسا الأحياء ومؤسس أهم مجلة شعرية بالعالم وهي مجلة "شعر" Poèsie  التي أصدرها قبل أربعين عاماً وما زالت تصدر بشكل فصلي وتعنى بالشعر العالمي.

 كما عملا معًا في إصدار العديد من الملفات الشعرية العربية و إصدار مختارات هامة من المجلة باللغة العربية نشرت تحت عنوان"عبور القرن في مجلة" عن المركز القومي للترجمة في القاهرة2001 ، و تعد ترجمات المستشرقة سيلفيت لارزول الحائزة على درجة الدكتوراه من جامعة باريس الثالثة (جامعة السوربون الجديدة ) تجربة لافتة، فهي من أوائل الترجمات التي تجرأت على ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية فيما اصطلح على تسميته"ترجمة مالم يترجم"

وقد نقل المترجم صالح علماني سحر أدب أمريكا اللاتينية إلى العربية بإبداع غير مسبوق، وهذه ميزة عندما يترجم الأديب من لغة يحبها ويفهمها ويستطيع نقل روح الأدب إليها، كما استطاع سهيل إدريس نقل وجودية جان بول سارتر وألبير كامي إلى العربية كذلك،  وكما قام حديثًا الباحث والشاعر محمد مظلوم بترجمة كتاب مس غيرترود بيل الشهيرة بالخاتون (سوريا -البادية والغوطة) لعام 2018 إلى قراء العربية والتي تشرح فيه رحلتها الاستكشافية في الأراضي السورية.صالح علماني

 وهذا لا ينفي وجود العشرات من الترجمات السيئة التي تقدم أدبًا رخيصًا ونقلًا يفتقد  إلى الدقة والأمانة إذا لم نقل الخيانة  للكثير من المنجزات الفكرية، باستسهال الفكرة وطمعًا بمكاسب مادية لا وزن لها إذا ما قيست بالأثر السلبي الناجم عن تشويه سمعة ثقافة بعينها، أو نقلها بشكل مغلوط إلى جمهور آخر.

 فالثورة في عالم الإتصالات والإنترنت جعلت من العالم بأسره أشبه بقرية صغيرة، ولا فكاك من التمازج والاختلاط الثقافي بين شعوب العالم، وإن رجح الميزان لصالح الأمم الأكثر تطورًا وعلمًا،  وقد كان النصيب الأكبر في الترجمة  للغة الانكليزية في هذا المجال، لأن أغلب الرقميات الالكترونية تأخذ معانيها واصطلاحاتها من قاموسها ولا يخفى ما للترجمة الآلية من اكتساح السوق العملية لسرعتها وسهولتها ووجودها في متناول الجميع.

  وبالتالي أصبحت الترجمة ضرورة معرفية لا غنى عنها في التقارب والتلاقح في المعارف النظرية بين الشعوب، ويقع على عاتق المترجم الإلمام التام قواعد اللغة المترجم منها وإليها والاطلاع على ثقافة البلد المترجم إليه، كي توضع المعاني في سياق يؤدي إلى فهمها باللغة المترجم منها هي لغة المصدر واللغة المترجم اليها وهي لغة الهدف ومن هنا كانت الصعوبة في عمل المترجم لأنه يسهل نقل لغة الهدف إلى لغته الأصلية،  لأنه يتقن لغته الأم، ولكن نقل لغته إلى العالم هنا الصعوبة الكبرى والتي يلاحظ فيها تقصير كبير في نقل آدابنا إلى العالم، ومع ذلك لا مهرب من المعرفة الدقيقة بتفاصيل كل من اللغتين المصدر والهدف المترجم منها وإليها. 

ويقتضي التنويه أن لغات العالم المعاصرة تحتاج دومًا إلى تغذية ورفد لمواكبة المتغيرات الحديثة والمصطلحات الجديدة، التي أصبحت في صلب المعارف المستحدثة، إضافة إلى الدلالات اللغوية التي تخضع بشكل أو بآخر إلى العولمة التي تجرف الجميع باتجاهها و اللغات المصاحبة للاكتشافات العلمية والعلاقات الدولية متجددة باستمرار.

يقول السينمائي والمترجم رفيق الصبان: يوجد في العمل الأدبي روح وعرق ونفس الكاتب، وهذا ما لا تستطيع نقله الترجمة لذا برزت هنا ترجمة من نوع آخر هو ترجمة المسلسلات والأفلام والأعمال الفنية المختلفة، من خلال ترجمة النص أو السيناريو، مثل الترجمة المرئية للنص في أسفل الشاشة أو في أعلاه، أو ترجمة الحوار والتعليق في الأفلام والبرامج التلفزيونية مثل فيلم رسائل شفهية المترجم إلى الفرنسية، والحائز على عدة جوائز من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بسوريا، وهناك نوع من الترجمة الصوتية الدبلجة التي برع فيها الممثلون السوريون في المسلسلات التركية والهندية، كذلك مسلسل الهيبة ترجم للتركية (دوبلاج) مع الكثير الكثير من المسلسلات التركية التي ترجمت الى اللهجة السورية الدارجة وكانت بداية التأثير على الذائقة الشعبية وإبعادها عن همومها وقضاياها الأساسية في جزء كبير منها.الصبان

وتبقى الترجمة جسر حضاري تعبر به الثقافات إلى بعضها، وبشكل خاص نحن أحوج مانكون إلى ترجمة منجزنا الثقافي لتغيير الصورة النمطية المتعارف عليها في الغرب لأن منطقتنا بنت حضارة موغلة بالتاريخ وستنهض حتمًا مثل طائر الفينيق من جديد.

 

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية