في "السرد و الحياة" الرواية فن يتماشى مع الواقع.. النص الروائي يقوم على التوازن بين الفنية العالية و الموضوعية
دعد ديب - خاص فينكس:
لقد عملت الجهود النقدية على إيجاد توليفة خاصة بين العالم الروائي المتخيل والعالم الواقعي، وتنطلق هذه المحاولات من مبادئ الفلسفة الاشتراكية في محاولة الربط بين كوامن النص الأدبي والبيئة التحتية للمجتمع.
وكل تلك المحاولات قامت على ربط الرواية بالواقع الاجتماعي وهي بذلك لا تلغي سمات الرواية الأساسية فهي تظل فنًا يتماشى مع الواقع، لهذا يتطلب النص الروائي توازنًا منطقيًا بين فنية عالية يبتغيها المتخيل وموضوعية منطقية في ربط الأحداث تتكشف من وراءها خيوط الواقع وترسم صورة للحياة،
لقد تأثر السرد والرواية بإرهاصات المراحل التاريخية ومؤثرات التقلبات السياسة فانحازت الرواية في المدينة إلى الواقع بشكل واع وموضوعي ومن أهم التحديات التي واجهت مسيرة الرواية فيها هي السلطة السياسية لان السياسة هي المحرك الأساسي للكثير من القضايا العامة الفكرية والأدبية منها حسب أيدلوجية الفكر، لذا من الطبيعي أن يتأثر الأديب والأدب بالحالة السياسة القائمة سلبًا وإيجابًا، ففي أوقات الانفراج السياسي تشهد الحياة الأدبية في العراق نشاطًا أدبيًا ملحوظًا، وعلى العكس من ذلك فالأدب يشحب لونه في الأيام التي يواجه فيها الشعب تعسفًا بوليسيًا يسعى للحد من قواه، أي أن الأمر يتعلق بما يحتاجه الأدب من هامش حرية يتحرك في فضاءه بعيدًا عن ارغامات السلطات الحاكمة.
وهي تنطلق من رؤية خاصة لكتابها تابعة لحركة منطلقات نظرية متباينة تبعًا لأيدلوجية كل منهم، وفق رحلة الصراعات الفكرية التي جسدت الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي رزحت تحته، فبعد المد اليساري وما حدث لهم بعد ثورة 1958 وما جرته من متغيرات وراءها من تقلبات فكرية أدت إلى إبراز شخصية البطل المهزوم الذي لا يستطيع مقاومة التغيرات التي تحصل أمامه على العموم وعكست الدافع الاجتماعي وتاريخ المجتمع وتماهت مع قضاياه مستحضرة سنوات وأزمنة المحنة وجعلت من الواقع مرجعًا استندت عليه في النصوص الأدبية دون أن تقع في مطب الخطابة التي تجعل من الرواية مستندًا تاريخيًا يوثق لمرحلة تاريخية فحسب، بل تعداها إلى الهامش والتصريح بالمسكوت عنه وإبراز التجارب والمواقف والقضايا التي كانت عوامل مهمة لما لها من بالغ الأثر في توجهات المجتمع عند روائيي محافظة ذي قار في سجل السرد.
مثلت تلك المسيرة لمحافظة ذي قار التي امتدت على 50عاماً، خلاصة الفكر المعالج لقضايا المجتمع في كشف لخطاب الروائي عن مزاجين متباينين بالتعامل مع قضايا المجتمع. اقترب الأول كثيرًا من المدينة بحكم ما تتطلبه خلفيته الثقافية ومرجعياته الفكرية فسيطر هذا المزاج على الروايات التي راحت تبحث عن نشأة المدن، ثم ظهرت روايات تؤكد على هوية الناصرية بوصفها مكانًا حاضنًا لكافة المتناقضات وفي المقابل كان هناك المزاج الريفي التي نتجت عنه الكثير من الأعمال السردية التي اتخذت من القرية حاضنة وإطارًا لأحداثها، وطغيان المزاج الريفي يعود إلى البنية الأولى التي احتوت نشأة الروائيون أنفسهم فالغالبية العظمى أتت من أماكن ريفية واستوطنت المدينة فيما بعد لكن بقي الريف حاضرًا قي ذاكرتهم الإبداعية، إضافة إلى أن الناصرية بحكم جغرافيتها كمدينة محاطة بالريف من أغلب جوانبها الأمر الذي أدى إلى تغلغل المزاج الريفي وسيطرته على أجواء المدينة وخاصة بعد عام 1991، عام النزوح إلى المدينة في تعدد العوامل والأسباب التي فرضت نفسها في الهجرات المتتالية. 
ولعل الهجرات من قبل الوافدين من خارج المدينة سببًا لطمس ملامح المدينة الاصلية، وقد حاول الروائيون رصد مجمل الظواهر التي أدت بشكل مباشر وغير مباشر إلى تغيير نمط الحياة والتأثير في مجمل العلاقات الاجتماعية مما أدى لنتائج سلبية أضافت تصورات سلبية للواقع غير معروفة المصير والمؤدى لخطورتها، مما فتح المجال لخلق شعور لدى أفراد المجتمع بصعوبة مواصلة الحياة تحت تأثير تلك العوامل، وهنا لابد من القول أن الدخول في معترك الحروب الطويلة وما خلفته من أزمات اجتماعية واقتصادية ونفسية أدت إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وأثرت سلبًا على مسار الحياة وغيرت كثيرًا من الأخلاقيات التي كان المجتمع يفاخر بها لأنها كانت مدمرة بلا شك وجرت وراءها ويلات متلاحقة، وعرابو الحروب لايهمهم ما وصلت إليه حالة البلاد.
وقد كانت الروايات أهم الرسائل في معالجاتها وكشف ما خلفته من معاناة إنسانية على كافة المستويات ولكن هناك ظواهر لا تقل خطورة عن الحرب، إذ أن صورة الحرب غطتها معظم الروايات ولكن التعامل كان سطحيًا إلى حد ما مع ظاهرة الحصار التي كشفت عن كل الأساليب والأخلاقيات التي نخرت جسد المجتمع لأن العراق تعرض لأبشع ظواهر الإبادة الجماعية وهي ظاهرة التجويع الجماعي الذي فرضته الدول العظمى نتيجة السياسات الخاطئة التي أقدمت عليها السلطات الحاكمة والتي أدت إلى ركود اقتصادي وتوقف وتراجع حركة التنمية إلى أدنى مستوى .
وفي خضم البحث عن الظواهر المسببة للتحولات الاجتماعية، تم التوصل إلى شبه قناعة تامة بعدم مسايرة الروائيين للأحداث الكبرى بعد 2003 ، وما جرى من صراعات دموية بين شرائح المجتمع وطوائفه كادت تودي إلى نهايات مأساوية في النسيج المجتمعي الواحد، فتلك الأحداث لم تجد مايناظرها في الروايات إلا روايتي فندق ويستيان وماريمان ولا نجد مبررًا لذلك سوى البعد الجغرافي لذي قار عن مركز الأحداث المتفجرة ومناطق الصراعات التي تركزت وبشدة قي العاصمة بغداد، غير أن الروائيين ركزوا على نوع آخر من الصراعات ألا وهو الصراعات الايدلوجية التي طغت على مسار أغلب أعمالهم الروائية، ثم أخذ التعامل مع الشخصية في أعلب الروايات مسارًا واقعيًا ومرد هذه الواقعية التي قربت الشخصيات بصورة كبيرة من أن تكون انعكاسًا مباشرًا للأشخاص الواقعيين يرجع إلى الخط الواقعي التي سارت عليه معظم الروايات التي طغى عليها الوصف الطبيعي المتوازي وهذا ما تتطلبه بنية الرواية على العموم، لأن التعامل مع الشخصيات وفق ما تتطلبه محكيات الرواية من واقعية يشير إلى الهم الثقافي عند هؤلاء الروائيين وذلك من حرصهم على إبراز مسألة الصراع بين الذات الفردية والجماعية من جانب آخر، لذلك لا عجب من إصرار الروائيين على تكرار نماذج المثقف والريفي والمرأة في مدوناتهم السردية لما تضيفه هذه النماذج من أبعاد متصارعة مع محيطها، وفق النظرة الإشكالية التي تجمع كل منهم مع محيطه الاجتماعي
لم تخلص الروايات من سيطرة التابوهات القديمة الدين والجنس وهي تستعرض لشخصيات تنتمي إلى هذه المحرمات فهي وان تجرأت على الخوض في الأمور السياسية عن طريق علاقة المجتمع بالسياسة أو عن طريق الصراعات الفكرية خاصة بعد عام2003 ولكنها لم تستطع الذهاب بعيدًا في تمثيل تلك الشخصيات ومحاولة نزع رداء القداسة عنها وهذا ما ينطبق على رجل الدين أو محاولة التدخل بجرأة للكشف عن حياة الشخصيات الجنسية وهذا ما اتضح في معظم الروايات،
دراسة مهمة أضاء فيها محمد حاجم على صورة المشهد السردي والثقافي في منطقة من المجتمع العراقي الذي له أشباهه المتعددة في العالم العربي مساهمًا في الكشف عن علاقات الأدب والمجتمع وتمظهراته في ميدان السرد.