كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بانوراما "زيناتي قدسية".. عندما يكون المسرح داراً ووطناً  

 تمّام علي بركات - خاص فينكس:

"زيناتي قدسية" واحد من القلة القليلة التي بقي المسرح في خاطرها دار و وطن, امرأة  تاركة  وولد بكر، هو من يعتبر المسرحي شأن وطني بقدر ما هو شأن فني, مستمرا بالعطاء المسرحي دون انقطاع ,ملتصقا بهذا الفن النبيل منذ أكثر  من 40 عاماً في الوقت الذي أصبح فيه هذا العمل الفني أشبه بالعمل المجاني, دون أن يتخلى ولو قليلا عن مفردة "الإتقان" كمحفز له لتقديم العمل الأجود.
تعتبر مسيرة "قدسية" في المسرح دليل على حيوية هذا الفن ودينامكيته التي يمكن توصيفها بالجملة الماركسية الشهيرة "خطوة للوراء.. خطوتان إلى الأمام" فمنذ بدايته عام 1975 وحتى توقفه المؤقت عام 1985 ليلتقط أنفاسه التي بددها الوهم حينا والحلم أحيانا أخرى بعد توقف المسرح العمالي عن تقديم أعماله، دأب صاحب "الطيراوي" على تقديم ما ارتآه بعد تلك التجربة الطويلة، كونه "فنان" يمثل نبض الشارع العربي عموما والفلسطيني بشكل خاص, عاضا بالنواجذ على الجراح المفتوحة في الشتات؛ السمة الأكثر وضوحا في أعماله المسرحية ,متخذا من جمهور المسرح فرجاره في رسم دوائر النجاح أو الفشل الأقل على جزعه الفني, زيناتي قدسية 2وسواء خرج هذا المتفرج من أي عرض اشترك فيه "قدسية" معجباً بعمله أم نافرا منه فإنه لن يخرج ويقول أن "زيناتي" مقصر في عمله أو قليل التجويد فيه.
كحال المبدعين عموما لم يجد "قدسية" حتى ولو القليل من الأقران الذين يحملون الحماسة نفسها للمسرح, المستعدين للتضحية ولو بالقليل من الوقت كرماً لخشبته صاحبة الفضل الأول في ظهورهم للملأ ,فما كان من قدسية إلا أن ذهب وحيدا إلى عمق الخشبة منفردا بتقديم النوع المسرحي الأحب على قلبه "المونودراما" والذي استطاع تحميلها الكثير الكثير من شيفرات روحه و"د ن إي" أماله وآلامه.
"المونودراما" هذا الفن العتيق, المحتاج إلى آيات وبراهين بيضاء دون سوء لتبقيه متواجدا بقوة على الخشبة, براهين سيصوغها كاتب فذ استطاع تقديم المادة الدرامية بقوة وتميز لافت، شدت انتباه المتفرجين للممثل الوحيد، والذي لن يستطيع الصمود على الخشبة مهما كانت براعته وقدرته إذا لم يحمل جناحيه مادة درامية، تدفعه إلى التحليق بمواهبه والتفنن بها ,فكان الكاتب الكبير الراحل "ممدوح عدوان" شقيق الألم  كما يصفه "فناننا قدسية" هو ذاك الكاتب الذي خط خطاً جديداً في الكتابة الدرامية العربية, وكان ذلك اللقاء النوعي فعلاً بين كاتب ميوله بالمسرح وممثل يتنفس الخشبة من مسامات إبداعه وتتنفسه الكواليس بحميميتها المفرطة، لتقديم العديد من الأيقونات المسرحية الموندرامية مع فرقة "أحوال المسرح" والبداية مع العمل المسرحي الأول "حال الدنيا" تأليف "ممدوح عدوان" إخراج وتمثيل "زيناتي قدسية" الذي قُدم لأول مرة في 14/9/1985 على خشبة مسرح القباني بدمشق.زيناتي قدسية 3
فتح "قدسية ذاكرته الفلسطينية على مصاريع وجعها وألقى بحبل من أمل في بئر الألم، موالفا بين هذيانه في الغياب، وتداعياته الآتية من التاريخ؛ لترتسم فوق تواريخ الجرائد اليومية، مستنجدا بالذاكرة الشعبية والذاكرة الشعرية والموسيقية التي صقلتها السنون، ليحكي ذلك المجنون بالخشبة عمله المسرحي الخالص "مجنون يحكي وعاقل يسمع" تأليفه وإخراجه وتمثيله قدم لأول مرة في 14/11/1988 على مسرح القباني بدمشق ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي الحادي عشر للفنون المسرحية". ففي هذا العرض كسر قدسية حدة المونودراما بإشراكه الفنان "عبد السلام غيبور" كمستمع وحيد بلا شغب وككائن ميتافيزيقي وجودي عدمي، صوفي سريالي، لا يكل ولا يهدأ.
سلكت "مجنون يحكي وعاقل يسمع" عدة مسارات، كانت قد سلكتها القضية الفلسطينية منذ بداية المأساة واغتصاب الأرض حتى الواقع الفلسطيني الذي وقع حينها مرورا بمحطات فلسطينية أخرى كانت شديدة البروز في مسيرة الثورة الفلسطينية؛ بدءاً من المجازر التي ارتكبت بحق أهلها؛ انتهاءً بالمؤامرات التي استهدفتها من الداخل والخارج لإسقاط مشروعيتها، "أبو يونس" اسم الشخصية التي قدمها ألمشخصاتي قدسية، قصت السير و الأحداث التي جرت معها مع مرور الأيام مطالبةً بحقها وأرضها؛ شاكيةً ما فعله بها أولاد العمومة والتهم التي نسبوها إليها، إلى أن يصل في قصتها إلى ثورة الحجارة في الوطن المحتل فبعد أن كان "أبو يونس" متذمرا من تعسف الحياة وصدوده عنها متمتا.." طوبى للبطون التي لا تلد وللأثداء التي لا ترضع" صار في آخر المسرحية يقول: طوبى للبطون التي تنجب وللأثداء التي ترضع ولكل يد تقذف بوجه أي ظالم حجر.
يحسب "لقدسية" في تلك المرحلة تفرده عن أقرانه بمعرفته الصحيحة بالقراءة المشهدية للحدث الدرامي من جهة؛ والتفاصيل اليومية للحال الفلسطينية وتطوراتها في الداخل وفي الشتات من جهة أخرى؛ حيث أجاد في تطويع جسده وعضلاته بشكل نبيه وذكي قلّ توفره في الكثير من ممثلي المسرح آنذاك.زيناتي قدسية 4
لم يكن لهذه التجربة المسرحية السورية - الفلسطينية أن تكتسب مشروعيتها وقدرتها على الاستمرار في التنطع لرصد أحوال الإنسان الفلسطيني؛ لو لم تنفتح على نوع أخر من الكتابة الوجدانية الفلسطينية الخالصة؛ فجاء اللقاء الفلسطيني- الفلسطيني الأهم في هذه التجربة برأي الشخصي بين الراحل الكبير الكاتب والروائي الفلسطيني "غسان كنفاني" التي بقيت أعماله مفتوحة كالجرح في بال "قدسية" فعمل على خلق عمل مسرحي روحه من أعمال "كنفاني" وهو مهدى لروحه فجاءت عرضه "شيء من غسان" وقدم لأول مرة في 23/7/1991 على مسرح المركز الثقافي الروسي بدمشق، هذا العرض الذي أخرجه ومثله "الزيناتي" تألف من ثلاث لوحات اختارها مخرجنا من مختلف الصنوف الأدبية التي كتبها صاحب "عائد إلى حيفا" في القصة والرواية المسرحية.
نجح "قدسية" في إيجاد معادل مسرحي معقول لحالة الفلسطيني المهجر؛ والذي قدم لنا فيها عالم الفلسطينيين الواسع الغني والفقير، المنسجم والمتناقض، حد الاستهجان وربما تكون أهم ايجابيات "شيء من غسان" من بين جميع عروضه هو بحثه المحموم عن قالب مسرحي يرضي همومه الإبداعية من جهة وتلبي رغبته في تقديم الوجع الفلسطيني من جهة أخرى، في عام 2004 قدم الفنان المبدع "قدسية" عمله "غوايات البهاء- ضمن فعاليات مهرجان دمشق الثاني عشر للفنون المسرحية" عن نص لــــــ"موفق مسعود"، وتعتبر "غوايات البهاء" استمرارا لتجربة "قدسية" في فرقة "أحوال المسرح" لكنها شكلت نقلة في البناء الدرامي للنص؛ وفي أسلوب المعالجة الدرامية في رسم فضاء مسرحي امتد من عمق الخشبة إلى عمق الصالة، "غوايات البهاء" محاولة لتفتيت صورة الديكتاتور المعاصر؛ جوانبها النفسية والسياسية والمرضية التسلطية الجنونية والالغائية، حيث تناول العمل قصة حاكم طاغية قضى ما تبقى من سني  عمره بعد سقوطه خائفا ووحيدا إلا من ذاكرته التي تذخر بأرواح الرعية، وكيف قمعها بسلطة بسطاره وبطشه، ليقدم بعدها مسرحيته "كاس سقراط الأخيرة" عن نص لموفق مسعود ايضاً قدم عبرها قدسية رؤيا إنسانية عالية للفيلسوف الإشكالي من خلال تورية الممثل الواحد، وجحيمه النفسي الموصول بعذابات لانهائية.
استمر "قدسية" في تقديم مسرحه الشخصي الملتزم بهويته الفلسطينية ووجع وجودها؛ ولكن بجرعة عالية من الجرأة السياسية -إن صح القول- وكان قد قدم في عام 2011 مسرحية "الطيراوي أبو شنار" من تأليفه وإخراجه وتمثيله، مونودراما المرض والجنون واليأس "أبو شنار" ذاكرة فلسطين بأكملها، فلسطين المنكوبة المتآمر عليها من ذوي القربى الأشد كفرا بعدالة قضيتها، فخلال ساعة ونصف من الزمن نجح "الطيراوي" في شد انتباه المتفرجين دون تراخي بقوة أدائه وصدق حسه وشعوره بنزف الجرح الذي لم يندمل وأي جرح كجرح "أبو شنار"؛ الشخصية الاعتبارية التي مثلت بما حملته من قيم إنسانية وأحزان قاسية كل الفلسطينيين المتنادين بألم الغربة وضياع الحق.
 كان أخر ما قدمه الفنان قدسية من أعماله المسرحية "فاوست" عن نص للكاتب "كريستوفر مارلو" وتحت إدارة المخرج "هشام كفارنة" والتي جاءت بعيدة كل البعد من جهة الطرح وطريقة التقديم عما عودنا عليه "قدسية" بمجمل أعماله؛ الأمر الذي يمكن تفسيره ببعض اليأس الذي تسرب إلى داخل نفسه من جراء تراجع المسرح، والوهن الذي أصاب مفاصله بعد غياب أهم الأسماء التي عملت فيه إما لصالح التلفاز أو السينما أو نتيجة لتغييب الموت لوجودها المادي وتنكر الحاضر الآني لأرثها الحقيقي من أعمال مسرحية تركت أثرا لا يمحى في كل من أحب هذا الفن واخلص له.زيناتي قدسية 5
- الفنان "زيناتي قدسية" من مواليد "إجزم" من عام 1948.
- عمل في المسرح لمدة 35 عاماً.
- في عام 1971 انضّم إلى فرقة المسرح الجامعي المركزية بسورية لمدة أربع سنوات.
- عمل في مسرح الهواة "الشباب" بالإخراج و الإعداد و التمثيل.
- في عام 1977 عمل على تأسيس المسرح التجريبي.
- في عام 1978 عيّن عضواً في نقابة الفنانين.
- في عام 1980 عمل ممثلاً في المسرح القومي.
- عمل مديراً فنياً لفرقة مسرح العمال، كاتباً و مخرجاً.
- عضو في فرقة المختبر المسرحي.
- ترأس عدة لجان تحكيم في المهرجانات المحلية و العربية.
- شارك في العديد من المهرجانات المسرحية العربية و الدولية.
- قام بتأسيس مسرح "أحوال" مع الشاعر و الكاتب ممدوح عدوان.

 
 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني