كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التّوراة كتاب تجميعي لأساطير الأوّلين

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس: 

يقول الناقد الروسي "ميخائيل باختين": (آدم فقط هو الوحيد الذي كان يستطيع أن يتجنب تماماً إعادة التوجيه المتبادلة فيما يخصّ خطاب الآخر الذي يقع في الطريق إلى موضوعه. لأنّ "آدم" كان يقارب عالماً يتّسم بالعذريّة، ولم يكن قد انتُهك بوساطة خطاب الآخر)، لكن هذا الجزم الباختيني الغريب بإعطاء "آدم" التوراتي صفة منتج الخطاب الأول باعتباره أباً للبشريّة جمعاء، في نسختها البكر، قد كسرته المكتشفات الأحفوريّة الحديثة، وكسرت احتكار التوراة لسرد التاريخ كونها من أوائل النصوص المكتوبة التي وصلتنا، في القرن السابع ق. م. فقد تبيّن للباحثين الآثاريّين أثناء تنقيباتهم وحفريّاتهم، بأنّ الكتاب العبري الذي يتباهى به التواراتيّون ذاته، لم يكن إبداعاً للمخيّلة اليهوديّة، بل هو مجرّد كتاب تجميعي لما سبقه من ثقافات وسرديّات المنطقة المدوّنة في رقيماتها المحفوظة، عمد كتبته إلى امتصاصٌ وإعادة إنتاج نصوصها الأسطوريّة والتّخييليّة بما يتناسب مع توجّهات عقيدتهم الجديدة. وأعني هنا بالدّرجة الأولى، أسطورة الفردوس السومرية "ديلمون" وهي جزء لايتجزّأ من أساطير بلاد الرّافدين. فقد دوّنت هذه الأسطورة تصوّرها لـ"الجنة " التي تجري من تحتها الأنهار، التي يأكل فيها "إنكي" من النبات المحرم، فتنصبُّ لعنةُ الآلهة عليه نتيجة فعله هذا، وإلى جانبه امرأة اسمها "تين ـ تي" وتعني "حواء" أو "السيدة التي تُحيي"، ومعناها أيضاً "سيدة الضلع".

وقصّة الضلع هذه، ارتكز عليها بقوّة، المصدر التوراتي لتفسير خلق "حواء" التوراتيّة من "ضلع آدم". وكذلك ثمّة ذكر للربّات اللواتي يلدن بلا ألم أو عناء، والتي عدّلتها التوراة لتصبح قصّة حبل وولادة بالألم لـ "حوّاء" ولنسلها جميعاً، بسبب تجرؤها على الأكل من الشجرة المحرّمة، وإغواء "آدم" ليقوم بمثل فعلها، واللّعنة التي لحقتها من جرّاء ذلك، وأدّت إلى طردهما من جنّة الخلد السّرمديّة، نتيجة رفضهما لتحذيرات الإله العبري العنيف وأوامره الصّارمة. وحتى هذه الأسطورة السومريّة، التي دخلت في لبّ تشكيل الرواية التوراتيّة، لم تكن هي البداية البكر، التي لم تتداخل بعلاقات تناصّيّة مع بدايات أخرى سبقتها، بل سبقتها سرديّات شفويّة أخرى، كما يقول "كريمر" بهذا الخصوص: (..كتَّابُ الأساطير السومرية، كانوا على العموم الورثة المباشرين للمغنّين والزّجالين الأميّين من أقدم الأزمان، الذين كان هدفهم الأول هو تأليف القصائد القصصية عن الآلهة التي من شأنها أن تكون جذّابة وملهمة ومسلية وهكذا فإنّ الحلقة لا تنتهي).

و تأتي قصّة "ليليت" أو "ليلات أو ليليتّو" التي تعني بالسّومريّة: "الهواء، الريح، النفس، الروح، والتي عهد إليها من قبل الأم العظمى، بمهمّة تربية الأطفال وسرد الحكايات على مسامعهم في اللّيل والغناء لهم، وهدهدة مهدهم قبل النوم" لذلك سمّيت "ليليت". وكل ذلك جرى قبل شيطنتها من قبل الرواية الذكوريّة فيما بعد، التي ترغب بإنتاج الرجال وإعدادهم للحروب، لا للسلم والراحة والسكينة، لذلك طردها "جلجامش" ربيب الآلهة من مملكة "أوروك" بتحريض من " إينانا" التي رضخت للسلطة الذكورية مبكراً.

قصّة "ليليت" المرأة المتمرّدة الرافضة للتبعيّة، تلك "الأمازونيّة الفراتيّة الحسناء، أمازونيّة مابين النهرين" كما يسمّيها الباحث والأديب المعروف "حنّا عبّود" تأتي كما قلنا كتتويج لأدب الظل والمسرود المغيّب، المسكوت عنه من قبل التاريخ الرسمي.

هذا الأدب الذي ينفي ما درجت عليه الذاكرة التاريخيّة اليقينيّة، ورسّخته الرواية التّوراتيّة بقوة في الذاكرة الجمعيّة. ليضيف إلى زيف التوراة وسرديّاتها المختلقة ككتاب سماوي، دمغة جديدة. "ليليت" المرأة الندّ للرجل، بل المتفوقة عليه من حيث أنّها خُلقت من الهواء، أو الغبار المصفّى، حسب رواية كهنوتيّة عبريّة أيضاً، بينما آدم خُلقَ من التراب والطين المخلوط بمواد أخرى. ولذلك هي لا ترضى أن تكون تابعة له، وترفض أن تستكين لرواية الضلع القاصر الذي لاحول له ولا قوّة، وبأن دورها في الحياة فقط هو الطّاعة وتنفيذ مشيئة الذّكر. هذا الدور الذي ارتضته "حوّاء" فيما بعد لنفسها كتأكيد على خضوعها. وكثيراً ما يحلو للكثير من الذّكور السّاذجين استخدامه لتأبيد سيطرتهم على المرأة. ذاك الضلع الغريب الذي اقتلعه إله توراتي غضوب اسمه "يهوَه" بعملية "جراحية مدهشة" من أضلاع آدم وخلق له منه، امرأة لتؤنس وحدته، هي "حوّاء". بعد أن هجرته "ليليت" التي أحبّها بجنون. ثمّ لتُلعن "حوّاء" فيما بعد من قبل الإله نفسه، وتُطرد من جنّة الخلد، رغم خنوعها؛ وهنا لسببٍ مختلف يضاف إلى تاريخها المستلب، وهو الدور الإغوائي الذي مارسته على "آدم" بجعله يأكل من الشجرة المحرمة.

"حوّاء" التي بقيت برمزيّتها السلبيّة تشير إلى الخضوع النّسوي انتصاراً للثقافة الذكوريّة المهيمنة حتى الآن. ولم ترضَ "ليليت" رغم مفاوضات الملائكة الذين بعثهم الإله الأكبر ليقنعوها بالعودة إلى "أدم" ومعاشرته. وهي التي رفضتْ مسبقاً أوامره لها بمضاجعتها، وقالت للوفد الملائكي بأنّها لم تقرّبه لأنّها لا تريد أن يكون له نسل يفسد الأرض ويلوّث الهواء. وحين قالوا لها بأنه يتوسّل للإله أن يزوّجه من امرأة أخرى لينجب نسلاً من صلبه، أكّدت لهم بأنها ستقضي على نسله حرصاً على نظافة الكون الجميل.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني