كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جوائزُ أدبية...

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

لم يكن أبو جعفر المنصور سوى ذلك الخليفةُ المعتدُّ بنفسه وبذكائه لدرجة مفرطة... ولم يكن ردُّ "الأصمعيِّ" حسبَ أغلبِ الروايات، سوى ردٍّ متناسب تماماً مع طبيعة ما طرحه الخليفة تحدياً ومهارة على شعراء تلك الفترة... فكانت الجائزة فوز الشاعر، بالمعنوي والمادي، والأهم بالشعر حيث لا تزال الألسن تتناقل تلك القصيدة.

كذلك لم تكن تلك الروايات التي تروي لنا عن اكتظاظ مجالس الخلفاء والأمراء والملوك والسلاطين بالشعراء والحكماء والأدباء والمستشارين منهم، سوى دليل ناصع على مكانة الشعر والأدب الرفيعة على مر العصور أولاً، وثانياً على دور تلك الأجناس وأولئك القوم في رفعة ومكانة النظام والدولة آنذاك... وتحديداً كلسان حال الخليفة والقبيلة والدولة حيث كان يجند الشاعر نفسه لمدح ممدوحه، واقفاً على بابه، منتظراً الخِلَعَ من الأعطيات والأموال والجوائز ولنا في قصة ابن زريق البغدادي مثال ناصع، ويلفتني هنا مشهد من فيلم "الرسالة" للمخرج السوري المرحوم مصطفى العقاد، حيث كان مجتمع قريش الغني يبذل لمن يمدحُهُ المالَ والذهبَ والفضَّةَ ومن كل ما ملكت يداه، في الوقت نفسه الذي بات الشاعر يعرف قدر نفسه ويعرف دور شعره في خفض أو رفع الممدوح أو المذموم، ولأن الشعر كان ديوان العرب فقد كان يعي كلُّ إنسان أن ما يطلقه لسان الشاعر ستسير به الركبان والرياح حتى وتتناقله الشفاه والألسن وتختزنه الضمائر ولوقت طويل وصادقون إذا قلنا حتى أيامنا هذه وإلى ما شاء الله.

لا تزال ذاكرة العصور الحديثة، بعد تلك العهود، تحتفظ بنقطة بارزة وعلامة فارقة للجوائز هي الجائزة التي أعلن على إثرها الشاعر المصري أحمد شوقي أميراً للشعراء، ومن حينها لم يعد للشعر جوائز فحسب، بل وألقاب وإمارة من ممالك، وقصور، وبرز الشعر من جديد كنمط أرقى وأسمى مكانة بين جميع أنواع الفنون الإبداعية الكبرى الأخرى، والأكثرها لمعاناً ومهابة وبريقاً بل وإشعاعاً، وهو الأقدمها ظهوراً منذ فجر تاريخ الإلياذة...

طبعاً يذكر المستعرض لحركة الفكر والشعر والريادة منذ مطلع القرن المنصرم "العشرين" تنظيم مجلات ومؤسسات أدبية ودور نشر لجوائز أدبية كانت حصيفة حريصة على تقديم وإفراز الأفضل والأجدر، بل والسائر في ركب الحداثة، إذا ما تذكرنا أن أهم الأسماء وألمعها كانت تقوم عليها من أمثال أدونيس ويوسف الخال والماغوط وغيرهم... ويذكر التاريخ أسماء كثيرة بعينها باتت من الأعلام والرواد كانت في بداية حياتها الأدبية والشعرية قد فازت ببعض هذه الجوائز "سنية صالح" مثلاً... فازت بجائزة مجلة شعر ذلك الحين.

بعد ذلك الوقت بعقد ونيف، بدأت الجوائز الخليجية بالظهور "جائزة البابطين، جائزة العويس، جائزة الشارقة، جائزة نادي فتيات الشارقة جائزة أمير الشعراء"... الخ.

ولئن كانت جائزة البابطين حتى عهد قريب لا تحتفي إلا بالشعر النمطي الشكل، حيث انفتحت مؤخراً وقليلاً على الأشكال الشعرية الأخرى ولكن ليس على الشعر الحر "النثر"، إلا أنها كانت و لا تزال تحتفظ بضوابطها و أوامرها و نواهيها....

أما جائزة العويس فقد أخذت تحتفي بأهم قامات الأدب والفكر والسياسة والشعر التي بزغت وتكرست وترسخت أسماؤها وتجاربها الإبداعية، وكلنا يعلم حصول حنا مينة ودرويش والماغوط وأدونيس... عليها في سنواتها المبكرة.

وهكذا، و مع بروز وسائل البث التلفزيوني والإذاعي التكنولوجية، ومع قيام ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومن ثم إعلان العالم قرية كونية واحدة، حتى برزت مع من برز قضية الجوائز المتلفزة، والمسموعة والمقروءة والمرئية بل والافتراضية ونظمت لأجلها المحافل والأنشطة والتنظيمات، كان أشهرها على الإطلاق كأكبر وأوسع وأشهر جائزة للشعر العربي الفصيح مسابقة أمير الشعراء في الإمارات، وقد وقعت تغطية ندوب هذه المسابقة على عاتق صيحة "التصويت" الالكتروني والخلوي... فلم يعد ثمة من يستطيع التأكد أو الاحتجاج سوى الحس السليم لدى المتابع اللصيق.

هذا كله، ولم نتحدث عالمياً، عن جائزة نوبل والبوكر الإنكليزية وتليولا الإيطالية إلخ.

ولم نتحدث عن كواليس مسابقات أخرى ذات عائد باهظ، وثمن أخلاقي أبهظ، ولا عن أجواء وكواليس التحكيم، لكننا بالمقابل يهمنا التضويء على الجانب الإيجابي: وهو فرز أصوات جديدة حقيقية بنسبة لا بأس بها، وعلى المقلب الآخر ثمة الكثير من الشعراء الكبار لم يتقدموا ولم ينالوا أي جائزة، ومنهم من نالها صغير السن مثل الروسي أصغر حائز على جائزة نوبل في الآداب، ناهيك عن جوائز الدولة التقديرية و التشجيعية في مختلف الدول، وجوائز المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية منها، وما يوصم منها بالتسييس ودخول السياسة على خط الأدب والفكر والشعر... وهنا لا بد من إثارة فكرة وهي ما علاقة الشاعر بالسلطة والإعلام، بل كيف علاقته وما ضوابطها وروائزها مع مؤسسته الثقافية وخاصة إن كان على ملاكها، كوظيفة ومهنة، وكيف هي حياة ومعيشة الأديب والشاعر خاصة في وطنه وخاصة في العقد الأخير الذي يجمع المراقبون من داخل الوسط وخارجه على انحداره ودخوله مرحلة انحطاط لجهة الفكرة والنتاج والتناول... أسئلة شتى موضع إثارة واهتمام وتنتظر ضميراً صادقاً شفافاً للإجابة عنها وبالتالي معالجتها فقد استفحلت وفاض الكيل وبات من يحضر الأنشطة ويرتاد المنتديات ويقيم الملتقيات ويترأس المنابر من ذوي الصيحات الثقافية من آخر ما اجترحته مواقع التواصل الاجتماعي وما سببه النشر المجاني دون رابط ولا وازع من موهبة أو ضمير...

أسئلة مفتوحة للمناقشة والتداول، علنا نؤنس على النار هدى أو نلتمس قبساً على طور الحقيقة...

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني