عن حواري مع عبد الرحمن منيف... الإعداد الجيد للحوار
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
عبد الرحمن منيف روائي عربي و عروبي بامتياز و من كل النواحي، من ناحية الإنتاج الإبداعي، أو من ناحية الفكر القومي العروبي، أو من ناحية التكوين الأسري، فأبوه سعودي و أمه عراقية، ولد في عمَّان و توفي في دمشق، و تنقل خلال حياته بين عدد من البلدان العربية.
في عام 1998 نال عبد الرحمن منيف جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، و اعتَبرتُ حصوله على هذه الجائزة مناسبة لإجراء حوار معه لإذاعة دمشق، خاصة و أنه كان قد اعتكف في سنواته الأخيرة، و ابتعد عن الحوارات الصحفية، و فعلاً تواصلتُ معه بشأن الحوار و حدَّد لي موعداً بكلِّ رحابة صدر و تواضع، توجهتُ في الموعد المحدد إلى بيته في المزة– فيلات غربية في دمشق، و بعد حفاوة الاستقبال و قبل البدء بالحوار سألني بكلِّ لطفٍ و تهذيب: ماذا قرأتَ لي؟ أجبته: لقد قرأت الأشجار و اغتيال مرزوق– قصة حب مجوسية– سباق المسافات الطويلة– حين تركنا الجسر– شرق المتوسط – و رواية الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى، و كانت قد صدرت قبل سنوات قليلة وقتذاك / 1991/، و تابعتُ قائلاً: الحقيقة يا أستاذ عبد الرحمن لم أتمكن من استكمال قراءة الرواية لأن فيها وصفاً و توصيفاً لفضاء السجن و التعذيب و الاعتقال و الجلاوزة و غير ذلك، مما أثَّر في نفسي كثيراً و عذَّبني، فلم أتمكن من قراءتها كاملة، تبسَّم الرجل و بانت على ملامح وجهه التي توصف بالصارمة علاماتُ الرضا، و بدأنا بتسجيل الحوار الإذاعي.
مناسبة هذا الحديث هو قرب حلول ذكرى مولده في 29 أيار عام 1933، و قد توفي في دمشق في 24 كانون الثاني عام 2004، للتذكير بهذه القامة الإبداعية الروائية، و بنتاجها، فقد قرأت أول رواية له(الأشجار واغتيال مرزوق) عام 1987 و كانت حافزاً لي لقراءة بقية أعماله، و كنتُ قد قرأتُ مقالاتٍ ثقافيةً نقديةً عنه و عن عوالمه الروائية، و هذه الروائية أول عمل روائي له، و أجمل أعماله برأيي، دون الانتقاص من قيمة الأعمال الأخرى، كنتُ أعود بين الفينة و الأخرى لقراءة هذه الرواية، فقد وجدتُ فيها شبهاً مع رواية (زوربا) لليوناني نيكوس كازانتزاكي من ناحية بطلي الرواية، في زوربا نجد الأستاذ المتعلم الجَدِّيِّ (الفأر قارض الكتب) كما يصفه زوربا، الذي يعطي الأولوية للتفكير العقلي المدروس الهاديء مما يضيِّع‘ عليه سعادة اللحظة الآنية، بعكس زوربا العامل البسيط العفوي ابن اللحظة، الذي يستنبط السعادة من عمق المأساة، و الذي يتناول كلَّ شيء في الحياة بمنتهى السخرية و البساطة و دون أيِّ تعقيد، في رواية (الأشجار و اغتيال مرزوق) نجد أيضاً الأستاذ الباحث في الآثار الذي يريد مغادرة البلد و الرحيل، لأنه لم يجد فيه ما يريحه و يطمئنه، مقابل الياس البائع الجوال بين القرى الذي فقد أرضه، و صار متنقلاً من قرية لأخرى يبيع الحاجيات البسيطة لأهل القرى، وأدوات الزينة لنسائها، يلتقيان في القطار، و زوربا يلتقي مع المعلم في مقهى الميناء و يقترح عليه مصاحبته في مشروع المنجم فيترافقان على الباخرة إلى الجزيرة التي سيقيمان عليها مشروعهما الفاشل، ثم يفترقان.
نعود إلى الحوار الذي استغرق ساعة من الزمن، حيث كان التناغم بين المحاور و الضيف، و السلاسة و الارتياح بسبب اطلاعي و تحضيري الجيد للحوار، و كانت أسئلتي تتضمن مقولات من رواياته و قد تعمَّدتُ ذلك، مما أرضى الأديب و أشعره بالسعادة ، و من تلك الأسئلة مثلاً هذا السؤال:
ـ تقول على لسان الياس في رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) المرأة خرز و كلمات حلوة، كيف ينظر الأديب عبد الرحمن منيف إلى المرأة أدبياً و حياتياً؟
و هذه الجملة البسيطة و البليغة التي يقولها الياس للأستاذ الباحث في الآثار عن المرأة، مختصراً بها طريقة التقرب إلى المرأة و الوصول إلى قلبها، و هو من هذه الناحية يشبه زوربا كثيراً.
و في ذلك الحوار أطلق مقولته المشهورة "الرواية تاريخ من لا تاريخَ لهم" فكان حواراً غنياً مازال محفوظاً المكتبة الإذاعية.
ما أريد التأكيد عليه بهذه المناسبة هو ضرورة الإعداد الجيد لأي حوار ثقافي، و القراءة ثم القراءة ثم القراءة، ففي العمل الإعلامي لا تدري متى يُطلبُ منك إجراءُ حوار مع أديبٍ ضيفٍ يزور البلد، و كثرة القراءة تنجي الإعلامي من المطبات و تمكنه من طرح أسئلة تنمُّ عن ثقافته الواسعة، و قدرته على ابتكار الأسئلة من أجوبة الضيف، و توظيف معارفه العامة في سياق الحوار، حتى لو لم يكن قد اطلعت على النتاج الإبداعي للضيف.
هنا أذكر أن إحدى الزميلات المتطفلات على العمل الإعلامي و الثقافي، سمعت حواراً لي عبر إذاعة دمشق مع الأديب الأستاذ عبد الكريم ناصيف أمدَّ الله بعمره في برنامج " مشوار حياتي " تحدث فيه عبر حلقتين ـ مدة الحلقة ساعةـ عن سيرة حياته، و عن تجربته الروائية، و الكثير من القضايا الفكرية و الإبداعية و الثقافية، و كانت تنوي إجراء حوار تلفزيوني معه، زارتني في مكتبي في الإذاعة و كنت حينها رئيساً لدائرة التنسيق، و طلبت نسخة من الأسئلة، لبيت لها طلبها و أعطيتها ما أرادت، و حين شاهدت الحوار على الشاشة، كان ميتاً جامداً خالياً من التناغم و الانسجام بين الضيف و المحاور، لأنَّ استعارةَ الأسئلة لا تتضمَّن استعارةَ الثقافة، و هي النُّسغُ الذي يسري ثنايا الحوار و يمنحه الحياة و التفاعل بين طرفي الحوار.
رحم الله الروائي المبدع عبد الرحمن منيف، و أفضل تحية لروحه هي قراءة أعماله من جديد، و إعطائها ما تستحق من نقد بعد أن اكتملت برحيله.