مات العقيد في القصّة وما زلتُ أبكيه.. و ريميديوس الجميلة تحتاج فقط، إلى ملاءات لتعرج إلى السّماء!
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
ما الواقعي وما التّخييلي، ما الحقيقيّ وما الفانتازي، ما الأسطوريّ وما التاريخي؟ إلى أيّ حدّ تغيب الفواصل والحدود بينهما وتحضر، وهل حقّاً يندغم الكاتب/ مبدع العمل الفنّي بشخوصه، إلى درجة المماهاة، ومتى يجب أن ينفصل عنها ليكسب العمل السّرديّ مشروعيّته الإقناعيّة، وإلى أيّ حدّ يمكنه أن يعيش تفاصيل ودقائق حيواتها الكثيفة، دون أن تفقد هويّتها الوظيفيّة ضمن العمل السّردي، كشخوص تخييليّة ذات مظهر واقعي. ثمّ إذا كان الواقعيّ هو فقط ما يحدث أمامنا، ويقنعنا، ألا يحتمل أن يكون له وجهاً آخر، وإمكانيّة تحقّق أخرى، بشروطٍ وأزمنة مختلفة؟ ثمّة من يقول من علماء النفس بأنّ "الحلم" هو مستوى آخر من مستويات واقع، نعيشه بطريقة أخرى لا مرئيّة، وحسب. ومفهوم الفراغ بهذا المعنى، ليس سوى شكل شفيف من أشكال المكان الفيزيائي، يتجلّى للحواس أيضاً بطريقة مختلفة. ألم يعيش عصرنا العلمي قصص الخيال العلمي التي كتبتْ في ماضٍ ما، وقد غدتْ حقيقة وواقعاً الآن، وقد كنّا نستغربها في البداية ، ثمّ ما نلبثُ أن نألفها تدريجيّاً، وكأنّنا عشناها في لحظةٍ غبشيّة من عمر الزمان، دون أن نملك تفسيراً منطقيّاً لذلك. كما حدث مع قصص "جول فيرن" وغيره، تلك التي رسمت إحداها رجلاً ينظر إلى السماء عند نهاية سلّم، وهو يتشوّف للارتقاء إلى الأعلى، ألم يصل إنسان العصر الحديث من خلال اختراعه للطائرة، والمركبة الفضائيّة إلى هذا الهدف المتخيّل؟ ثمّ لماذا نقبل العجائبي والسّحري في القَصَص الأسطوريّ، دون أن نفتّش عن مقدّماته المنطقية "سرديات ألف ليلة وليلة، وقصص البطولات الإغريقيّة" الأوذيسّة، والإلياذة، مثلاً؟ والغريب أنّنا في الوقت نفسه نبحث في ثنايا سرديّة معينة تتضمّن نوعاً من المبالغات الشّفويّة الممتعة، ينقلها شخص إلينا شخص ما، عن منطق إقناعي، ونتهمه بالكذب "وكشّ التماسيح" رافضين تصديقه. أذكر في طفولتي، كم كان يوصف بالكذب أحد الأشخاص من ذوي المخيّلة المجنّحة في ضيعتي البعيدة، وهو يروي لمستمعيه شذرات ممّا تجود بها مخيّلته، وكيف كان يتعمشق بخيوط الغيم ليصل إلى أيّ مكان يريده دون عناء. أليستْ الحاجة أم الاختراع؟!
وبمنحى آخر، لماذا تبقى الشّخوص الورقيّة، التي أبدعتها مخيّلة الكاتب تؤرّقه في يقظته ومنامه، ملتصقة به بشكلٍ لا فكاك منه، تشرب من كأسه وتتغذّى على مائدة روحه، وتتنفّس من رئتيه ككائنات حيّة من لحم ودم حتى تكتمل مساراتها السّرديّة، سواء سلباً أو إيجاباً؟ وإلى أيّ حد ستبدو المسافة موضوعيّة بهذا المعنى بينه وبين كائناته الافتراضيّة هذه، بما لا يؤثر على مصداقية العمل الفنّي، وشرط الإقناع الذي يجب أن يتوافر عليه، خصوصاً، إذا اتفقنا بأنّ الكاتب لا يكتب لنفسه وحسب، بل لقارئ افتراضي أو واقعي؟ يجيب الكاتب الكبير "ماركيز" بأحد حواراته، على هذه التساؤلات، وهو الكاتب الذي يمتح التّخييلي من الواقعي لديه بقوّة، في مجمل أدبه. وأنا أرى شخصيّاً بأنّه لا يمكن للعجائبي أن يمارس سطوته وكيمياءه علينا، ما لم تكن المخيّلة البشريّة الطفوليّة، قد رأت شبيهاً واقعيّاً له، في ماضٍ سحيق لتترسّخ مشاهداتها تلك، بقوّة في جيناتها، كـ " كود " عضوي. ينتظر من يقرأ شيفراته الملغزة. ماركيز الذي قال أنّ أكبر مرجع واقعي لرواياته السحريّة قبل "فرانز كافكا" وغيره، هو جدّته ذات المخيّلة الثريّة،بسرديّاتها الغرائبيّة الماتعة،وهي تقصّها على مسامعه، والتي وجدتْ طريقها إلى أدبه فيما بعد بشكلٍ أو بآخر. هاهو يقدّم بعض الأجوبة على ما طرحناه أعلاه:
هل تعرف قبل أن تكتب رواية ماذا سيحدث لكل شخصيّة فيها؟
لا، فقط الخطوط العريضة، وفي سياق الكتاب تحدث أشياء لا يمكن تصوّرها، فالتصوّر الذي كان لديّ عن "العقيد أويليانو بويندا"، هو أنّه محارب قديم من شخصيّات حروبنا الأهليّة يموت وهو يبول تحت شجرة.
حدثتني زوجتك مرسيدس أنّك عانيت كثيراً عندما مات.
نعم، كنت أعلم أنّه لابدّ لي يوماً من أن أدعه يموت... وعندما أنهيت الفصل صعدت إلى مرسيدس في الطابق الثاني وأنا أرتعش. وإذ تطلّعت إلى وجهي عرفت ماذا حدث، فقالت: لقد مات العقيد الآن. ثمّ ذهبتُ أنا إلى الفراش وانتحبتُ طوال ساعتين.
إذا لكل ما تكتبه في كتبك نقطة انطلاق واقعية؟.
لا تحوي رواياتي سطراً واحداً لا يستند إلى الواقع.
في روايتك "مائة عام من العزلة" تحدث أشياء غير مألوفة إلى حدٍّ ما. "ريميديوس" الجميلة تصعد إلى السماء. وفراشات صفراء تحوم فوق "ماوريسيو بابيلونيا "
نعم، كل هذا ينطلق من الواقع، مثلاً "ما وريسيو باييلونيا". عندما كنت في الخامسة من عمري جاء ذات يوم عامل كهرباء إلى بيتنا لكي يبدل العدّاد. إنّي أذكر هذا وكأنّه حدث يوم أمس، وذلك لأنّ الحزام العريض الذي ثبت نفسه فيه على العمود لئلا يقع، سحرني. وقد جاء العامل عدّة مرات أخرى. ومرّة شاهدت كيف كانت جدتي تحاول طرد فراشة بواسطة خرقة، وسمعتها تقول: "كلّما جاء هذا الرجل إلى البيت كانت الفراشة الصفراء هنا" هذه كانت البذرة من أجل "ماوريسيو بابيلونيا ".
وريميديوس الجميلة؟ لماذا خطر لك أن ترسلها إلى السّماء؟
في البداية كنت أنوي أن أدعها تختفي في ردهة البيت وهي تحيك مع ريبيكيا وأمارانتا، لكن هذا الحلّ السينمائي بدا لي بعدئذٍ غير ملائم. حتى خطر لي أن أدعها تعرج إلى السّماء جسداً وروحاً. الحدث الحقيقي؟ امرأة، كانت حفيدتها قد هربت عند الفجر، قرّرت، من أجل إخفاء هذا القرار، ترويج إشاعة أن حفيدتها إنّما عرجتْ إلى السّماء.
لقد رويت مرة في مكان ما إنه لم يكن من السهل عليك تركها تطير.
كنت يائساً لعدم وجود إمكانية لتركها تصعد. وذات يوم دخلتُ إلى فناء داري وأفكاري تدور حول هذه المعضلة. كان ثمة ريح قوية. وكانت امرأة زنجيّة جميلة تغسل عادة غسيلها لدينا، تحاول تعليق الملاءات على الحبل. لكنها لم تنجح في ذلك، وعصفت الريح بالغسيل. وهنا جاءني إشراق، وفكرت: "هذا هو الأمر" ريميديوس الجميلة تحتاج إلى ملاءات لكي تعرج إلى السماء. في هذه الحالة كانت الملاءات هي العنصر الذي ساهم فيه الواقع، وعندما عدت إلى الآلة الكاتبة صعدت ريميديوس الجميلة، وصعدت، وصعدت دون صعوبات. ولم تكن هناك قوّة قادرة على إيقافها.
ختاماً، لا أدري إن كانت الرؤية الصوفيّة بطاقتها التّخييليّة العالية، تكفي لإضاءة شيء من تلك الإشكاليّة اللطيفة، لعلاقة الأنا بالآخر، والذّات بالموضوع ، والواقعي بالميتاواقعي، كما قال "شهيدنا الحلّاج يوماً" فإذا أبصرته أبصرتني، وإذا أبصرتني، أبصرتنا" أو كما قال أحد حكماء الصين التاريخيين، بما في معناه، كنت أراقب الفراشة بتأمّلٍ عميق، حتى وصلت إلى مرحلة لم أعد أعرف فيها إن كنتُ أنا الفراشة أم أنا من يراقبني .