الحكاية الأسطوريّة ودورها في النّمو النفسي للطفل
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
مهما تطوّرتْ شخصياتُنا وتبلور فهمنا لذواتنا ووجودنا، ومهما تبدّلتْ محطّات حياتنا، وتشعّبت منابع ثقافتنا، سنبقى رهائنَ أفياء شجرة تلك الطفولة الغائمة التي عشناها يوما، بنسائمها الحانية ولسعات زنابير أغصانها الموجعة. ندور في الفلك الكهراطيسي والسّيميائي لفضاءاتها، نتلقّف إشاراتها ودالاتها الماطرة ، وهي تطرّز "نصّ" حياتنا وتزخرفه بفسيفسائها. هذا النصّ الذي تتطلّبُ قراءته، فهماً دقيقاً وشحذاً مستمرّاً للأدوات والأساليب، بما يغتني ويتناسب مع تطوّرات العلوم المختلفة وبالأخصّ علم التربية وعلم النفس. تلك الإشارات والدّالات التي سجّلتها ذاكرتنا ولاوعينا، تأثّراً بوسطنا الأسريّ الصّغير، أو بمحيطنا الاجتماعي الأوسع، لترسو بعجرها وبجرها هناك راقدة في الأعماق. إنّ التفاتة موضوعيّة، جدّيّة نحو الماضي البعيد لكلّ إنسان، ستسلّط الضوء على تطوّره المعقّد اللّاحق. وقراءتنا هذه ستركّز على أهميّة الحكايا الأسطوريّة بمدلولاتها الرمزيّة الكثيفة، في نمو وتشكيل عوالم وشخصيّة الطفل الذي كنّاه، ومهاراته العقليّة والنّفسيّة.
ثمّة بعدان في الحكاية الأسطوريّة ، الأوّل يحيل إلى التسلية والمتعة، والثّاني إلى معنى الحياة والقيمة التكوينيّة والتغييريّة للتجارب. حيث يتقمّص الطّفل دور البطل الأسطوريّ أو البطلة ويتماهى معهما، ليجد شيئاً من تاريخه الشخصي. فالحكاية هنا تلعب دور المرآة العاكسة لأحلام الطفل، حيث يواجه البطل المشكلات نفسها التي يواجهها الطفل بطريقة رمزيّة وينتصر في النهاية على عوائقه مثله. لذلك النهايات السعيدة للحكاية مهمّة جدّاً ،كونها تمنحه الراحة والثقة بالحياة والأمل بالمستقبل. يقول "بيتلهيم": "لولا الأمل ستبقى حياة الطفل في قلق متواصل". إنّ انتصار البطل على العوائق سيطمئن الطفل على مصيره الخاص إلى حدٍّ كبير. فالحلول التي يجدها البطل للمآزق هي حلوله أيضاً. وتلك النهايات السعيدة المفيدة لا تأتي بصورة سحرية بل هي نتيجة اجتهاد البطل وإرادته وذكائه وعمله وتقويته لمداركه وتجاربه التي من خلالها فقط يتم تخطّي الصعوبات والمحن وتُصقَلُ التجارب. وتلك هي مفاتيح النّجاح الشخصي.
فهدف التّحليل النفسي لـ "قصص الجنّيّات والأساطير" هو التّشجيع على المقاومة والميل لتحسين الشروط الإنسانيّة. فهي تقدّم معرفة ثمينة، لا من خلال إعادة إنتاج خطاب الرّاشدين الأخلاقي، أو تبنّيها لطرق معيّنة للسير عليها، أو فرضها لحلول جاهزة، بل لإفساحها المجال للطفل لأن يجد حلوله وأجوبته الخاصّة، لتلك الأسئلة التي مافتئت تقلق روحه. كما تعمل عملها السحري في إنضاج مفاهيمه نحو الحياة على مبدأ الطب الهندوسي التقليدي، القائم على مبدأ إخضاع الشخص المضطّرب نفسياً لقصّة تمثّل مشكلته رمزيّاً، ثمّ يُترَك المريض بعدها ليتأمّل فيها ،حتى يفهمها ويعالج مرضه بنفسه. دون أن يُقدّم له أيّ تفسير. وبهذه الوسيلة تحفّز إمكاناته الداخلية وطاقاته الكامنة للبحث عن حلول تأتي من داخله. وهنا ينبغي على المربّين والأهالي عدم إعطاء الأجوبة الجاهزة أو تفسير الحكايات وتركها تتغلغل عميقاً لدى الطفل ليجد أجوبته بنفسه، عبر تركيزه على فحواها ورمزيّتها. فالتّفسير من قبل الكبير، سيحرم الطفل متعة امتحان أفكاره عبر التّجربة. وسيمنعه من الإحساس بنتائج تفكيره.
ومن المهمّ هنا أن يُشارك الأهل والمربّون الطفل انفعالاته وفرحه بإيجاد حلول خاصّة به، لا من خلال تمثيل الفرح بل من خلال صدق الانفعال. وكثيراً ما يحدث أن يتعلّق الطفل بقصّة محدّدة ويتمنّى تكرارها على مسامعه، أو إعادة قراءتها بشكلٍ متكرّر. لأنّه يجد في مضمونها ما لا يقدر على التّعبير عنه بالكلام. فهي تملأ فراغات استفهام لديه لم تمتلئ بعد، وحين تمتلئ سيتخلّى عنها إلى قصّة أخرى. كما يجد الطفل في بطل القصة أيضاً حقيقة هشاشته الداخلية، حين يكون البطل في البداية منبوذا، مشرّداً، وحيداً، لا يمتلك شيئاً.
هكذا هو الطفل حين ينظر إلى نفسه بأنّه مقموع، منبوذ، ضعيف. وحتى لو كان يعيش ضمن محيط ماديّ مطمئن، سيبقى لديه قلقه الخاص من أشياء غامضة ومرعبة ومجهولة. وبما أنّ أهله لن يظلوا بالضرورة إلى جانبه، سيكون عليه إيجاد الحلول لقلقه ، مثل بطل الحكاية الوحيد المدافع عن وجوده المهدّد، لكن أيضاً مع إمكانيّة إيجاد حلفاء قد يساعدونه في منعطفٍ ما، من منعطفات المشكلة التي تقلقه، تماماً، مثلما يحدث لبطل الأسطورة ، حين تتدخّل قوى حليفة لتساعده على تخطّي العوائق. وهذا قد لا يتوفّر في القصص الحديثة، التي تخفّف الظلم، والجوانب المتعبة من الحكاية بسردها اللّطيف، فتلغي بذلك جانباً تربويّا مهمّا من جوانبها. وهو أنّ الحياة ليست نهراً دائم التّدفّق، بل سيتعرّض للانعطافات الحادّة أحياناً، وربّما للشّحّ بسبب عوامل الطّقس المختلفة. لذلك حين نخفّف من عرض المسارات السلبيّة في الحكاية، سنساعد في تنمية عالم من الوهم فقط. فقوّة الحكاية ووظيفتها التكوينيّة والتّحليليّة النفسيّة المهمّة لدى الطفل، تأتي تحديداً ،من أنّها تعكس النّزعات الإيجابيّة والسّلبيّة، قبل أن يظهر انتصار الأولى على الثانية.
وها نحن سنستعرض ما يقدّمه علم النفس التحليلي للحكاية الأسطوريّة من خلال تحليل رموز القصّة العالمية الشهيرة "ذات القبّعة الحمراء" للتّدليل على الدّور المهمّ لهذا النّوع من الأدب التّخييلي، في بناء وتطوير مهارات ومدارك الطفل النفسيّة والعقليّة. حيث تبدأ الحكاية بسرد رحلة فتاة صغيرة تسير لوحدها في مجاهيل الغابة، ترسلها أمّها بمهمّة خطيرة، وهي إيصال الطعام لجدّتها المريضة. محذّرةً إيّاها من التّعامل مع الغرباء. القصّة مليئة بالرّموز النّفسيّة والدّوافع اللّاشعوريّة التي تحرّك سلوك البشر. حيث دلالة اللّون الأحمر تشير إلى المعنى الحيويّ الرّغبويّ للحياة وعنفوانها وللحساسيّة واللّيبيدو. بينما رحلة الفتاة، يتناهبها دافعان، دافع إطاعة الوالدة بعدم التوقّف في الطريق، أو التحدّث مع أحد، ودافع رغبتها بالاستكشاف عبر التسكّع في الغابة وإشباع فضولها الطّفولي. كما يبدو لنا الصّراع واضحاً بين "الهو والأنا" بين الأنا والمحرّمات. بين الاحترام والانتهاك. بين الرغبات الواعية واللّاواعية. وما التسكّع في الغابة والحديث مع الذئب سوى تمثيل لرغبات الكائن الواعية باستكشاف المجهول. والتي تنطوي على شيء من الخطورة، حيث الطفلة تجهل النّتائج المترتّبة على انسياقها وراء رغباتها، إن هي أقدمتْ على ذلك.
والجانب الآخر المتعلّق ببعد القصّة النفسي يوضّح لنا تأصّل "عقدة أوديب" في النفس البشريّة. حيث يشير "بيتلهيم" لغياب "الأبّ" الواقعيّ في القصّة، وحضوره الرمزيٍّ ، مجسّداً بـ "الذئب" الشّرير كـ "أب إغوائي". وبشخصيّة " الحطّاب "الخيّرة كـ "أب حامي" ومنقذ للطفلة والجدّة. والسؤال المزعج الآن هو، لماذا "الأب الذئب" لم يفترس الطفلة مباشرة، بل دعاها إلى سرير الجدّة؟ هكذا يظهر الموقف الأوديبي الكامن، جليّاً. حيث تتجلّى عقدة أوديب بشكلٍ مجازيٍّ. باتّضاح الرغبة المحرّمة للأب. وما تناقض مشاعر الطفلة تجاه الذئب، إلّا مثالاً للمشاعر المحرّمة المتناقضة ذاتها التي تشعرُ بها تجاه الأب، والتي تمنعها غالباً من فضحه. ثمّ تأتي القيمة الرمزية لفتح بطن الذّئب لإخراج الجدّة منه، أشبه بعملية قيصرية، كما لو أنّ الطفلة، بعد أن مرّت بالمحنة وانتصرت، تعيش حياة ثانية، حياة تسمح لها بأن تصبح راشدة وكبيرة.