كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في حضرة الوفيق...

الدكتور محمد ابراهيم علي- خاص فينكس: 

رحل الدكتور وفيق سليطين عن هذا العالم تاركاً لنا ذخيرة معرفية جمعها بأهداب بصيرته، منذ (ذلك البزوغ الأول) وحتى (ذلك الاحتجاب العظيم) ، وكأن عنوان مجموعته الشعرية الأخيرة هذا يختصر تلك الرحلة بتكثيف دلالي يحتضن روح الوفيق، ثم يذروها على مسامعنا، لنكابد بعده ألم الفقد.

صرخة الوفيق الأولى كانت عند ولادته في اللاذقية عام 1961م، وفيها نشأ على شغف البحث والمعرفة، واستهوته اللغة العربية بعلومها وفنونها، فسعى في ركابها إلى أن حاز على درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة القاهرة عام 1995م، وقد لفت الأنظار إليه منذ أن وطأت أقدامه أرض الكنانة، وفيها نشر كتابه الأول (الشعر الصوفي بين مفهومي الانفصال والتوحد)، الذي حاز على جائزة وزارة الثقافة في دمشق عام 1991م، ثم نشر بعد عودته إلى سورية كتابه الثاني (الزمن الأبدي)، الذي حاز على جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1998م، والكتابان يكشفان عن افتتان الدكتور وفيق بالصوفية وطرائقها في التعبير، وعليه كان تبحّره في هذا الميدان، فتوالت كتبه التي تقارب هذه الظاهرة وسواها بالتحليل العميق، محاولاً إضافة رؤية جديدة للنقد العربي في هذا المجال، ومن أهم كتبه النقدية: (الكتابة السالبة 2006م), (الشعر والتصوف 2008م)، (غواية الاستعادة 2009م)، وغيرها.

ولم يخرج إبداعه الشعري عن هذا السياق، فقد تمثّل في شعره القيم الفنية التعبيرية للصوفية، فجاء شعره محفوفاً بالغموض الموحي، مستبطناً المعنى، ومشفوعاً بالرؤيا التي تاخمت أمداء الخيال، ويمكننا أن نستشف من عنوانات بعض مجموعاته الشعرية ما يحيل على ذلك: (أسفار الكائن الآخر 1991م)، ( حافياً إلا من هذا الحب 1996م)، (في سماء الهديل 1997م)، (العتبات 1999م)، (معاكسة لأوابد الضوء 2004م)، (شقوق المعنى 2008م).

لم يكن الدكتور وفيق مدرّساً جامعياً ناجحاً في جامعة تشرين وحسب، بل كان باحثاً وناقداً عرفته منابر الجامعات العربية في أكثر من ندوة ومؤتمر، فكان حضوره النقدي ساطعاً في جامعات سورية عبر مشاركاته في الندوات التكريمية التي أقامتها وزارة الثقافة والجامعات السورية للشعراء والأدباء: عبد الله عبد، أبو العلاء المعري، نزار قباني، ممدوح عدوان، جان الكسان، نبيل سليمان، جلال الدين الرومي، بدوي الجبل، عمر أبو ريشة، ممدوح السكاف، صقر عليشي، وغيرهم. وكان الدكتور وفيق حريصاً على ترك بصمة نقدية في جميع مشاركاته التي أخلصت للموضوعية والمنهجية، متجاوزاً تخصصه الأكاديمي نحو كل ما يمت للثقافة والمعرفة بصلة، فأدلى بدلوه خلال مشاركاته الأخرى في المؤتمرات والندوات العلمية في ميادين الحداثة والنهضة والفلسفة واللغة والتاريخ والمثاقفة.

وعلى مستوى الوطن العربي, أسهم الدكتور وفيق في أكثر من مؤتمر وندوة، فتنقّل إبداعه النقدي خلال العشرية الأولى من هذا القرن بين الجامعات العربية, ليعرض رؤيته عن الأدب المقارن في جامعة الكويت (2001م)، والمرأة العربية والإبداع في المجلس الأعلى للثقافة بمصر (2002م)، وتحولات الخطاب النقدي العربي المعاصر في جامعة اليرموك بالأردن (2006م)، وصناعة الكتاب التراثي العربي في مركز البحوث العلمية بطرابلس – لبنان (2010م)، وغير ذلك من المشاركات الفاعلة. كما جالت بحوثه العلمية على دوريات محلية وعربية، أهمها: مجلة فصول المصرية، ومجلة ثقافات البحرينية، ومجلات المعرفة والموقف الأدبي وجامعة تشرين السورية، ومجلة أفكار ومجلة عمان الأردنية، ومجلة البيان الكويتية، ومجلة الإمارات الإماراتية، ومجلة دراسات في اللغة العربية وآدابها السورية الإيرانية المشتركة.من مؤلفات الدكتور "وفيق سليطين"... - العلويّون Alawites | Facebook

هذا غيض من فيض نشاطات الدكتور وفيق العلمية، أما علاقاته الإنسانية بزملائه وطلابه فقد جمع الدكتور وفيق قلوبهم على المحبة والاحترام لشخصيته العلمية، فكان مرجعاً علمياً لكليهما، على الرغم من ابتعاده عن المجاملة السلبية والتقريظ المجاني، ويضيق المجال عن سرديات وجدانية تفي الوفيق حقه، وسأكتفي في هذا المقام بذكرى علمية جمعتني به في مكتبه، حيث شكوت إليه ذات لقاء حال الشعر الحديث، وما آل إليه من ابتذال في الشكل والمضمون، ثم عرّجت على ظاهرة (تفقيس) الشعراء على مواقع التواصل الاجتماعي، وسواها من المنابر الخلّبية، كان يبتسم بهدوء خلال الحديث، وكنت أنتظر منه جواباً على سؤالي (ما العمل إزاء هذه الظاهرة؟)، هل نلوذ بصمت العاجز عن مواجهة التيار؟ أم نرفع الصوت عالياً حدّ تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية؟ فقال لي: "يا محمد, الزمن غربال", كان يؤمن أن ما ينفع الناس، جمالياً وفكرياً، يمكث في الأرض، وأن الإبداع الشعري الحقيقي خالدٌ تبعاً لقيمته الفنية التي تتجاوز العصور، وأن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى تضافر عاملين: استمرار المبدع الحقيقي بكتابة الشعر رغم التهميش الشعبوي الذي قد يطال نتاجه، واستمرار النقد الجاد بعمله في تقويم اعوجاج الذائقة العامة عبر مقاربة النصوص الشعرية بأدوات  لا تتعالى على القارئ، ولا تتضع – لأسباب شخصية – للشويعر، وهكذا فإن غربال الزمن يحتاج إلى مَن يهزّه، وهو الناقد، كما أن الشعر الجيّد يعرّي زيف الشعر بمرور الزمن.

يستحق الدكتور وفيق مقاربةً واسعة لفكره النقدي، وقد شهدتُ اليوم - وفاءً لذكراه العلمية – محاضرة ألقاها الدكتور أسامة ميهوب على طلاب الدراسات العليا في جامعة طرطوس، تتضمن تحليلاً جمالياً لمنهج الدكتور وفيق في النقد، وهذه لفتة كريمة يجب أن تلقى صداها في جامعاتنا، ليبقى إرث الوفيق العلمي حاضراً فينا، مهما طال الزمان.

 يقول الدكتور أسامة ميهوب: "يُعد الدكتور وفيق سليطين قامة علمية أكاديمية متميزة، وهذا الكلام ليس من قبيل الانسياق وراء العواطف التي فجّرها رحيله، فعلاقتي به علاقة علمية في أساسها، وبالأصح هي علاقة بإنتاجه الفكري، وبالتحديد بكتابه (الزمن الأبدي)، وسأجعل الحديث عن هذا الكتاب منطلقي في بيان صورة الدكتور وفيق كما ارتسمت في نفسي. إذ يُعد هذا الكتاب واحداً من الكتب النقدية النادرة التي مارست التطبيق النقدي الواعي غير المتعالي على النص الأدبي، وغير المتعامل معه بسطحية، وقد قام هذا الكتاب بتحليل النصوص الشعرية لثلاثة من كبار المتصوفين (ابن الفارض، ابن سوار، العفيف التلمساني)، وحلل هذه النصوص بعقل نقدي متميز, وبلغة نقدية متماسكة ومتميزة، ثم أوصلته هذه التحليلات، أو كشفت له المقولات الفكرية التي حفّزتها، وهنا يكمن تميزه، إذ إن السائد في النقد الأدبي العربي، وفي دراسة شعر التصوف بالتحديد، هو الانطلاق من مقولات فكرية ناجزة، بصرف النظر عن حقها أو بطلانها، ثم البحث عما يؤيدها في النصوص، فهي تقسر النصوص لتطابق تلك المقولات، وفي مثل هذا التحليل تغدو النصوص شهود زور، وفي أحسن الأحوال وثائق لا تقول غير ما يُراد لها أن تقول، أما التحليل المضني للنصوص فهو العمل الذي ميّز (الزمن الأبدي)، وهو العمل الذي ثبّت في نفسي أنني أمام عقل نقدي واعٍ، وأمام لغة نقدية رصينة".Nwf.com: التأسيس والتحويل - تناصيات الشعر والتصوف: وفيق سليطين: كتب

وبعد, سيبقى نهج الوفيق حاضراً في قلوب محبيه، كما سيبقى علمه منارة تضيء دروب طلابه، كما يتجدد الوعد بفخر الانتماء إلى مدرسته النقدية، ذلك الفخر الذي تملّكني قبل خمس عشرة سنة عندما سألني الدكتور وهب رومية ذات لقاء في رحاب جامعة دمشق: (من هم أساتذتك في جامعة تشرين؟), فكان اسمه واحداً من الأسماء التي رفعتُ رأسي وأنا أنطق بها.

معلّم (الزمن الأبدي) الدكتور وفيق سليطين... لروحك السلام.

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني