كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما جدوى الشعر؟!

الدكتور محمد ابراهيم علي- خاص فينكس: 

حدثني صديق عزيز يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة عن موقف طريف واجهه في إحدى الجلسات العامة، فقد سأله أحد الحاضرين، بعد أن علم باختصاصه العلمي، قائلاً: "العفو منك، ولكن أنت وأمثالك، ما الذي تقدمونه للمجتمع؟ وما حاجتنا إلى الفلسفة فيه؟". والحق أنه في زمن الاستهلاك المادي والتسطيح الفكري يبدو السؤال مشروعاً من زاوية ما، لكنني فكّرت لوهلة: ماذا لو كان صديقي شاعراً؟

يبدو الحديث عن أهمية الشعر في الحياة ترفاً ثقافياً لا يتناغم مع سعي الإنسان لتأمين متطلبات حياته المادية، ولذلك لا يلقى هذا الحديث أذناً صاغية في كثير من الأحيان، فيغدو السؤال عن جدوى الشعر سؤالاً عن قدرة هذا الشعر على تغيير بنية تفكير الإنسان بواقعه ومصيره، وفاعليته في توجيه مسارات الحياة نحو آفاق لا ترتهن للنمطية الساكنة، تلك النمطية التي تسجن الإنسان في حلقة مفرغة تؤطر سيرورته على وجه هذه الأرض، فهل يملك الشعر القدرة على كسر هذه النمطية؟

لقد حاول كثير من الشعراء تسويغ دور الشعر الإيجابي في الحياة، وواكبهم في ذلك كثير من النقاد أيضاً، وهذه محاولة موجزة نحاول فيها صياغة رؤية فكرية تقارب أهمية الشعر، من دون أن ندّعي اكتمالها, فالحديث في هذا الشأن طويل ومتشعّب.

الشعر تجربة مشتركة بين شخصين (شاعر وقارئ) تفصل بينهما الأزمنة والأماكن، وتجمعهما اللغة بوصفها وسيلة للتواصل، والتواصل المقصود هنا ليس نفعياً بالمعنى المباشر الذي يسم وظيفة اللغة العادية، وإنما هو تواصل جمالي يسهم في الارتقاء بذائقة القارئ حدّ تغيير رؤيته للأشياء، ولا سيما حين يُخلخل الشعر سكونية هذه الرؤية، ويشحنها بحركية الرؤيا. تلك الرؤيا التي تتلبّس رداء النبوءة عندما يستشرف الشعر المستقبل، انطلاقاً من وعي شديدة الحساسية للحاضر، واستيعاب عميق البعد للماضي، فالشاعر هو نبيّ على درجة مرتفعة من التطور الفلسفي والاجتماعي، كما يؤكد جورج طومسون, وتبلغ هذه القرابة بين الشاعر والنبي أعلى مستوياتها في الرؤيا التي تشتمل على حدْس المستقبل وكشفه, وقد ذهب بدوي الجبل في حوار مع محمد عمران إلى أن الشاعر يأتي بعد النبي مباشرة، أما ميخائيل نعيمة فيرى أن الشاعر نبيٌّ، لأنه يرى بعينه الروحية ما لا يراه كل البشر، وهو بذلك يتماهى مع جبران خليل جبران الذي يتقمّص شخصية النبي أو الرائي، فيرى بعينه الثالثة ما يجب أن يكون، متجاوزاً ما هو كائن.

الشعر فضاء مفتوح على الحلم، لا يقبل الركون لواقع متعيّن، بل ينشد واقعاً بديلاً يستقي أسباب وجوده من رغبة جامحة بالتغيير، يحملها الشاعر جذوة بين أضلاعه، وينتظر من القارئ تحويلها إلى نار تذيب جليد الحياة، وتنير دروب الآتي منها، فالشعر إذن سفرٌ إلى ما وراء الواقع، لكن هذا السفر- بتعبير أدونيس - لا يعني هرباً من الواقع، الاقتلاع هنا يُخبئ حنيناً إلى المزيد من التجذر، والهجرة هنا عتبة ثانية إلى العودة، والسفر إياب آخر، لأن ما نظنه في الشعر من غياب عن الواقع هو عناق لواقع آخر، لا بمعنى الغيب المنفصل التجريدي, بل الممكن الذي يختزن لا نهائية الواقع.

الشعر حاجة روحية ترفض تشيؤ الإنسان بالمعنى السلبي للكلمة، وتسعى لرفده بمعنى وجوده الحقيقي، لأنها تغوص في عمق وجدانه، وتكتنه باطن شعوره، وتجعله كائناً قادراً على الطيران بأجنحة من خيال، فيشعر حينئذ بحريته، وينفلت من قيود واقعه، ويتخذ من الأمل سبيلاً لارتقاء روحه فوق العناصر والأشياء. ولذلك، عندما كتب نزيه أبو عفش ديوانه (أيها الزمان الضيق... أيتها الأرض الواسعة)، كان يدرك أن الشعر طموح إلى المستحيل، ذلك المستحيل الذي قد لا نبلغه، لكنه يفيدنا كفانوس كما يقول أندريه جيد، ولذلك أيضاً صرخ نزيه ذات مقال: الشعر حصانتنا.

الشعر استحضار حسي للطبيعة في تجلياتها المختلفة، ولكن على صورة أكمل، ونسق أروع، كما يقول نزار قباني، فأنت تستطيع- بتعبير نزار - أن تشم رائحة الأعشاب لمجرد تصفحك ديوان ابن زيدون، كما تستطيع أن تستمع إلى وشوشة الينابيع وأنت أمام الموقد تقرأ ما كتب البحتري وابن المعتز، وهكذا يتجاوز الشعر ناموس حركة الطبيعة عبر الزمن، إذ يؤكد نزار- في مقدمة ديوانه الثاني (طفولة نهد) - أنه يستطيع في أي موسم أن يغلق نافذته، ويمد يده إلى مكتبته، لينعم بالورد والماء والعطر وزقزقة العصافير وهي تنفجر من دواوين المتنبي وبودلير وبول فيرلين وأبي نواس وبشار، فتحيل مخدعه إلى مزرعة يصلّي على ترابها الضوء والعبير.

لا يمكن لمقال موجز أن يُجمل ما فصّله الشعراء والنقاد في مقارباتهم لأهمية الشعر، ومن الواضح أن الشعر المقصود هنا ليس الشعر الذي يتوسّل القالب الموسيقي الناجز والصورة الفنية البالية للتعبير عن أفكار سائدة، بل الشعر الذي يحمل معه قلق السؤال عن الوجود، ويتوخى ارتياد أمداء واسعة من الاحتمالات التي تنوس بين الكينونة والصيرورة، وهذا الشعر يحتاج إلى قارئ يمتلك الاستعداد النفسي والفكري لكي يلقى صداه المأمول، وهنا تتناسل الأسئلة التي تحتاج أجوبتها إلى رويّة : هل الشعر للنخبة فقط؟ ألا يمكن للشعر أن ينشر عبقه بين عامّة الناس وخاصّتهم على حد سواء؟ ثم ماذا عن الشعر الذي يسير على هدي العاطفة ويتخذها وسيلة وغاية في الوقت نفسه؟ ألم نقل أنّ الحديث طويل ومتشعّب؟

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني