قديسو آخر الزمان...
ليندا ابراهيم- فينكس:
لعل أهم نتائج العشرية الأخيرة، والتي كانت تكنولوجيا العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والتواصل الاجتماعي، المطية التي ركبتها "الشعوب" المقهورة المظلومة المكبوتة التائقة للتحرر والتغيير، لتعبر بكل سذاجة المستغَلِّ لتبوح عبر السيد مارك "بمَ تفكر...؟" بكل مكنوناتها وأفكارها وعواطفها بل وحملتها توقها لمعانقة الفضاءات المفترضة الزائفة في معظمها، كانت هذه الجملة كافية لكي تفصح عن طوية الأفراد والشعوب بكل الأطياف والشرائح والأعمار والبلدان على امتداد المعمورة والتي باتت ليست فقط قرية صغيرة بل حارة، بل حياً يفعل ما يشاء، ويلتف حوله زلمه وغلمانه ومريدوه، لهذا الفريد أو لذلك الطائش لذلك الغبي أم لهذا الذكي المرموق لا فرق، فالكل باتوا في مهب الإنترنت وفضاءاته الواسعة المختلفة سواء بسواء...
أعود للقول بأن أهم نتائج هذه العشرية عدا ما ذكرنا من إرهاصات ومقدمات وتمهيدات وبوادر، بأنها وحدت الشعوب أيضاً في الزيف والنفاق في فوضى المشاعر والقرارات في تشتت الجهات والأفكار والموارد، بل وباتوا قطيعاً لا يلوون على شيء سوى غريزة حب الظهور كما يرسمون ويسمون أنفسهم، بغض النظر عن الطبيعة الأصل والنسخة الأصل المزورة إلا ما رحم ربك...
بات لزاماً علينا الاعتراف بأن من ليست لديه صفحة على مواقع التواصل أو أنستغرام أو تويتر او موع إلكتروني أو حساب يوتيوب فهو كالمنفي المنبوذ المهمش الذي لا قيود له في دائرة نفوس الأحياء، وبات لزاماً علينا الاعتراف بأن البشر باتوا غير البشر، فالكتاب غير الكتاب، وأن الشعر والشعراء والأدباء والأديبات، بل ومؤسسات حكومية بأكملها لم تعد هي المؤسسات التي تقرر وتفعل القول الفصل في جميع قراراتها، بات من لم يعزِّ على الفيس ومن لا يشارك في فرح وترح الآخرين منبوذاً أو لديه عيب أو تقصير في واجب، وبات من لا يبوح بصباحاته ومشاعره بل من لا يمرر رسائله الملغزة ليس من بني البشر بل هو من العصر النياندرتالي أو من عصر الديناصورات الأول، أو مستحاثة من ألف قرن وقرن...
بتنا محكومين بالزيف والنفاق وتحسين الصورة التكنولوجي فيصغر عمرنا وتمسح تجاعيد وجوهنا وأرواحنا بلمسة من يدي قدير، بل وبتنا كراكيز في أيدي أذكياء التكنولوجيا ومخططي الحروب ومستقبل البلدان وليس فقط بيادق على رقعة شطرنج عالمية يحركنها كيفما يشاؤون قلة نادرة من الجشعين والطامعين الطامحين من المعتزين بإثمهم والفخورين بقتل البشر على أيدي إخوتهم البشر...
بتنا إن أردنا السؤال عن مفردة في الكتب المقدسة فالشبكة العنكبوت أقرب من طرفة عين، وبتنا إن أردنا حفظ ذكر أو وِرد أو قصيدة جاهلية، أو إن أردنا معرفة الإنسان الأول الذي مشى على أرض ويلز، نلجأ إليها، وإن سحقنا الفضول التجسس على فضائح الآخرين وأسرارهم فإن كل شيء مباح وبابتذال أرخص ما يكون عليه الابتذال، بل وباستهانة بعقل وفطرة وإنسانية وكرامة البشر...
بتنا إن أردنا الضحك نلجأ لصفحات التنكيت، والطرائف، وإن أردنا معرفة تاريخ الطبري وألفية ابن مالك بكبسة بضعة أزرار وتأتينا على بساط ريح الإنترنت...
بتنا نتهم بعضنا البعض بالجفاء إن لم نرد الصباح في الحال، وإن لم نلق السلام على الأقربين فيسبوكياً... بتنا موضع التحليل لنفسياتنا التي تعكسها كل مفردة بتفوه بها على هذه الشابكة المخضرمة، بل ولم نعد نتخيل الحياة فيما لو افترضنا أن هذه الميزة الذكية العبقرية قد اختفت من حياتنا فجأة ولو لبضع ساعات...
لقد اختفت إنسانية الإنسان وضمرت وحل محلها رن استشعار كوكبي بملايين الأميال من الافتراضات والتوقعات والظنون وبعض اليقين...
هل قلت اليقين؟... وما أدراك ما اليقين... إنه الشذرة الأخيرة والجذوة الباقية من الحق والحقية على هذه الأرض وعلى مر الأزمان التي روحها ومطهرها وأيقونة شذاها السرمدي أولئك القديسون أبناء الحياة ورسل الآلهة من يضخون الدماء في عروق الأبدية لتستمر وتعطي نسغها الأطهر نسغ الكرامة والحياة والثبات والبذل والتضحية حماةِ البلاد... عليهم سلام