الهوية... وسؤال البحث عن الذات
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:
كنت أتجول في أحد أسواق دمشق، حيث لم يتفق لي ذلك منذ اندلاع الأزمة السورية، ودونما خوف، كان كل شيء يدل على الحياة، وفيها من كل ما تقع عليه عيناك من الناس السوريين والعرب وربما الأجانب، فيها ما تشتهي العين وتطلب النفس من الاحتياجات كافة، حتى وصلت إلى بوظة "بكداش"، حتى غمرتني الغبطة أكثر فأكثر، فعرجت وتناولت قليلاً من البوظة، وتابعت جولتي، كان سوق الأعمال اليدوية الشهير، حيث تلك الحرف التي لم ولن تنقرض، وسرعان ما تبدلت حالي، وشعرت بالغمة، حينما رأيت "الطرابيش" الحمراء، هنا وهناك، والنماذج ترتدي الزي الذي يعود للحقبة العثمانية البغيضة...
هجست في نفسي، وقلت، لو أتاح لي الزمان بأن أكون من صناع القرار، إذاً لحذفت ونزعت كل ما يشير إلى هوية غير سورية وغير عربية أصيلة، كنت حررت معاجم اللغة، ومعاجم الأعمال الفنية التي تغص بها شاشاتنا من كلمات تشي بتلك الفترات السيئة السوداء...
نستطيع بعث بيئاتنا الشامية والدمشقية والبيئات العتيقة بشكل مغاير وأكثر حداثة وموثوقية وحرفية في التناول الذي يقلب المفاهيم السائدة، ويؤسس لذهنية عربية سورية جديدة، وخاصة بعد هذه الحرب التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً والتي من أهم مظاهرها الاحتلال التركي وريث العثمانية تلك...
أفقت من شرودي، على ذكرى تلك الحادثة لذلك الشاب الباكستاني، والتي رواها لي أحد الأصدقاء، أنه حينما كان في إحدى الدول الأوروبية، تسعينات القرن الماضي، أن شاباً باكستانياً تقدم لإحدى الوظائف في إحدى الشركات وفق الشروط المعلن عنها، وأنها كانت تنطبق عليه، ونجح في جميع الاختبارات والمقابلات للحصول على تلك الوظيفة، وبالفعل ظهرت نتيجته وكان الفائز الأول ليملأ الموقع الشاغر، وحينما جاء في اليوم الأول لعمله، رأوه بالزي الباكستاني، فنبهوه إلى أنه يجب أن يستبدل هذا اللباس "الزي"، باللباس الرسمي المعهود للموظفين في تلك الشركة، فرفض، وقال هذا زيي، وهو هويتي، فإن تخليت عنه تخليت عن هويتي الأم، وخسر عمله في التو...
ولعلنا لا نزال نجهل، أو ربَّما نتجاهلُ، أو نسقط من حسابات أفكارنا وثقافتنا، ما صنعهُ أعداؤنا بنا من جرائم هدفت في الصَّميم إلى محو هُوِيَّتنا عبر التاريخ، وما رافق ونتج عن مختلف الحروب والغزوات والاجتياحات من أعمال بربرية همجية، مخطط ومدروس لها بحنكة لكي تلطخ هذه الهُويَّة بل وتطمسها إلى الأبد...