جدلية العلاقة بين الفلسفة و الأدب...
المترجم عدنان محمد: قد يكون هناك فلسفة بلا أدب.. لكن لا يمكن أن يكون هناك أدبٌ بلا فلسفة
ثتاء عليان- خاص فينكس:
إذا كانت الفلسفة هي أمَّ العلوم، وإذا كان الأدب هو أبو الفنون، فإن تآلفَهما وتلاقحَهما لا بد أن ينتجا الروائع. ولكن ما طبيعة هذا التآلف وهذا التلاقح؟ ما هي حدودهما؟ وما الفارق بين الأدب والفلسفة؟ هل يكمن الفارق في الموضوع أو في الأسلوب و ربما في المتلقّي؟ هذه الأسئلة أجاب عليها الأديب والمترجم عدنان محمد خلال المحاضرة التي ألقاها في فرع إتحاد الكتاب العرب بطرطوس تحت عنوان (الأدب والفلسفة)، أشار فيها إلى أنه قد يكون هناك فلسفة بلا أدب، ولكن لا يمكن أن يكون هناك أدبٌ بلا فلسفة. وذلك لأن ثيمات الولادة والموت وما بينهما، وما بعد الموت، هي من أهم موضوعات الفلسفة، وهي في الوقت نفسه الشغلُ الشاغل للأدب. مستشهداً بكلام (ألبير كامو) حين كتب في دفاتره المنشورة عام 1936 نصيحتَه الشهيرة: "إذا أردتَ أن تُصبح فيلسوفاً، فاكتب الرواية."
وقدم المترجم محمد أمثلة سريعة جداً قد تصلح كإثباتٍ لما ذهب إليه، وبدأ بأقدم دليل، وهو (ملحمة جلجامش)، وهي ملحمة شعرية مكتوبة باللغة الأكادية جرت أحداثُها في مدينة الوركاء "أوروك" السومرية عام 2100 قبل الميلاد. وهي تقوم على ثيمة فلسفية في منتهى الأهمية، وهي مسألة الموت، وكيف حاول بطل الملحمة أن يبحث عن الخلود في هذه الدنيا، وكيف أخفق في مسعاه، ثم تطرّق إلى تراثنا العربي، حيث بيّن أن الشعر كان الشكلَ الأدبي الوحيد-تقريبا- المستخدم قبل الإسلام، ولكن حين أتت الرسالة المحمدية، خصّص القرآن سورة كاملة للشعراء، إذ قال عنهم: "والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم ترَ أنهم في كل وادٍ يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً..." إلى آخر الآية.
إن ما يثير الدهشة حقاً –حسب محمد- هو التشابه بين نظرة أفلاطون إلى الشعراء وازدرائه لهم، ونظرة القرآن إليهم. ومع ذلك فقد قرّب الرسول الشاعرَ حسّانَ بنَ ثابتٍ الأنصاري، وقال له في إحدى المرات: "قُل وروح القدس معك". طبعاً كان تقريبه له لكي يدافع عن الدعوة الإسلامية، وبشرط ألا يقول شعراً يخالفها، لافتاً إلى أن نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، و فيه مجموعة خطبه التي قيلت نثراً، فيها من الروائع الأدبية-الفلسفية التي قيلت في النصف الأول من القرن السابع الميلادي ما جعله خالداً حتى الآن لدى الناطقين باللغة العربية جميعاً.
وذكر صاحب مجموعة "حقل من ريح" ديوان اللزوميات للمعري (972-1057)، في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وبيته الشهير الذي يحدّد فيه العلاقة بين العقل والدين، إذ أن العقل والدين من أهم ثيمات الفلسفة:
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين وآخر ديّنٌ لا عقل له
كما يقول في قصيدة أخرى جلبت له التهمة بالزندقة:
قلتم لنا خالقٌ حكيمٌ قلنا صدقتم كذا نقول
زعمتموه بلا مكان ولا زمان ألا فقولوا
هذا كلام خبيءٌ معناه ليست لنا عقولُ
كذلك هناك رباعيات الخيام (1043-1131) في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، منوهاً إلى رباعية واحدة من ترجمة الشاعر أحمد رامي: وفيها عبثية الحياة والموت واضحة للعيان:
لبستُ ثوب العيش لم أستَشر
وحرتُ فيه بين شتى الفِكَر
وسوف أنضو الثوب عني ولم
أدرك لماذا جئتُ أين المفر.
وانتقل المحاضر مباشرةً إلى القرن الثامن عشر، وهنا لا بدّ من الحديث عن يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832). الذي عاش بين قرنين، وكاد أن يُلقَّب بحق "عبقريَّ العالم"، فقد كان عالماً وشاعراً وروائياً وناقداً ألمانياً. تُعَد مسرحيته الشعرية "فاوست"، التي بدأ بكتابتها عام 1771من الروائع الخالدة في الأدب العالمي حتى يومنا هذا، ولكن لم يصدر الجزء الأول منها إلا عام 1808، أما الجزء الثاني فقد انتظر حتى عام 1831، وفي القرن التاسع عشر، يذكر محمد أن الروايةُ توطّدت وأخذت أبعادَها كاملةً، حتى طغت تقريباً على الأجناس الأدبية الأخرى، لا بد لنا أن نذكر في هذا المجال رواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي (1821-1881). ربما كانت علامة فارقة في الأدب الروسي، بشكل خاص، والعالمي بشكلٍ عام، ولعلّ أهميتَها تتأتّى برأيي من شخصية إيفان كارامازوف، الشخصية المتفلسفة بامتياز، وقد عرض الروائي فلسفتَها بنجاحٍ باهر، أي من دون أن يؤذي الشخصيات الأخرى، ولا أحداثَ الرواية، ولا فكرتَها العامة، ولا أدبيَّتَها. ويرى محمد أن شخصية إيفان كارامازوف بتعقيداتهاـ بالإضافة إلى شخصية سميردياكوف، هما اللتان أسهمتا في النجاح المدوّي لهذه الرواية.
وفي القرن العشرين يؤكد محمد أنه لا بد من وِقفة مع روايتين مهمّتين جداً لكاتب واحد، ما تزالان حتى الآن، أي بعد مائة عام على صدورهما، مثار نقاش وحتى خلاف بين نقّاد الأدب. الروايتان هما "المحاكمة" صدرت عام 1925، أي بعد وفاة مؤلفها) و"المسخ"، والكاتب هو التشيكي فرانز كافكا (1883-1924)، حيث يُعَد كافكا بعالمه الذي حمل اسمه مبشِّراً بالفلسفة الوجودية التي شغلت العالم في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، بأبطالها المشهورين، مشيراً إلى بعض ممن كتبوا أعمالاً أدبية ليوضحوا فيها فلسفتهم مثل: (ألبير كامو وجان-بول سارتر وغابرييل مارسيل وأوجين إيونسكو وصموئيل بيكيت، مؤلف المسرحية الشهيرة "بانتظار غودو).
وفيما يخص الوطن العربي، يذكر صاحب مجموعة (السباق) رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، بموضوعها الفلسفي-الديني، إذ وضع الكاتب فيه رؤيته للحياة وللأديان، إذ مثّل فيه الله بالبطل الشيخ الجبلاوي، وآدم بـ "أدهم أدهم"، وإبليس بـ "إدريس إدريس" وموسى بـ "جبل جبل" والمسيح بـ "رفاعة"، ومحمد بـ "قاسم قاسم"، وقد جلبت هذه الرواية التهمةَ لمحفوظ بالكفر، وبالطعن في الذات الإلهية (بعد أكثر من ثلاثين سنةً على صدورها)، فتعرّض لمحاولة الاغتيال عام 1994، لافتاً إلى أن الفلسفة لم تغِب عن روايات نجيب محفوظ الأخرى، كالثلاثية، وثرثرة فوق النيل وغيرها.
وختم المترجم والأديب عدنان محمد مؤكداً على تجذّر الفلسفة في الأدب، وقال: اسمحوا لي أن أزعم بأن الفلسفة أساسُ الأدب، وأن كل أديب هو فيلسوف بطريقةٍ ما، سواءٌ أعرَف ذلك أم لم يعرفه. لكن الفارق بين الفيلسوف والأديب يكمن في الأسلوب أولاً، فأسلوب الفيلسوف رصين ومتقشّف وجاف، وخال تقريباً من الصور البيانية؛ في حين أن أسلوب الأديب هو عكس ذلك تماماً؛ ويكمن في المتلقّي ثانياً، فمتلقّي الفلسفة يجب أن يكون مزوّداً بذخيرة معرفية وحتى فلسفية كافيه لفهم ما يقرؤه، أما متلقّي الأدب فيكفيه حُبّه له وتمتّعه بحاسة التذوّق وهي برأيي أمرٌ ضروري جداً للاستفادة وللتمتّع بما يقرؤه.
ويرى محمد أن متلقّي الفلسفة هو إما فيلسوف أو دارسٌ للفلسفة أو مغامر؛ في حين أن هذه الصفات لا يُفتَرض أن تتوفّر في متلقّي الأدب، لافتاً إلى أن هناك تراجعاً مخيفاً في جمهور متلقّي الأدب في الآونة الأخيرة، وبرأيه فأن الأسباب أكثر من أن تُحصى، وأولها ضمور حاسة التذوق، وبالتالي أُصيب المتلقّي بالكسل المعرفي، ولم يعد يجد فائدةً من قراءة الأدب، أما المتعة فإنه يجدها في مجالات أيسر منالاً وأدنى كلفة وأكثر تشويقاً من قراءة كتاب أو حضور محاضرة، إذ يجب ألّا ننسى أننا في عصر طغيان الصورة الرهيب؛ وآخرها جنوح بعض الأدباء إلى كتابة عويصة بعض الشيء توخّياً للحداثة وما بعد الحداثة، سواءٌ أكان ذلك في مجال الرواية أو الشعر، وهذا على حساب التآكل التدريجي في جمهور المتلقّين العاديين؛ والغريب في الأمر أننا نجدهم يفتخرون بالاكتفاء بمتلقّين نوعيين.