كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كأنّي أستعيد قصّة أمي

كأنّي أستعيد قصّة أمي، أراها تقول:
أخرجيهم من هنا.
أمي التي تكتم مشاعرها، تستبدلها بغبطةٍ، أو بدموعٍ ستبدو ساذجةً، لولا أنّها لطفلةٍ، ولولا أنّها قليلة بعدد لحظات فرحها القليلة. أمّا حين تحزن، فلعلّها كانت تبكي، مرفوعة الرّأس، وصاغرة.
في أسْرِ كل ذلك الصّمت، لم أكن لأعرف إذا تضيقُ عيناها وتتسعان، ما الذي سأراه من امرأةٍ لم تعتدِ الفرح، حينَ المشهدُ يوجز كلّ هشاشات العمرِ، ويشي بكلّ قهره.
لا أحد سوانا في الغرفة تقول" لا تتركيني وحدي، إنهم هنا، المصيبة أنهم ما زالوا هنا"
"وكنت أظنّ أنَ ما يضجّ في الخارج، وراء النافذة العريضة، هو جنون ياسمينة أمي المعلّقة وهي تقاوم الانكسار".
تلك ليست حكايةً للكبار، فالطفل الخائف لم يعلّمهُ أحدٌ كيف يكبر، ولن يجد بمرور الزّمن، إلّا جثّةَ صاحبه، وعدّة كلماتٍ تنفرط من أحدهما.
" سأرتاح قليلاً، لن أغفو.."، هل سمعت ذلك حقّاً!.
لا أجوبةَ لولا أنّ الكاتبة تبدأ:
(قومي يا مريم، لكنّها تظلّ على صمتها، تنظرُ إلى الدّنتيلّا المهترئة، من ذا يدري بما تفكّر).
عن قومي يا مريم، قصص رباب هلال التي توجز كلّ الألم السّوريّ، / تذيبه كقطعة سكّر/. أقتبسُ من جديد..
" الوقتُ يسيل لزجاً، لكنّها لم تعد تشعر بالألم، وكأنّ الألم يموتُ حين يصلُ ذروتَهُ، الألم يشبه الحبّ، حين يصلُ العشّاقُ الذروة".
السّرد عند القاصّة لا يشبه المألوف، ليست لغة متعَمّدةً، تلك التي تكتنزُ الوجدان، وليست شعراً، ثمّة أحداثٌ تندفّقُ من ينابيعَ عتيقةٍ، فيما ينسردُ الحدثُ بكامل بهائه أو ألمه، وبكلّ تفاصيله، ألِقاً، كهاويةٍ انحفرت في الرّوح.
" تتلفّت سامية.. تجد العكّاز كي تخطو بها خطوة واحدة، تحتاج إلى عكّازين على الدوام، إحداهما هذه العصا معقوفة الرّأس، والأخرى سامية المعقوفة كلّها، اللعنة.. تسرّ سامية لنفسها... وهي تقود أمّها...".
هنا تتسع الدلالات و تتشرّد، لتوصلنا إلى مفترق، اللعنة ليست لغتنا المشتركة، وليست من عاداتنا..
الّلغة، إذ نمرّ عليها.. فهي كما الطرقات، ترسم هويّتنا إذ تمشي معنا، كحلم، ونتشارك معاً.. أن ينتهي هذا الخراب.
" صحيحٌ أنّ الطرقات لم تعد مقطوعةً، لكن.. من أين.. وإلى أين.. والمؤكّد أنّ السّوريّين كما أشرت.. لم يعتادوا توزيع الّلعنات.. لكن.." يلعن. المفردة المتفرّدة.. تُطلَق.. حاسمة في جَرسِها.. نقطة نهاية، تعني.. أنِ انتهى الأمر.. فلا شيءَ من هذا الخراب، يُراد له أن يزول".
الكاتبةُ لا تتّكئُ على الّلغة الشعريّةِ إذن.. ولا حتّى على التقاليد المشهورة للقصّة، ففي التفاصيل الصغيرة عندها.. كما في / سكّر بنات/ أو / صباح يختلف قليلاً/ ستجد نفسك إن كنت صادقاً، وستصبح الّلعنةُ.. أكثر سعةً، و .. ستغدو أعمق.
تكثيفٌ لتأريخ يوميّات الخراب، تتعرّى من أيّ سترٍ، فضيحةٌ وموتٌ، .. أشبهَ بأيقونة.
هنا الكتابةُ لم تعد مجرّد لعبةٍ تتقنها الكاتبة بفرادةٍ، أو بعلُوّ، حيث للفاصلة وللنقطة وللأقواس وظائفها المعروفة، والمشهورة كما قال أحدهم، فحتى هذه العلامات.. تحكي قصص أبطالٍ وهم يختنقون، وينتقلون إلى صفحات أخرى، وإلى قصصٍ أخرى.
أمّا الحوار الذي تبدّى داخليّاً في مفاصلَ مهمّةٍ، ولا أتحدّث عن مونولوج، أو تداعيات، بل عن أسئلةٍ تتبادلُها دواخلُنا المهزومة، أو الخائفة، إذا.. نحن الشّخوص.. فهواجسهم تخصّنا، وتنساب من.. تلك المحبرة.
السؤال إذا شئنا، السؤالُ هنا: إلى أيّ حدّ، كانت تلك المحبرة قلباً، وهل ضيّق هذا الحوار، والّلغةُ، هل علت أكثر ممّا يجب.
برأيي الصّغير، أمام تجربة امتدّت لعقود.. من التّجريب، بمعناه التّوليدي، فإنّ الكاتبة نجحت، نجحت بمعنى حضور المشهد الدّرامي، لكن.. دون صُراخ.
كان أقصى تعبير عن المشاعر حاضراً.. بأسلوب بسيط، قد يكون تذكّراً، أو التفاتةً، أو سؤالا عن قطعة من بيت مدمّر، ويحمل ذلك السؤال شجن السنين..
ونجحت في تلك النّهايات المفتوحة، ولو كانت لديها في كثير من الأحيان، انتظاراً وحسب.
لعلّها الحرب التي لا تنتهي، بل هي الحرب، مع واقعٍ ليس ثمّةَ ما هو أسوأ منه، ولا أشدّ وقاحةً، ولعلّ الهاجسَ الأكثر حضوراً أمام المبدع، أن يبتدعَ لغةً، لا يحقّ لها أن تتعب، ولا يحقّ له معها.. أن يتردّد، فالخراب واحد، نحن المتعدّدون. والقصة تنقلنا و تتنقّل بنا.
" لم تكنِ الأغطية كافيةً، فتلاصقت الأجساد وتلاحمت...إحساسٌ قريبٌ هاجمني، حاول شدّي، و إلصاقي بهم."
وإذا كانت المصيبة لا تنتهي عند حدث، فما الذي سيتبقّى سوى الشّجن، ولعنةٌ.. أكثر سعةً، و أكثر عمقاً.
في القصصِ أحداث تبدو واضحةً، تنبئُ عن أشخاصٍ تعرّوا من أحلامٍ فقدوها، حلماً حلماً..
الكاتبة لم تتدخّل.. لتوزّع عليهم أقراصاً مهدّئةً، أو لتقدّم لهم حلولاً مُبتكرة، وهذا لم يكن لمجرّد أمانة الرّصد، فهيَ لا تحمل كاميرا، وهي تدرك ذلك جيّداً، وعميقاً.. بأناها العميقة التي تكتب عن ذات الخراب.. وعن تلك...القيامة. قيامةٌ.. ليست هرباً، ولا حلّاً، والحديث عنها لا يشبه قربةً مكسورة، بل بلاداً تنأى عن أبنائها، تقتلهم إذ يقتلونها.
حينَ قرأت المجموعة، لفتَ نظري، أنّ ثمّة ما لن ينتهي، مع نهاية كلّ قصّة، يشبهُ الأمرُ.. أن تقولَ صبيّةُ لصبيّ: لو تمسك بيدي، وأن تسمعه يهذي:
ليكن الله معكِ، ومن وقتها لن يتمكّن من تهدئة تلك الطفلة.
عن هذه الطفلة.، قصص العشق، وقصص القهر، قصص لا تمضي، أو تسألنا ونسألها: ماذا يحدث، ثمّ لا ننتظر جواباً.
في هذه المجموعة.. وجدت لغةً مختلفةً، منطلقة من كلّ ما سبق، وعن كلّ ما سبق، خاصّة.. كهويّة، ووجدت.. لغةً صافيةً كألم، وشجيّةً كقهر.
أقول ذلك لأنّ كثيراً من لحظات الوجدان استعادتني، استعادت من كان يسأل أمّه.. في أيّامها الأخيرة.. ممّ تخافين.. ويا لها المصادفة، كانت تجيبه: منهم.
البقيّةُ.. فليس منهم وحدهم، بل منهم ومن.. غيرهم، وهذا ما أجادت رباب هلال قولَه..
غيرهم هذه.. تتّسع لأكثر من مساحات يشغلها تجّار الحروب والأديان، ولأكثر من عادات وقيمٍ رثّة كنا نظنّها تقاعدت، ولم نكن مَلومين، فالحرب جاءت قذرةً، بما يتجاوز كل حدود التوقّع.
وما من أحد يريد لهذه الكارثة أن تنتهي، هذا، وعدا ما صرّحت به النصوص.. وما قرأته في تفاصيل َكثيرة.
في هذه المجموعة القصصية.. قومي يا مريم تنتصر التفاصيل الضروريّة.. إذا يصح التعبير، و يتّسع الشّجن، ولو كان يخصّ ضحيّة تختنق، وهنا أستعير عبارة استخدمها الروائي و الشاعر الصديق: علم عبد اللطيف، حين أشار إلى قصص يكتبها كلّ السّوريّين، أو تكتبها رباب نيابة عن كل السوريين.
في أحد الفصول من قصّتها: الضيوف، وحين تصف ذلك البدين الثقيل، بمسرَحةٍ ملفتةٍ، أو بريشة روائيّ كما قد يتبادر للذهن، تزدحم تفاصيل الشكل، عن ذلك العُتلّ (المتديّن)، خانقةً، ولعلّها ستبقى في ذاكرة قريبة لقارئٍ يسشدّه المشهد.
يأتي المشهد التالي (" يهزّ أخي السلالم الخشبيّة.. يختنق صوتُ أخي" بسرعة هاتي يدكِ"! يرفعني بقوّة، وتسقط السلالم إلى أسفل،.. يخرسنا الهلع، نمكث معلّقين بين الأرض و السّماء، ..)
هنا يتوزّع ذلك الزحامُ مشاعرَنا، لكنّ الحنق، و النّفور سيرتديان وشاحاً من ألم.. وستنتهي القصة عند هذا الشجن القاطع، و المفتوح " بانتظار إنقاذٍ ما، ولا غرابةَ من أن يستعيد لاوعيُ القارئ، شيئا من تفاصيل المشهد السابق، لا تعليلاً، بل تداعياً ..للحكايةِ الأصليّة..بتبديّاتها المختلفة، لعنةُ الحرب.
وهكذا يمكننا أن نلتقط مشهدا إثرَ مشهد، من كلّ قصّة، لنرصد جمال اللقطة، اتّساعها الدّلالي، حُسنَ توظيف السّرد القصصي ضمن رؤيويّة اللقطة في تعبيرها عن مجمل الحدث، وعن المشاعر..
هذا هو الأهم، والأكثر أهميّة.. هو ..كيف تعبّر الكاتبة عنها، بأيّ لغة، و بأيّ إيجازٍ دلالي.
فقرصات البرد.. / يمكن أن ترِدَ مُشتهاةً، ويمكن للصوت أن يخرج من /
" حنجرتها كسكّين، يشقّ صدرها الشّبيه بجبل أجرد، يمزّق معطفها.. ترى نفسها داخل الشقّ، تمشي فيه، تتفحّصُ قلبها، وتراه بأم عينيها.."
هنا.. هل يستعيد القارئ شيئا من تفاصيل مشهد سابق.
كلمة أخيرة:
هذا الكتاب يستحقّ دراسة نقديّةً أوسع، و أكثر تحليلاً، كنت سأشير إلى امتلاك الكاتبة للغة خاصّة..أكثر.
يحتاج هذا مقاربةَ كتاباتها السّابقة، ولم يكن بيدي سوى مجموعة واحدة، /دوائر الماء و الأسماء/ تعود للعام 1992 لذلك اقتصرت.. على مناقشة هذا الكتاب، آملا أن أكون قد وفّقت في الإضاءة على منجَزٍ مهمٍّ من وجهة نظري.. أهميّة تأتي من أمرين أساسيين، قيمته الفنيّة العالية أوّلاً, ونجاحه بتغطية مشاعرنا خلال سنوات الكارثة التي لم تنتهِ بعد.
قومي يا مريم..كتاب جميل، ومهم جدّاً لِما يمكن أن نسميه.. أدب هذه المرحلة الصعبة، لأنّ الأعمال التي نجحت بالتعامل إبداعيّا مع الكارثة السّورّية بعيداً عن الاصطفافات، قليلة جداً.

هذه المرحلة الصعبة من تاربخ سوريا المعاصر، والأليم.. يجب أن تكون حافزاً للمبدعين، رغم الإحباط الشديد الذي نمرّ به، لأن يكتبوا.. ويبدعوا، إذ لا حلّ إلّا بالثّقافة، وبالإبداع.. وبمعجزاتٍ أخرى!.

منذر حسن

الأسبوع الأدبي

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني