مدخل إلى الليبرالية 5
2021.05.29
علي المحرز:
يجب الإقرار بأن المرحلة التي يعيشها العالم حالياً هي نتاج تاريخي، حملت رياحها إلينا فضائل ثورة المعلومات التي سمحت لنا برؤية العالم، وكم نحن بعيدون عن الحضارة ومضامينها الأمر الذي عمق الشعور أكثر بهول الانحطاط والهشاشة والتخلف الذي نعيشه، والشعور أكثر بالغربة والتهميش، والشك في كل خياراتنا التاريخية على ضوء واقعنا الراهن. لقد كانت الليبرالية وما زالت من هذه الخيارات - لدينا نحن العرب - رغم إخفاقاتها التاريخية في وقعنة أبسط مفاهيمها.
ورغم أنه لم يكن في تاريخنا العربي، نهضة تحاكي نهضة أوروبا الليبرالية، إلا أن بيئة الحداثة التي أسس لها محمد علي باشا منذ أن بات الحاكم الفعلي لمصر دون منازع عام 1805، مهدت لمعرفة أوروبا ونهضتها، من خلال الإصلاحات التي قام بها(مستفيدا من تركة حملة نابليون بونابرت) التي تضمنت تحديث الجيش من خلال سلسة إصلاحات لتأسيس جيش عصري أظهر كفاءة قتالية في معظم المعارك التي خاضها، والقيام بإصلاح اقتصادي معتمدا على نظام جباية جديد، ومسح زراعي شامل، وقاعدة صناعية متطورة، بتحويل المواد الخام مثل القطن، والصوف، والحرير، إلى سلع مصنعة للتصدير؛ وإنشاء مصانع جديدة لصناعة السكر، والنيلة، والزجاج، والدباغة، والورق، والبارود، والمنتجات الكيماوية. إضافة إلى المسح الاجتماعي لمعرفة عدد السكان إدراكا منه بأهمية العنصر البشري في بناء الدولة الحديثة، وإصلاح التعليم والاهتمام بالعلم والاعتماد على البعثات، فأول بعثة أرسلها كانت إلى فرنسا، وضمت 40 طالبا من مصريين، وأتراك، وشوام، وأرمن ليدرسوا علوم العسكر، والقانون، والعلوم السياسية، والطب، والزراعة، والكيمياء، والهندسة المعمارية، والطباعة، ورسم الخطوط، والميكانيك، وبناء السفن. لقد امتدت محاولة محمد علي النهضوية إلى بلاد الشام مع ابنه إبراهيم، وكان لها أثراً في السلطنة العثمانية ذاتها ( تجربة المصلح السلطان محمود الثاني، والتجربة الدستورية لمدحت باشا ). لكن تجربة محمد علي افتقدت للبعد السياسي إذ حظر الباشا ممارسة السياسة لخوفه من تقوض ركائز الحكم.

إلى أن أقدم الخديوي إسماعيل على إنشاء مجلس شورى النواب عام 1866، مفتتحا بذلك عهد الشرعية السياسية التي دعا إليها الأمير فيصل عندما دخل دمشق باعتبار حكمه ملكي شوري(من قرارات المؤتمر السوري العام 1919).
لكن تحريم محمد علي لممارسة السياسة لم يمنع من ظهور رواد فكر جديد، تبنوا بعض صيغ المجتمع الأوروبي، وحاولوا توفيقها مع قيم الموروث الإسلامي، الأمر الذي أنتج ليبرالية إسلامية عثمانية(توفيقية) وعلى رأسهم رفعت بدوي رافع الطهطاوي(1801 - 1873) وهو أزهري عيّنه محمد علي إماما لأول بعثة أرسها إلى فرنسا، الرحلة التي مكنته من الإطلاع على بعض من مؤلفات مفكري فرنسا، مثل فولتير وروسو. أهم مؤلفاته(تخليص الابريز إلى تلخيص باريز) الكتاب الذي ظهرت فيه لأول مرة كلمة الحرية، والأمة، ومشاركة الشعب في عملية الحكم. يعتبر الطهطاوي بحق أول من مهد لفتح باب الاجتهاد الذي كان مقفلا بتأكيده أن لا فرق كبير بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ القانون الطبيعي، وأن سر تقدم أوروبا وعظمتها يكمن في تعاطيها العلوم العقلية.
يعاصر الطهطاوي، المصلح التونسي خير الدين باشا(1810) الذي شاركه في محاولة إدخال الأمة الإسلامية في العالم الحديث، دون التخلي عن الدين. أما ناصيف اليازجي(1800 - 1871)، وبطرس البستاني(1819 - 1883) اللغويان. فقد اشتغلوا على وظيفتها الفكرية. كان هم اليازجي " كيف يمكن أن تكون اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن الحياة والأفكار في العالم الحديث".(20)
أما البستاني، صاحب قاموس المحيط، ودائرة المعارف، وصاحب مقولة"أن الشرق لا ينهض إلا بالاطلاع على فكر أوروبا الحديثة واكتشافاتها".( 21 )
بعد جيل الطهطاوي، يأتي جيل توفيقي آخر، مطلع على نهضة أوروبا، ومتخوف من توسعها الاستعماري المهدد لكيان ووحدة المجتمعات الإسلامية(عرب وترك)، جيل يعمل على مقاومة هذا الوافد الجديد. وفي الطليعة، يقف جمال الدين الأفغاني(1839 - 1897) الذي قضى أغلب حياته في الدفاع عن البلدان الإسلامية المهددة بخطر التوسع الأوروبي. لقد آمن الأفغاني بقدرة الإنسان، إضافة إلى عبادة الله، على عمارة الأرض، وبناء المدينة الحديثة، كما في أوروبا، وذلك في التخلص من الحاكم الفاسد(السلطان عبد الحميد)، وإصلاح الدين، كما حدث في المسيحية.
بعد الأفغاني يلعب محمد عبده الأزهري ( 1849 ) دورا هاما في الأحداث التي عصفت بمصر(في هذه المرحلة غرق الخديوي إسماعيل بديونه، ففُرضت عليه رقابة مالية وسياسية من قبل أوروبة، وفي عهد ابنه توفيق، نشأت حركات مقاومة لحكمه، تنادي بحكم دستوري) من خلال مقالاته السياسية في الأهرام، التي عكست أفكار أستاذه الأفغاني. وعلى أثر ذلك، حُكم عليه بالنفي، فالتحق بأستاذه في باريس، وهناك نظما جمعيتهم السرية، وأصدروا مجلة العروة الوثقى. يعفي عنه الخديوي في العام 1888، ويعينه مفتيا لمصر، المنصب الذي ساعده على إصلاح المحاكم الدينية، وإدارة الأوقاف، والشؤون العامة، وتفسير الشريعة تفسيرا يتفق مع حاجات العصر. أشهر مؤلفاته " رسالة التوحيد ".
ممن تردد إلى مجالس محمد عبده، السوري عبد الرحمن الكواكبي (1849 – 1903)، خصم السلطان عبد الحميد في استبداده، وكل أشكال الاستبداد. له كتابين هما:"طبائع الاستبداد، وأم القرى". يبدو في كتابه طبائع الاستبداد، مفكر إسلامي ليبرالي، يرى في الاستبداد السياسي سبباً للانحطاط، والشورى الدستورية هي البديل عنه، لكن بإشراف الشعب. أما أشد مراتب الاستبداد، هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية.. ويرى أن الغلبة والخداع ينتجان الغنى الذي يقود صاحبه إلى الاستبداد المالي الذي يمهد الطريق إلى الاستبداد السياسي؛ والحاكم المستبد العادل في رأيه لا يمكن أن يقيم عدالة سياسية مع الاستبداد لأن الحكومة العادلة هي التي يعيش الإنسان في ظلها أمينا على حياته وحريته.. أما طريق التخلص من الاستبداد، فيكون بوعي الاستبداد، ومقاومته باللّين والتدّرج مع إيجاد البديل.. وللحرية في فكر الكواكبي مكانة كبيرة، وخاصة حرية الاعتقاد، والتفكير، والمشاركة السياسية، وربطها بالوعي. لكن لا يتم كل ذلك إلا بإصلاح ديني يمهد للتغيير السياسي.
بعد مرحلة التوفيقيين، يظهر جيل جديد، من تلاميذ محمد عبده، أمثال مصطفى عبد الرزاق، وقاسم أمين (1865 – 1908) الذي اعتبر في كتابه"في تحرير المرأة"، أن سبب انحطاط الإسلام هو جهل المرأة، وفي تعليمها تمتلك حريتها وتكسب رزقها الذي يضمن لها حقوقها من استبداد الرجل، ويساعدها ذلك على نزع الحجاب الذي لا يصون الفضيلة، وإنما يثير الشهوة الجنسية. إن حرية المرأة عند قاسم امين هي أساس كل الحريات ومعيارها؛ وعندما هُوجم بسبب كتابه، حاجج بمبادئ التنوير الأوروبي، مثل الحرية والتقدم والمدنية. لكن مفهوم الحرية يغتني مع أستاذ الفلسفة والليبرالي أحمد لطفي السيد (1872 - 1963)،
والمُطلع الجيد على الفلسفة الأوروبية، حيث تغدو الحرية لديه ضرورة من ضرورات الحياة، ومقياسا للعمل السياسي. أما رأيه في الأمة الإسلامية، فهي ليست قومية حقيقية، إنها فكرة استعمارية، والدول تقوم على المصلحة المشتركة لا على الشعور المشترك. مهد فكر لطفي السيد الطريق لأطروحات علي عبد الرازق(1888- 1966)، الذي نسف ارتباط الخلافة بالإسلام في كتاب"الإسلام وأصول الحكم". بل واعتبرها نكبة على الإسلام. وما محمد إلا نبي، يدعو إلى الله، لم يمتلك شرعية سياسية قط. أما الخلافة من بعده فقد كانت سلطة سياسية وزمنية، أقامت دولة على أساس دعوة دينية.. والإسلام كدين بريء من تلك الخلافة، الأمر الذي يسمح للمسلمين ببناء أي نظام سياسي ينسجم مع العقل وخبرة الأمم.
والمُطلع الجيد على الفلسفة الأوروبية، حيث تغدو الحرية لديه ضرورة من ضرورات الحياة، ومقياسا للعمل السياسي. أما رأيه في الأمة الإسلامية، فهي ليست قومية حقيقية، إنها فكرة استعمارية، والدول تقوم على المصلحة المشتركة لا على الشعور المشترك. مهد فكر لطفي السيد الطريق لأطروحات علي عبد الرازق(1888- 1966)، الذي نسف ارتباط الخلافة بالإسلام في كتاب"الإسلام وأصول الحكم". بل واعتبرها نكبة على الإسلام. وما محمد إلا نبي، يدعو إلى الله، لم يمتلك شرعية سياسية قط. أما الخلافة من بعده فقد كانت سلطة سياسية وزمنية، أقامت دولة على أساس دعوة دينية.. والإسلام كدين بريء من تلك الخلافة، الأمر الذي يسمح للمسلمين ببناء أي نظام سياسي ينسجم مع العقل وخبرة الأمم.مع نهاية العهد العثماني، ظهرت النزعة العلمانية، وأغلب روادها مسيحيين، أمثال شبلي الشميل، وفرح أنطون. أما النزعة القومية، وقبل أن تأخذ شكلها الأخير، كقومية عربية. فقد انشغل روادها- جرجي زيدان، ونجيب العازوري، ومصطفي كمال- بشكل الدولة العربية وحدودها. إلى أن انهارت الإمبراطورية العثمانية، وقسّم الإنجليز والفرنسيين الولايات العربية بما ينسجم مع مصالحهم.
في غضون ذلك التاريخ غدت القومية العربية، فكرة سياسية، تمثلتها أحزاب قومية، ترى في الإسلام كحضارة، ومنتج للعروبة، ومستودع ثقافتها وعزتها.
إن فكر الغرب الليبرالي، الذي حاول نقله إلى شرقنا أغلب المطلعين عليه من مثقفينا بقي طافيا على السطح كموجة عابرة بلا أثر يذكر في واقعنا العربي. ولم تُجدِ نفعا محاولات الرواد في تبييئه ووقعنته. كما لم يكن الأوروبيون جادين في نقل تجربتهم الليبرالية إلى المجتمعات التي احتلوها. " مما نتج عنه عدم الرغبة في تقليد الغرب في علوم الصناعة والزراعة.
ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين ثلاث طبقات اجتماعية جديدة في عالمنا العربي: طبقة وسطى من المقاولين ومديري الأعمال والتجار من أهالي البلاد، وطبقة النخبة الفطرية من تقنيين وموظفين وضباط، وطبقة عمال مدن نتيجة نزوح سكان الريف، وتراجعت طبقة البرجوازية التقليدية وطبقة كبار ملاكي الأراضي في الأرياف. وساد النظام الجمهوري أو النظام الملكي.( 22 ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
- 20 - ص 122 – كتاب الفكر العربي في عصر النهضة – ألبرت حوراني.
- 21- ص 127- من نفس المصدر
- 22- ص 417- من نفس المصدر