كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

النصّ الحاضر والنصّ الغائب

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس: 

أرى من نافل القول، أنّه لا يوجد نصّ في الفراغ والعدم واللّاتاريخ. فالنصّ عموماً، الدنيويّ والمقدّس، هو نصّ ثقافي بالضّرورة، أيّ نصّ تاريخي، وُجد في مرحلة ما من مراحل تطّوّر الفكر البشري. وعكس تصوّرات وأفكار منتجيه الثقافيّة لما يحيط بهم من ظّواهر غامضة وأسئلة وجوديّة كبرى تحفّ بهذا الكون الملغز. كما أنّه ليس سوى نتيجة لتلك المراكمة والامتصاص والإضافة وإعادة الإنتاج لما سبقه من نصوص، تناسلتْ في جينات ثقافيّة كثيرة قبل وصولها إليه. فالنّصّ التّوراتي، كما قلنا بمقالةٍ سابقة، كان تجميعاً وإضافةً لما سبقه من أساطير وسرديّات أقدم منه، كذلك النصّ القرآني، هو سليل هذه المعادلة المؤرقة لولادة الجديد من القديم.

ما نحاول قوله هنا، سنُدلّل عليه بمثالٍ حيٍّ يعرفه القاصي والداني، وما زال يعشّشُ بقوّة في ذاكرة ووعي الناس والأجيال على مرّ العصور، هو أمثولة "فتية إفسس" التي أعاد النصّ القرآني توظيفها، وتمثّلها، بما يتناسب ورسالة الوعي التّبشيري الوافد، مقّدماً فيها العبرة الأخلاقيّة والبرهان الإيماني لأتباع الرسالة الإسلاميّة الجديدة. حيث يحضر بقوّة هذا النصّ الغائب، في "سورة الكهف"حين قال الله لرسوله: "أمْ حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجبا"؟.القرآن في محيطه التاريخي كتاب

أصلُ السّرديّة يُنسَبُ لـ"يعقوب السروجي" السرياني. وتقول: جرت محاكمة فتية إفسس بعهد الإمبراطور "ديسيوس " 251ق.م - 249 ق.م الذي جاء إلى المدينة وأعلن عيداً للآلهة " زيوس، أبولو، أرتميس" آمراً الجميع بوضع البخّور على المذبح. لكنّ هؤلاء الفتية الشّجعان ــ يمثّلون بذور المسيحيّة الوافدة ــ رفضوا الامتثال لذلك. فاستدعاهم الإمبراطور ليقف على سبب رفضهم، فواجهوه بتحدٍّ قائلين: نحن لا نسجد لأصنامٍ خُرسٍ، صنعتها أيدي البشر، إلهنا ومعيننا هو رب "ماريا" السموات، له نسجد ونقدّم طهارة قلوبنا، ملكُكَ أنت زيوس وأبولو وأرتميس، ملكنا نحن، الأب والابن، وروح القدس" حينها يصدر الإمبراطور أمراً بسجنهم، لكنّهم يهربون ويلتجِئون إلى "كهف" بأعلى الجبل. حيث يتمّ إغلاق بابه بجدار متين لمنعهم من الخروج حتى الموت. ثمّ يأتي فيما بعد رجل ويبني حظيرة على رأس الجبل، مستخدماً حجارة الجدار المتينة والمنحوتة جيّداً. وما إن يُزيل الحجارة عن مدخل الكهف حتّى يدخل النّور إلى الدّاخل ويوقظ الفتية النّائمين الذين ظنّوا بأنّهم ناموا يوماً أو بعض اليوم. فيقترح أحدهم أن يسير قائدهم "يمليخا" إلى المدينة ليشتري الطعام. وأثناء هبوطه إلى المدينة يستغرب التّغيرات الهائلة التي حدثت فيها، حيث يشاهد الصّلبان في كلّ مكان. ويزداد استغرابه حين ينظر الآخرون إلى شكله بريبةٍ، ويظنّون بأنّه حصل على كنزٍ بسبب غرابة نقوده القديمة. فيوضّح لهم فيلسوفٌ عابر، أنّها من زمن الإمبراطور "ديسيوس" قبل 370 سنة وهم الآن في زمن الإمبراطور "ثيودوثيوس" 40 ـ 50 م، ويتمّ إجبار "يمليخا" على أخذهم إلى الجبل، حيث يتخفّى أصدقاءه. وهكذا يعلم الإمبراطور بالأمر ويستحثّهم على الهبوط إلى مدينة "إفسس" ليقيم لهم هيكلاً، فيرفضون ذلك. والآن صديقي القارئ، ألم يتردّد صدى هذه الأمثولة في ذاكرتكَ يوماً ما، حين كنت تغفو على رنين حكايا جدّتك أوأمّكَ، مستمتعاً ومتعجّباً بما تسمع، عن غفوة هؤلاء الطويلة، وعن طول شعورهم "وأظافرهم ولحاهم، وعن كلبهم الوفي الذي ظلّ يحرس باب الكهف كلّ هذه السنين!. وكم كانت تكثر أسئلتنا ويعلو سقفُ حيرتها، وكم كانت تقلّ الأجوبة الشّافية؟! وكم.. وكم..  

في الحقيقة كثرت الدّراسات الغربيّة والمشرقيّة التّراثية والمعاصرة، سواء منها، الرصينة التي يُعتدّ بها، أو المنحازة والانفعاليّة التي لا تعادل قيمة الحبر المهدور في كتابتها. حول هذا الموضوع. ومنها هذه الدراسة الإشكاليّة لـ"كريستوف لولينبرغ" بعنوان القراءة "السريانيّة ـ الآراميّة للقرآن وهي". دراسةٌ يقترح صاحبها فكّ المغاليق الملغزة للنّص القرآني التي سجنت الدّارسين التراثيّين الإسلاميين والباحثين الذين تبعوا المناهج العقيمة وعجزوا عن تقدير دور السريانيةـ الآرامية في تشكيل فضاءات النصّ، في قوقعة النصّ التاريخي المغلق. وأعطى مثالاً على ذلك سورة "الرحمن" ليجعل "الأعناب البيض" بديلاً لمعنى "العذارى الجميلات" الذي تتبنّاه القراءة الكلاسيكيّة التراثيّة للفظ "الحُور" اللّواتي ينتظرنَ المؤمنين في الجنّة الموعودة.

الدّراسة بتوجّهها العام تصبّ في منحى الدراسات المنحازة التي تعكس شهوة عارمة لتجريد الإسلام الرّسمي من أهمّ كنوزه المقدّسة كما يقول "دانييل أ.ماديغان" من الجامعة البابويّة الغريغورية في روما. لكنّه يؤكّد أيضاً، أنّه لا يضير بضعة عناصر من الكتاب المقدّس العبري أن تجد نفسها بصياغة جديدة في تراثٍ دينيٍّ آخر من الشرق الأوسط القديم. فروايات طفولة المسيح والآلام في الأناجيل المتوازية قد أخذت أشعارها من عناصر الأدب النبوي والمزامير،وهذا لا يجرّد الأناجيل من مصداقيّتها وهكذا دواليك. إنّ أغلب الدّراسات المختصّة بهذا المجال تعتمد النسخة الرسميّة المصريّة للقرآن لعام 1924م. ثم طبعة فاروق لعام 1934م ذائعة الصّيت. والتي لاقتْ رواجاً حتى خارج حدود مصر. وتمّ تبّنيها عالميّاً بعد التخلّي عن طبعة "غوستاف فلوغيل" لعام1834م. ومشروع نسخة القاهرة سار على منوال منهج الخليفة عثمان والوالي الحجّاج بن يوسف اللّذين يُروى بأنّهما أتلفا النسخ المنافسة ووزّعا نسخة موحّدة للقرآن في القرن الإسلامي الأول. حيث لجأت السّلطات المصريّة لإتلاف النّسخ الخلافيّة المليئة بالأخطاء، في نهر النيل. وأُشير لذلك في ملحق طبعة القاهرة. ثمّ اكتُشف عام 1972م مصدر جديد يصبّ في نفس التّوجه الخلافيّ حول مرجعيّة النّصّ المقدّس. مخطوطاتٌ قديمة مخبوءة في الجامع الكبير في صنعاء اليمن تسبّبتْ في إثارة زوبعة عظيمة في الوسط الأكاديمي. وأربكتْ الحكومة اليمنية التي اتُهمَتْ بفلش وثائق تخصّ أسرار المعتقد الإسلامي.

ختاماً نقول: كثيرةٌ هي التّفاسير والتّأويلات للنّصّ القرآني قديماً وحديثاً، فالبحّاثة الإسلاميّون كانوا صريحين في تقبّلهم لاختلافات معاني النصّ حمّال الأوجه، باختتام قولهم بـ: "اختلف أهل التّأويل بتأويل ذلك" أو إضافة لازمة في نهاية التّفسير تقول: "والله أعلم". وثمّة أعمال كلاسيكيةّ غربيّة لـ"نولدكه ، وشفالي وبرغشترسر، وبريتزل ..إلخ" حاولتْ جميعها إيجاد فهم ما للنصّ رغم الاختلافات في المناهج. هذا هو هدف الكتاب الصّادر عن مؤتمر نوتردام بالتّحديد. الذي شكّل تحدٍّ قويّاً متّزناً لحقلِ الدّراسات القرآنية الاجتراريّة الدّارجة، التي لا تغني ولا تسمن. بينما هذه الدراسة الجديّة، تعلي من شأن النصّ القرآني وتقرّ بتعقيده. ويبقى الأمل معقوداً بأن يأخذ القرّاء الجدد على عاتقهم مهمّة إكمال هذا الجهد الإنساني الثقافي الكبير. خصوصاً وأنّ لدينا الأرضيّة والدراسات المنهجيّة العلميّة الرصينة التي أسستْ لمثل هذا الاتجاه، وأرجو ألّا تبقى دراسات الباحث الكبير "فراس السواح" الاستثناء الأهم وربّما الوحيد بهذا الخصوص.

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني